قال البلاغيون: إن من أغراض تعريف المسند إليه باسم الإشارة: تمييز المسند إليه أكمل تمييز، لصحة إحضاره في ذهن السامع بواسطة الإشارة إليه حسًا.
والسر في أن تمييز المسند إليه أكمل تمييز لا يتم إلا باسم الإشارة، هو: أنك إذا أشرت إلى شيء، فكأن هذا الشيء - وإن كان معنى من المعاني - موجود أمامك فعلا، ولهذا فإنك تشير إليه إذ لا يشار إلا إلى موجود، وبإشارتك إليه دون غيره، تكون قد ميزته عن غيره مما لم تشر إليه مما هو موجود معه، بخلاف العلم - مثلا - فإنك إذا قلت: "محمد" - مثلا - فإن هذا الاسم وإن كان قد وضع لذات معينة، فإن ثمة مسميات أخرى بهذا الاسم، فلا يتم تمييز المسند إليه أكمل تمييز.
قال في مواهب الفتاح: "واسم الإشارة إذا كان المشار إليه حاضرًا حسيًا مع كون السامع رائيًا أو نزل بتلك المنزلة، أقوى من العلم المشترك في الحالة الراهنة".
واسم الإشارة للمفرد المذكر (ذا) وقد يوصل بهاء التنبيه - وهو الأكثر - فيقال: (هذا طارق) وقد يخلو منها - وهو الأقل - فيقال: (ذا طارق).
وقد عاب القاضي الجرجاني على ابن الطيب كثرة استعماله لذا - بدون هاء التنبيه - لأنها - على حد تعبيره - ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف (١).
_________________
(١) (١») الوساطة ص ٩٥
[ ٢٣٧ ]
غير أنه عاد فقال: وربما وافقت موضعًا يليق بها، فاكتسبت قبولا.
فاستعمال (ذا) بمفردها أمر لا يستطيعه إلا من له دراية برياضة التراكيب.
قد يقتضي المقام تمييز المسند إليه أكمل تمييز، لكي تسند إليه الخبر قويًا متمكنًا، وذلك لأن ظهور المسند إليه ووضوحه في ذهن السامع مما يعين على قوة إسناد الخبر إليه.
واستمع إلى قول ابن الرومي - يمدح أبا الصقر الشيباني -:
هذا أبو الصقر، فردًا في محاسنه من نسل شيبان بين الضال والسلم
فقد أراد الشاعر أن يخبر عن الممدوح بأنه أشهر من نار على علم، يتفرده في كل حسن معنوي، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء، لأنهم يسكنون البوادي حيث الحرية والبعد عن سلطة الحكام، فقال: هذا يميزه أكمل تمييز، لكي يسند إليه الخبر بأنه "أبو الصقر" - أي الذي يعرفه كل الناس لتفرده في محاسنه، وأنه "من نسل شيبان" الذين يسكنون البوادي، ويعشقون الحرية، فكان من قوة الخبر ما قد رأيت.
ولما لم يكرم الزبرقان بن بدر وفادة الحطيئة، تحول عنه إلى بغيض بن عامر، فقال من قصيدة له في مدحه (١):
وإن التي نكبتها عن معاشر غضاب علي أن صددت كما صدوا
أتت آل شماس بن لأي وإنما أتاهم بها الأحلام والحسب العد
فإن الشقي من تعادي صدورهم وذو الجد من لانو إليه ومن ودوا
_________________
(١) (١») المنتخب من أدب العرب جـ ٤ ص ٢١٥، ص ٢١٦
[ ٢٣٨ ]
يسوسون أحلامًا بعيدًا أناتها وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلوا عليهم - لا أبا لأبيكم - من اللؤم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا حسنوا البنى وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وإن قال مولاهم على جل حادث من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا
وإن غاب عن لأي بغيض كفتهم نواشئ لم تطرر شواربهم بعد
نكبتها: أي نحبتها؛ والمعاشر: قوم الزبرقام بن بدر والمولى: ابن العم أو الجار أو الحليف على جل حادث: أي عند الخطب العظيم، لأي: عشيرة بغيض بن عامر. نواشئ: فتيان القبيلة؛ لم تطرر شواربهم لم تظهر.
