قالوا: إن المسند إليه يؤتى به معروفًا بأل إذا كان بينك وبين مخاطبك عبد به.
فإذا تقدم له ذكر صريح، كما في قولك: صنعت في رجل جميلًا، فلم يحفظ الرجل الجميل سميت هذه اللام لام العهد الصريح.
ومنه قوله تعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ"، فقد ذكر المصباح والزجاجة منكرين، ثم أعيد ذكرهما باللام، لأنهما معهودين، لتقدم ذكرهما صراحة.
وإذا تقدم له ذكر كنائي، كما في قوله تعالى - في شأن أم مريم -: "ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، فأتى بالمسند إليه وهو "الذكر" محلى بأل للإشارة بها إلى معهود، تقدم ذكره كناية في قوله تعالى: - حكاية عن امرأة عمران -: "رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا"، فلفظ ما يعم الذكور والإناث، ولكن التحرير - وهو أن يعتق الولد ليكون وقفًا على خدمة بين المقدس - لم يكن إلا للذكور، ولهذا كان قولها: "مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا" كناية عن الذكر.
فإذا تقدم المسند إليه ذكر كنائي كما في الآية الكريمة سميت اللام لام العهد الكنائي.
وإذا لم يتقدم للمسند إليه ذكر مطلقًا، لا صريحًا ولا كناية، ولكن المخاطب به عهد، كأن تقول في شأن رجل حاضر معكما: "أنشد الرجل قصيدة عصماء، سميت اللام لام العهد الحضوري.
وإذا لم يكن حاضرًا سميت اللام لام العهد العلمي.
[ ٢٥٣ ]
وقد يؤتى بالمسند إليه معرفًا بأل للإشارة بها إلى الحقيقة نفسها.
فإذا دخلت اللام على ما يراد به الحقيقة نفسها بغض النظر عما ينطوي تحته من أفراد، سميت اللام لام الحقيقة، وذلك كما في قولك: الرجل خير من المرأة، الحرير أحسن من القطن، الذهب أفضل من الفضة.
ومن ذلك قولهم: "أهلك الناس الدينار والدرهم".
ومنه قول أبي العلاء المعري:
والخل - كالماء - يبدى له ضمائره مع الصفاء، ويخفيها مع الكدر
فالحكم بالتشبيه هنا على حقيقة الخل لا على خل بعينه.
وإذا دخلت اللام على ما يراد به فرد مبهم من أفراد الحقيقة - لقربنة دالة على ذلك - سميت اللام لام العهد الذهني، وذلك كما في قوله تعالى: "وأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ".
ومنه قول شمر بن عمرو الحنفي (١):
لو كنت في ريمان لست ببارح أبدًا وسد خصاصة بالطين
لي في ذراه مآكل ومشارب جاءت إلى مغبتي تبغيني
ولقد مررت على اللئيم يسبني فمضيت تمت قلت: لا يعنيني
غضبان ممتلئًا على أهابه إني وربك سخطه يرضيني
يا رب نكس إن أتته مشيئتي فرح، وخرق إن هلكت حزين
ريمان: قصر باليمن، خصاصه: حاجة. الذرى بفتح الذال: ما يكن
_________________
(١) الأصمعيات، ص ١٣٦.
[ ٢٥٤ ]
من الريح من حائط أو شجر، النكس بكسر النون وسكون الكاف: الرجل الضعيف، أو المقصر عن غاية النجدة والكرم، الخرق: بكسر الخاء: الكريم المتخرق في الكرم أو الفتى الظريف في سماحة ونجد.
فالشاعر يقول: لو كنت في قصر ريمان باليمن مقيمًا فيه أبدًا، قد سدت فروجه وأحكم غلق نوافذه، آكلًا شاربًا فيه، لأتتني فيه منيتي تبتغيني.
ولقد مررت على اللئيم - وهو يسبني - فلم أحفل به، ولم أهتم بما يقول، وحدثت نفسي قائلًا: مثل هذا اللئيم لا أقيم له وزنًا، ولا أعيره اهتمامًا، مع أنه قد امتلأ غضبًا وحنقًا علي، يكاد يهلك نفسه ويحرق صدره بما يكنه من العداء إن هذا - وربك - هو ما يرضيني ويريح نفسي، ولئن مت ليفرحن الضعيف الحقير، وليحزنن الكريم الأصيل.
وإذا دخلت اللام على ما يراد به جميع الأفراد المندرجة تحت الحقيقة، سميت اللام لام الاستغراق سواء أكان الاستغراق حقيقيًا، كما في قوله تعالى: "إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ"، لأن المراد: جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الإنسان، أم كان الاستغراق عرفيًا، كما في قولك: "امتثل الجند أمر القائد" لأن المراد: جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الجند بحسب العرف.
أي: جنود بلد القائد فحسب.
[ ٢٥٥ ]