أما وضع المضمر موضع المظهر: فله صورتان:
الصورة الأولى: صورة أسلوب المدح أو الذم بنعم أو بئس. أو ما دل على معنيهما، لأن في الإضمار إيضاحًا بعد إبهام، أو تفصيلًا بعد إجمال،
[ ٣٠٣ ]
وفي ذلك تأكيد المعنى في ذهن السامع، وتقوية له، بإيراده مرة مبهمًا أو مجملًا، ومرة أخرى موضحًا أو مفصلًا.
ومثال ذلك قولك: نعم بطلًا خالد، وبئس صاحبًا إبليس، فالمسند إليه ضمير مستتر في نعم وبئس، مع أنه لم يتقدم له مرجع يرجع إليه، لأنهم اشترطوا للإضمار: أن يتقدم الضمير مرجع لفظًا، أو معنى، أو رقية، أو تدل عليه قرينة، ولا مرجع الضمير هنا، ولا دلت عليه قرينة، ولهذا كان المقام - في الظاهر - للإظهار، بأن يقال: نعم البطل خالد، وبئس الصاحب إبليس، ويكون البطل فاعلًا ظاهرًا لنعم، والصاحب فاعلًا ظاهرًا لبئس، ولكنهم خالفوا الإظهار إلى الإضمار، لما في الإضمار من فضل تأكيد المعنى وتقويته، لأنك تورد المعنى فيه مكررًا، فمرة مبهمًا أو مجملًا، ومرة أخرى موضحًا، أو مفصلًا.
هذا كله إذا كان المخصوص بالمدح أو الذم مبتدأ محذوف الخبر، أو خبرًا محذوف المبتدأ: أي: خالد الممدوح، وإبليس المذموم، أ: هو خالد، وهو إبليس.
أما إذا جعلنا المخصوص مبتدأ، والجملة قبله خبرًا عنه، فلا شاهد فيه، لأن الضمير حينئذ يكون راجعًا - في أرجح الأقوال - إلى المخصوص بالمدح أو الذم، وهو - وإن تأخر لفظًا - متقدم رقبة، لأنه مبتدأ.
والصورة الثانية: ضمير الشأن أو القصة: ولا يأتي الكلام مبقيًا عليهما إلا إذا كان المعنى الذي توارى خلفهما من المعاني المهمة لدى المتكلم، والتي يحسن تهيئة النفوس لتلقيها.
ومن المعاني الجليلة التي توارت خلف ضمير الشأن قول الله تعالى:
[ ٣٠٤ ]
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) فقد ذكر ضمير الشأن (هو) وفسره بالجملة التي بعده وهي: (الله أحد).
وواضح أن هذا المعنى هو الذي قامت على سره الأكوان، فليس هناك معنى هو أجدر منه بالاهتمام.
ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فقوله: (فإنها) ضمير القصة، وقد فسره بقوله: ﴿لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وفي هذا الإضمار تهيئة للنفوس لتلقي هذا المعنى الجليل، وهو تفسير موقف العقول المنكرة من الأدلة الواضحة.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٢) فالهاء من (أنه) ضمير الشأن، وقد هيأ هذا الإضمار للنفوس تلقي هذا الأمر الجليل وهو أن مخالفة الله تعالى مآل صاحبها الإحراق بنار جهنم والعياذ بالله، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
وأمثلة هذا اللون من التعبير - في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى.
وإليك من فصيح الشعر طائفة يميزها هذا الأسلوب في أغراض شتى:
قال الحريث بن زيد - وكان قد قتل رجلًا يدعي أبا سفيان في ابن عم له يدعى أوس بن خالد، وهرب إلى الشام - (٣):
ألا بكر الناهي بأوس بن خالد أخي الشقوة الغبراء والزمن المحل
_________________
(١) الإخلاص: ١.
(٢) التوبة: ٦٣.
