قالوا: إن المسند يذكر لنفس الدواعي التي اقتضت ذكر المسند إليه.
وذلك كسكونه هو الأصل ولا مقتضي العدول عن ذلك الأصل، كقولك ابتداء: أكثم بن صيفي خطيب العرب في الجاهلية.
وكالاحتياط لضعف التعويل على القرينة، كقولك في جوانب من قال: من أكرم العرب في الجاهلية وأشجعهم؟ -: عنترة أشجعهم، وحاتم أجودهم، لأنك لو قلت: عنترة وحاتم وحذف المسند إلى كل منهما لاحتمل أن تكون قد أردت: عنترة أكرمهم، وحاتم أشجعهم، فذكرت المسند إلى كل منهما حتى يتعين المخاطب.
[ ٣٧٦ ]
وكالتعريض بغبارة السامع، كقولنا: "محمد نبينا" في جواب من سأل: من نبيكم؟ تعرضًا بغبارة من سأل هذا السؤال وأنه لو كان له تمييز لم يسأل عن بني هو أظهر من يتوهم خفاؤه، فيجاب يذكر أجزاء الجملة إعلامًا بأن مثل هذا لا يكفي معه إلا التنصيص، لعدم فهمه بالقرائن الواضحة.
ولذلك يذكر المسند لزيادة تقريره في نفس السامع وتثبيته في ذهنه، لأنه مما يتعلق به الغرض وذلك كما في قول الله تعالي: "ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقوان خلقهن العزيز العلمي (١)، فلو حذف المسند لدل السؤال عليه، ولكنه ذكر المسند وهو: (خلق) لزيادة تقرير خلق السموات والأرض.
وقد ذكر العلامة السعد هذه الآية الكريمة مثالًا لذكر المسند احتياطًا لضعف التعويل على القرينة ولكن رد عليه يقول الله تعالي: " ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (٢)﴾ إذ السائل هنا هو السائل هناك والمسئول هنا هو المسئول هناك، فكيف يضعف التعويل على القربنة في أحدهما دون الآخر؟ !
والحق انا لمسند قد ذكر في الآية الأولى لزيادة تقرير خلق السموات والأرض وتثبيته في نفوس المشركين ولكنه حذف في الثانية إثبارًا للإيجاز والاختصار اعتمادًا على مجيئه في جواب سؤال محقق لأنه لو لم يحذف لقيل: خلق الله السموات والأرض، وسخر الله الشمس والقمر، لأنه لو قيل في الجوانب: خلقن الله، لم يشمل تسخير الشمس والقمر، ولو قيل: سخرهما الله"
_________________
(١) الزخرف ٩.
(٢) العنكبوت ٦١.
[ ٣٧٧ ]
لم يشمل خلق السموات والأرض ولهذا كان في الإيجاز يحذف الشد مندوحة عن هذه الإطالة.
ولعل أهم غرض من أغراض ذكر المسند إليه هو التقرير والإيضاح كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - لأن الأغراض التي أسلفناها ربما كانت ضيقة المجال، كالتنبيه على غبارة السامع الذي ينحصر غالبًا في مقامات الخطاب، وربما كان بعضها محدود القيمة، ككونه والأصل ولا مقتضي للعدول عن ذلك الأصل.
والمعاني الأدبية لا يكفي فيها ما يكفي في الحالات الخطابية من مجرد الإفهام، وإنما هي محتاجة فوق ذلك إلى مزيد من التقرير والتأكيد حتى تؤثر في النفس وتداخل القلب وتتعمق في الشعور، وذلك غاية الكلام البليغ (١).