يقول الشاعر: إن المدحة التي نحيتها عن قوم غضبوا علي؛ لأنني صددت عنهم كما صدوا عني، قد جاءت آل شماس بن لأي فجاءهم بها ذكر المكارم وظهور المفاخر؛ وهم لذلك أهل، فالشقي من يعادونه والسعيد من يصادقونه لأنهم إذا رضوا تعاملوا مع الناس بعقول ذات أناة وتؤدة، وإذا غضبوا كانوا أهل حفيظة وعجلة؛ فلا تلوموهم - لا أبالكم - وإلا فسدوا مكانهم إن استطعتم، فهؤلاء قوم يحسنون عمل المكارم، فإن بنوا مكرمة أحسنوا بناءها، وإن عقدوا العزيمة أوثقوها، وإن صمموا على الحرب شدوا على الأعداء، وإن أنعم عليهم أثابوا على النعمة، وإن أنعموا على غيرهم لم يكدروا النعمة بالمن ولم يكدروا من
[ ٢٣٩ ]
أعطوه بطلب الجزاء، وإن استغاث بهم المولى في شأن أضر به، وايتشارهم فيه، أمدوه بالرأي السديد، والقول الرشيد، وإن غاب بغيض عن قبيلته سد مسده فتيان مرد لم تظهر لهم شوارب.
والشاهد في الأبيات قوله: "أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى" حيث عرف المسند إليه، وهو: "آل شماس بن لأي، قوم بغيض بن عامر" ليسند إليهم الخبر الموصوف بتلك الصفات التي ذكرها قويا متمكنا.
واستمع إلى قول بعض الشعراء يمدح حاتما الطائي:
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل متسربل سربال ليل أغبر
أومأ إلى الكوماء: هذا طارق نحرتني الأعداء إن لم تنحري
تأمل: نظر الشيء مستبينًا له متسربل سربال ليل: غطته ظلمات الليل، أومأ: أشار، الكوماء: الناقة العظيمة السنام.
يقول الشاعر: إن حاتما إذا رأى في ظلمات الليل ضيفًا، أشار إلى الناقة العظيمة السنام قائلا لها: هذا القادم إلينا ضيف طارق، لا كنت إن لم تكوني له طعاما! .
فقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة ليميزه أكمل تمييز، لكي يسند إليه الخبر متمكنا قويا، وهو أنه ضيف طارق وجب قراه.
وتأمل أنت قوله: "متسربل سربال ليل أغبر" تجده يتحدث عن طروق الضيف ليلا، لأن الضيف - كما قالوا - أكثر طروقًا بالليل،
[ ٢٤٠ ]
فناسب أن بقول في أول البيت: "وإذا تأمل شخص ضيف مقبل" لأنه إذا أقبل الضيف وقد أسدل الليل ستاره الداكن على الكون، فإنه ليس في استطاعة إنسان أن يميز شخص المقبل عليه إلا بعد تأمل.
ولهذا فإننا لسنا مع العلامة السبكي في أن في قول الشاعر نقصًا أدبيًا، وأنه كان عليه أن يقول: تخيل، أو توهم، لما أسلفته لك منذ قليل:
واستمع إلى قول الآخر:
ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان: عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثي له أحد!
تجد الشاعر قد أشار إلى العير ليميزه عن الوتد بقوله: (هذا) ليضيف إليه الخبر الخاص به قويا متمكنا، وهو: أنه مربوط برمته على الذلة والمهانة، ثم أشار إلى الوتد بقوله (ذا) ليميزه عن العير أكمل تمييز، ليضيف إليه الخبر الخاص به قويا متمكنا، وهو أنه يشق فلا يرثي لحاله إنسان!
وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه باسم الإشارة: التعريض بغباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا المحسوسات التي يشار إليها بالبنان:
ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني، فقال: حج الفرزدق بعد ما كبر، وقد أتت له سبعون سنة وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام، فرأى علي بن الحسين في غمار الناس في الطواف، فقال: من هذا الأب الذي تبرق أسارير وجهه كأنه مرأة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها؟
[ ٢٤١ ]
فقالوا: هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقال الفرزدق (١).