(٣) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٥٨. (٢٠ - النظم البلاغي)
[ ٣٠٥ ]
فإن يقتلوا بالغدر أوسا فإنني تركت أبا سفيان ملتزم الرحل
فلا تجزعي يا أم أوس فإنه نصيب المنايا كل حاف وذي فعل
الشتوة الغبراء: الأرض اليابسة لتي تهب فيها الريح فتثير الغبار، والمحل: الجدب. ملتزم الرحل: ملتزم السرج. أم أوس: بنت القتيل.
يقول: لقد بادر الناعي وأخبر بموت أوس بن خالد الذي كان ملجأ القوم عند الجدب وانقطاع المطر فإن كانوا قد قتلوا أوسًا غدرًا، فلقد تركت لهم أبا سفيان صريعًا فوق فرسه، فلا يشتد حزنك يا أم أوس على أبيك، فالموت حتم على جميع الناس غنيهم وفقيرهم.
والشاهد قوله: (فإنه) حيث أتى بضمير الشأن مفسرًا بالجملة - التي بعده وهو (تصيب المنايا كل حاف وذي نعل) ولا شك أن في هذا الإضمار ما يجعل المتلقي يتطلع إلى البحث عن مرجع الضمير يؤول إليه، ويهيئه لكي يتلقى هذا الخبر المهم، وهو أن المنايا لا تفرق بين الأغنياء والفقراء.
وقال عويف القوافي الفزاوي، في عبينة بن أسماء، لما حبسه الحجاج وقيده - وكانت بين عويف وعبينة خصومات من قبل (١):
لما أتاني عن عبينة، أنه أمسى عليه تظاهر الأقياد
خلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد
يقول: على الرغم مما كان بيننا من خصومات، فإنني عندما علمت بأنه أضحى مثقلًا بقيوده، ذهب ما كان في صدري، وعطفت عليه، فإن المصائب تذهب العداوات.
_________________
(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٩٧.
[ ٣٠٦ ]
والشاهد قوله: (إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد) حيث أتى بضمير الشأن، مفسرًا بالجملة بعده وهي: قوله: (عند الشدائد تذهب الأحقاد) وفي هذا الإضمار ما يهيئ السامع لتلقي هذا الخبر المهم، وهو: أن الشدائد تذهب الأحقاد وتصفي النفوس.
وقال طرفة بن العبد - في ابن عم كان مبغضًا له - (١):
وأنت على الأدنى شمال عرية شآمية تزري الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرة تذاءب منها مرزغ ومسيل
وأعلم علمًا ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
وأن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل
شمال عرية: ريح باردة تأتي من ناحية الشمال. تزري الوجوه: تقبضها. بليل: باردة معها ندى. غير قرة: غير باردة. تذاءب: من التذاؤب وهو مجيء الريح من كل جانب. مرزغ: مطر يأتي بالرزغة، أي الوحل الغليل. ومسيل: مطر يأتي بالسيل.
يقول: إنك على أقاربك - في الأذى - كالريح الباردة التي تتغير منها الوجوه وتتقلص منها الشفاه، ولكنك على الأباعد سمح كريم.
ويقيني: أن الإنسان قامع لمولاه: فإن كان عزيزًا كان مثله عزيزًا، وإن كان ذليلًا كان مثله ذليلًا، وأن الإنسان إذا لم يكن له عقل يحفظ به سره ظهرت عيوبه على فلتات لسانه.
والشاهد قوله: (إنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل) حيث أتى بضمير الشأن مفسرًا بالجملة الشرطية بعده.
_________________
(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ١٧٣.
[ ٣٠٧ ]
وقد نبه الإضمار المخاطب لتلقي الخبر المهم بعده، وهو أن عز المرء بعز مولاه، وذله بذله.
وقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية تبكي زوجها - وقد تمثلت بهذا فاطمة الزهراء، أو عائشة أم المؤمنين - ﵄ - يوم وفاة رسول الله - ﷺ - (١):
يا عين بكى عند كل صباح جودى بأربعة على الجراح
قد كنت لي جبلًا ألوذ بظله فتركتني غرضًا بأجرد ضاح
قد كنت ذات حمية ما عدت لي أمشي البران وكنت أنت جناحي
فاليوم أخضع الذليل وأنفى منه، وأرفع ظالمي بالراح
وأغض من بصري وأعلم أنه قد بان حد فوارس ورماحي
بكى: أكثري من البكاء. بأربعة: تقصد مجاري الدمع إلى العين.