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خبر عباد الله كلهم، هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك: من هذا؟ بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
إذا رأته قريش قال قائلها: إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحه عبق من كف أروع، في عرنينه شمم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
الله شرفه قدما، وعظمه جرى بذاك له في وجهه القلم
أي الخلائق ليست في رقابهم لأولية هذا، أو له نعم؟ !
من يشكر الله يشكر أوليه ذا فالدين من بيت هذا ناله الاسم
_________________
(١) (١») الأغاني جـ ٢٥ صـ ٨٦٥٢
[ ٢٤٢ ]
فقد عرض الفرزدق بغباوة هشام بن عبد الملك بتكراره المسند إليه معرفا باسم الإشارة في الأبيات الثلاثة الأولى إذ قال: (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته) (هذا ابن خير عباد الله كلهم) (هذا التقى النقي الطاهر العلم) (هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله)، فكأن هشامًا غبي لا يفهم إلا المحسوسات التي يشار إليها بالبنان، ولهذا فإنه قد عرف المسند إليه باسم الإشارة (هذا) ولم يكتف بهذا، ولكنه كرر اسم الإشارة، لينبه إلى أن غباوة هشام قد زادت حتى أصبح لا يفهم المحسوسات التي يشار إليها إلا إذا تأكدت بالتكرار.
وتأمل المجاز العقلي في قوله: "تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم، تجد أن معرفه علي بن الحسين قد زادت حتى شملت الأماكن، فعرفته هي الأخرى، فكيف يجهله هشام بن عبد الملك؟ .
ثم تأمل هذا العدد الهائل من أسماء الإشارة في قوله: "مكارم هذا" "لأوليه هذا" (أولية ذا) "من بيت هذا" فإنك تشتم منه رائحة السخرية اللاذعة التي فاضت بها شاعرية الفرزدق دون شعور من القارئ بملل، لأن كل إشارة منها قد وقعت في موقعها فزادت من قوة الأسلوب، وأبانت مقدرة الشاعر على رياضة التراكيب، والأخذ بعنان الكلام في توجيه الأساليب.
وقد أسلفنا لك: أن القاضي الجرجاني قد عاب على أبي الطيب المتنبي كثرة استعماله "لذا" التي هي للإشارة بدون هاء التنبيه، لأنها - على حد تعبيره - ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، غير أنه عاد فقال: وربما وافقت موضعا يليق بها فاكتست قبولا.
ولعلك قد لاحظت معي أن الشاعر هنا لم يستعمل (ذا) مجردة إلا في موضع واحد هو قوله:
[ ٢٤٣ ]
(من يعرف الله يعرف أولية ذا) وكان من الممكن أن يقول: (أوليته) ويسلم له - مع هذا - وزن البيت.
ولكنه آثر (ذا) لما أسلفت لك من أنه قد آثر الإشارة المكررة سخرية من هشام بن عبد الملك الذي تجاهل من يعرفه المسلمون جميعًا يومئذ.
ولهذا فإن (ذا) هنا قد وقعت في موقعها الذي أراده لها الشاعر، فزادت من قوة الأسلوب ورصانته.
والقاضي الجرجاني لم ينكر استعمال اسم الإشارة مطلقًا - كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - في صنعة الشعر، وإنما أنكر - فقط (ذا) بدون هاء التنبيه؛ لأن استعمالها بدون الهاء لا يقدر عليه إلا أديب حصيف عارف برياضة التراكيب.
وكان من أثر التعريض بغباوة هشام بن عبد الملك الذي نشأ عن تعريف علي بن الحسين بهذا الفيض من الإشارات التي أشاعت روح السخرية في القصيدة كلها من هشام بن عبد الملك، أن غضب هشام، فأمر بحبس الفرزدق بين مكة والمدينة، فقال الفرزدق:
أتحبسني بين المدينة والتي إليها قلوب الناس يهوى منيبها؟ !
يقلب رأسًا لم يكن رأس سيد وعينًا له حولاء باد عيوبها؟ !
فلما بلغ شعره هشامًا عفا عنه وأطلقه (١).
_________________
(١) (١») الأغاني جـ ٢٥ صـ ٨٦٥٤
[ ٢٤٤ ]
ودلالة اسم الإشارة على القريب في نحو: هذا زيد، وعلى البعيد في نحو: ذلك عمرو، وعلى المتوسط بين القرب والبعد في نحو، ذاك بشر، دلالة لغوية لا شأن للبلاغيين بها.
ولكن لها استعمالات مجازية تلقي على الكلام ظلالا من القرب أو البعد، هي من شأن البلاغيين وموضع اهتمامهم، وللأديب البصير بمسالك الكلام ودروبه في مجالها مراتع خصبة، ومنابع عذبة، يستطيع - في ظلالها - ترويض القرب أو البعد ليكون طوع قلمه ورهن إشارته، فتارة يكون مجالا للتعظيم - إن شاء - وتارة أخرى يكون مجالا للتحقير - إن شاء - أيضًا!
وللبلاغيين في ذلك فلسفة لا تخرج عن دائرة الذوق البلاغي السليم، والحس الأدبي المرهف فإن قصدوا بالقرب التعظيم؛ فذلك لأن المحبوب ما يكون مخالطًا للنفس حاضرا في الذهن لا يغيب عن الخاطر، فتعظيمه - إذن - يناسبه القرب المكاني.
وإذا قصدوا به التحقير: كان السر في هذه الدلالة: أن الحقير - عادة - لا يمتنع على الناس، بل يكون قريب الوصول إليه، سهل التناول مبتذلا، دائمًا بين أيديهم وأرجلهم، فتحقيره يناسبه القرب المكاني.
وإذا قصدوا بالبعد التعظيم: كان السر - في هذه الدلالة - أن العظيم - عادة - يتأبى على الناس وينأى عنهم لعزته ورفعة شأنه، فتعظيمه حينئذ يناسبه البعد المكاني.
وإذا قصدوا به التحقير كان السر في هذه الدلالة: أن الحقير شأنه ألا يلتفت إليه ولا يعرض للخاطر لنفرة النفوس منه، فتحقيره حينئذ يناسبه البعد المكاني.
[ ٢٤٥ ]
فقول الله تعالى: "إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" قد قصد فيه تعظيم المسند إليه وهو القرآن الكريم - بالقرب تنزيلا لقربه من النفس منزلة قرب المسافة، ولهذا عبر عنه باسم الإشارة الموضوع للقريب تحقيقًا لهذا الغرض.
وقول الله تعالى: - حكاية عن امرأة العزيز - ردًا على أولئك النسوة اللائي لمنها في يوسف ﵇ -: "فذلكن الذي لمتنني فيه" قد قصد فيه تعظيم يوسف ﵇، ولهذا عبر عنه باسم الإشارة الموضوع للبعيد فقال "فذلكن" ولم يقل: "فهذا" - مع أنه كان حاضرًا معهن في المجلس رفعًا لمنزلته في الحسن البالغ حد الكمال، وتمهيدًا لإبداء العذر في افتتانها به.
وقوله تعالى: "ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ" قد قصد فيه تعظيم المسند إليه - وهو الكتاب - فعبر عنه باسم الإشارة للبعيد، رفعا لمنزلته، وتعظيما لشأنه.
وقوله تعالى: "فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ" قد قصد فيه تحقير المسند إليه - وهو الذي يدع اليتيم - بالبعد تنزيلا لبعده عن ساحة عز الحضور والخطاب، منزلة بعد المسافة.
واستمع إلى قول الله تعالى: "فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * ومَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ" تجد أنه قد عبر عن المسند إليه - في الآية الأولى - وهم الذين ثقلت موازينهم يوم القيامة - باسم الإشارة الموضوع للبعيد تعظيمًا لشأنهم، وبعد منازلهم.
وأنه قد عبر عن المسند إليه - أيضًا - في الآية الثانية - وهم الذين
[ ٢٤٦ ]
خفت موازينهم يوم القيامة - باسم الإشارة الموضوع للبعيد - أيضًا - ولكن لبعدهم عن الرشد، وإقصائهم عن منازل الفائزين.
واستمع إلى قول الفرزدق - يهجو جريرًا -:
أولئك آبائي، فجئني بمثلهم إذا جمعتنا - يا جرير - المجامع
تجده قد عبر عن المسند إليه - وهم آباؤه - باسم الإشارة الموضوع للبعيد، إشارة منه إلى بعد منزلتهم من أن يتطاول إليها مثل جرير فيأتي بمثلهم.