تقول: يا عيني: أكثر البكاء كل صباح على الجراح، واستنزلي الدموع الكثيرة عليه. قد كنت لي ملجأ أعتصم به، والآن تركتني غرضًا لسهام الأيام، وكنت في حياتك صاحبة عزة، أقطع الفلاة الواسعة وحيدة، لا أرهب أحدًا يعترضني، إذ كنت قوتي وحصني، فأصبحت اليوم ذليلة خائفة ممن أرادني بسوء؛ ليس لي ما أدفع به ظالمي إلا كفى، وأعرض عن فالتي بسوء، لعلمي أن الذي كان حامي ذماري وحد رماحي قد انفصل عني.
والشاهد في الأبيات قولها: (أنه قد بان حد فوارسي ورماحي) فإن
_________________
(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٨٣.
[ ٣٠٨ ]
الشاعرة قد أتت بضمير الشأن لتنبه السامع إلى الخبر الذي ستوضحه بعده لأهميته، وهو أنه قد انفصل عنها من كان بمثابة فوارسها ورماحها.
وهذا يزيد بن الحكم الثقفي، يعظ ابنه بدرًا (١).
يا بدر - والأمثال بضـ ربها لذي اللب الحكيم
دم الخليل بوده ما خير ود لا يدوم؟
واعرف لجارك حقه والحق يعرفه الكريم
وأعلم بأن الضيف ير ما سوف يحمد أو يلوم
والناس مبتنيان محـ مود البناية أو ذميم
وأعلم بني، فإنه بالعلم ينتفع العليم
يقول الشاعر لابنه: يا بدر - والأمثال لا تضرب إلا لذوي العقول الناضجة - إذا اخترت أحدًا لصداقتك، فكن له خير صاحب، فإن الذي لا دوام لوده لا خير فيه، وعليك أن تعرف حق جارك، فإنه لا يعرف الحق إلا الكريم وأحسن إلى الضيف وقم بواجباته، فإنه سوف يجلب لك حمدًا: أن أحسنت إليه وذمًا إن قصرت في حقه، والناس صنفان: منهم من يحمد، ومنهم من يذم، وذلك موقوف على أخلاقهم وأحوالهم.
والشاهد في الأبيات قوله: (فإنه بالعلم ينتفع العليم) حيث أتى بضمير الشأن، ليفيه به المتلقي إلى أن الخبر الذي يأتي بعده مفسرًا، من الأخبار الجليلة، وهو أن العلم ينفع صاحبه.
_________________
(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٤١.
[ ٣٠٩ ]
وقال عبد الله بن الدمينة متغزلًا (١):
أما يستفيق القلب إلا انبرى له قوهم صيف من سعاد ومربسع
أخادع عن أطلالها القلب؛ إنه متى تعرف الأطلال عينك تدمع
عهدت بها وحشا عليها برافع وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
يقول الشاعر: كيف لا يصحو القلب إلا وقد تعرض له خيال سعاد في المصيف والمربع؟ إنني أموه على عيني في رؤية الأطلال. لأنها إذا عرفتها بكت، لقد كنت ألقى بها أيام عمرانها سربًا من الحبيبات يخرجن في البراقع أما اليوم فإنني أرى بها سربًا من البقر الوحشي لم يتبرقع.
فالشاعر يعاقب نفسه على شغل قلبه بسعاد، ويذكر تجلده في تناسبها، ويشكو عينيه أنها تبكي كلما رأت آثار ظك الأطلال.
والشاهد في الأبيات قوله: (إنه متى تعرف الأطلال عينك تدمع) حيث أتى بضمير الشأن منبهًا به إلى ما يفسر بعده من خير يثير كواهن الشوق في قلبه، وهو أنه كلما عرفت عينه الأطلال سالت دموعها.