وقوله: فجئني بمثلهم: أمر تعجيز: أي لا تقدر - يا جرير - أن تأتي بمثلهمفي مناقبهم، إذا جمعتنا مجامع الافتخار والإنشاد يومًا ما (١).
ولهذا فإن جريرًا لم يستطع أن يجيء بمثل آباء الفرزدق، لضعة نسية، ولكنه رد عليه بقوله (٢):
أتجعل - يابن القين - أولاد دارم كشيبان؟ شلت من يديك الأصابع
وأين محل المجد إلا عليهم وأين الندى إلا لهم والدسائع
فما رحلت شيبان إلا رأيتها إماما وإلا سائر الناس تابع
لهم يوم ذي قار، أناخوا فضاربوا كتائب كسرى حين طار الوشائع
وما راح فيها يشكري ولا غدا لذهل وتيم الله رأس مشايع
_________________
(١) (١») مواهب الفتاح (شروح التلخيص) جـ ١ ص ٣١٥ (٢») ديوان جرير ص ٣٥٧
[ ٢٤٧ ]
واستمع إلى قول الهذلول بن كعب العنبري - وكان قد تزوج امرأة من بني بهدلة - فرأته يومًا يطحن للأضياف، فضربت صدرها وقالت: أهذا زوجي؟ ! فبلغه ذلك فقال (١):
تقول - وصكت نحرها بيمينها - أبعلي هذا بالرحى المتقاعس؟ !
فقلت لها: لا تعجبي، وتبيني فعالي إذا التفت علاى الفوارس
ألست أرد القرن يركب ردعه وفيه سنان ذو غرارين نائس؟ !
وأحتمل الأوق الثقيل وأمتري خلوف المنايا حين فر المغامس؟
وأقري الهموم الطارقات حزامة إذا كثرت للطارقات الوساوس؟
إذا خام أقوام تقحمت غمرة يهاب حمياها الألد المداعس
لعمر أبيك الخير: إني بخادم لضيفي، وإني إن ركبت لفارس
وإني لأشري الحمد أبغي رباحه وأترك قرني وهو خزيان تاعس! !
صكت: ضربت، المتقاعس: الذي دخل ظهره وخرج صدره. الفعال بالفتح: الفعل الحسن الذي يحمد عليه صاحبه. القرن: المكافئ لك، الردع: الدفع ومعنى يركب ردعه: أي يخر صريعًا لوجهه وفيه سنان ذو غرارين: أي مطعون بسنان ذي حدين، ونائس: مضطرب، الأوق: الثقل، الامتراء: الحلب، والخلوف: جم خلف، وهو ضرع الناقة، وامترى خلوف المنايا: كناية عن إقباله على الموت وعدم مبالاته به،
_________________
(١) (١») ديوان الحماسة لأبي تمام جـ ١ ص ٢٩٥، ٢٩٦
[ ٢٤٨ ]
والمغامر: الذي يدخل في الشدائد ويدخل غيره فيها، وخام: جبن، الألد: شديد الخصومة، المداعس: المطاعن.
الشاعر يحكي قول زوجته - وهي مذهولة متعجبة من تقاعسه أمام الرحى: أبعلي هذا الذي أراه متقاعسًا أمام الرحى؟ ! فيقول لها: لا تعجبي وتبيني أفعالي الحميدة من البأس والنجدة والحمية في غمرة القتال وقد التفت الفوارس من حولي، فأنا الذي أرد القرن فيخر صريعًا لوجهه مطعونًا بسنان ذي حدين: وأقبل على الموت ولا أبالي به، في الوقت الذي يفر فيه المغامر الذي يدخل نفسه وغيره في الشدائد، وأتلقى ما يعتريني من وساوس النفس بالحزم والنظر في عواقب الأمور في الوقت الذي تشتد فيه على غيري، وتكثر أحاديث النفس، وإذا تأخر غيري عن الحرب جبنا تقدمت أنا إليها، ولو لاقيت من شدتها وهولها ما يخاف منه اللجوج المطاعن.
وأقسم بأبيك الخير: أنه ما حملني على الطحن بالرحى إلا التواضع لخدمة أضيافي، فلا تأسفي على هذا الفعل مني، فإني لذلك الفارس إذا ركبت الحرب!
والشاهد في الأبيات قوله: "أبعلي هذا؟ ! " فإن صاحبته قد عبرت عنه باسم الإشارة للقريب؛ إشارة منها إلى دنو منزلته، والتصاقه بالتراب متقاعسًا يطحن بالرحى شأن الخدم والعبيد.
ولعلك تلحظ معي أن الاستفهام هنا إنكاري تعجبي، وأنه منصب على بعلها، وأن بعلها قد قدمته لهذا الغرض، فهي تنكر أن يكون بعلها بهذه المثابة، وتتعجب لهذا الصنيع منه ولهذا فإنه قد رد عليها بأقوى ما يكون الرد، فطلب منها ألا تتعجل في الحكم عليه بدنو المنزلة فإن منزلته مرتفعة بفعاله الحميدة في مقارعة الأبطال يوم النزال.
[ ٢٤٩ ]
ثم أقسم بأبيها رجل الخير أنه لم يفعل ذلك إلا تواضعًا لخدمة أضيافه، وتلك محمدة لا مذمة، وفضيلة لا نقيصة، وأكد جواب القسم في الأخبار التي تلته بأن، واللام، واسمية الجملة في قوله: "إني لخادم لضيفي" و"إني - إن ركبت - لفارس" و"إني لأشري الحمد".
ولعلك تلحظ - أيضًا - أن البيت الأخير تفسير "لسابقه" وتوضيح له، فما تقاعسه أمام الرحى خدمة لأضيافه إلا شراء للحمد ابتغاء ربح يبقى له ذكر عطرا، وهو في الوقت نفسه يجندل خصمه في الحرب خزيان ناعسا.
وفي الطباق بين (أشري) و(أترك) ما يزيد المعنى وضوحًا، وجمالا وقوة.
وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه باسم الإشارة: هو التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير - من أجل تلك الأوصاف - بما ذكر بعد اسم الإشارة.
وذلك مثل قول الله تعالى: " هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ"، فالمشار إليه في الآية هم المتقون الموصوفون بالإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والإيمان بما أنزل على محمد - ﷺ - وبما أنزل على الرسل من قبله، والإيقان بالآخرة.
وقد عبر عنهم باسم الإشارة (أولئك) - وإن كان التعبير عنهم بالضمير ممكنا - للتنبيه على أنهم - من أجل تلك الأوصاف - جديرون بالهداية في الدنيا، وبالفلاح في الآخرة.
ومما تواتر عليه البلاغيون شاهدًا في هذا الباب من النص الشعري،
[ ٢٥٠ ]
قول حاتم الطائي:
ولله صعلوك يساور همه ويمضي على الأحداث والدهر مقدما.
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ولا شبعة، إن نالها عد مغنما.
إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت تيمم كبراهن ثمت صممًا.
يرى رمحه، أو نبله، ومجشه وذا شطب عضب الضريبة مخذما.
وأحناء عمرج قاتر ولجامه عتاد أخي هيجًا وطرفًا مسوما.
فذلك - إن يهلك - فحسنى ثناؤه وإن عاش لم يقعد ضعيفًا مذمما.
فقد وصف الصعلوك بصفات هي: أنه يصارع الأحداث في عزم يفل ذوائب الدهر، وأنه ذو رغائب عالية، وأهداف سامية، فلا يعد الشبع مغنمًا ولا الجوع مغرمًا، وأنه يتخير من المكارم أعلاها وأسماها ثم يمضي إليها في عزيمة قوية لا تردد فيها ولا ترجع عنها، وأنه يرى عتاده في الحرب فرسًا كريمًا مسرجًا ملجمًا، ورمحًا أو نبلًا ومجنًا وسيفًا قاطعًا ثم أشار إليه "بذلك" لينبه إلى أنه - من أجل تلك الأوصاف - جدير "بأن يذكر بالثناء العاطر إذا مات، وأن يبقى عزيزًا كريمًا إذا عاش.
ومثله قول عروة بن الورد (١).
ولله صعلوك صحيفة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور.
_________________
(١) تاريخ الأدب العربي (العصر الجاهلي)، ص ٣٨٦، والكامل للمبرد، ج ١ ص ٧٨.
[ ٢٥١ ]
[سقطت من المصور]
[ ٢٥٢ ]