الالتفات من التكلم إلى الخطاب، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فقد عبر عن المعنى أولًا بطريق التكلم، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ثم التفت فعبر عنه بطريق الخطاب، فقال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ﴿﴾؛ وذلك لما في الالتفات من فائدة تحذيرهم من أنهم راجعون إلى الله تعالى: فكأنه قال: كيف لا تخافون من ترجعون إليه فيحاسبكم على ما قدمتم؟ استمع إلى قول اياس بن الأرت في الرثاء (٢):
لوما رأيت الصبح أقبل وجهه دعوت أبا أوس فما أن تكلما
وحان فراق من أخ لك ناصح وكان كثير الشر، للخير قوامًا
تتابع قرواش بن ليلى وعامر وكان السرور يوم ماتا مذممًا
_________________
(١) الكشاف ٢/ ٢٣١.
(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٤٣٠.
[ ٣٢٤ ]
هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم حياة؛ فكان الصبر أبقى وأكرما
يقول: لقد فاديت أبا أوس لأنبهه كعادتي لما أنبلج الصبح فلم يجبني، فقد حان فراق من أخ ناصح لك، كان عند الغضب ناشر كثير، ولكنه كان عند الرضا كأنه ولد مع الخير.
وقد تلى موت قرواش موت عامر، فبدل السرور يوم ماتا بالغم، وأصبح مذممًا لموت مثل هؤلاء الشرفاء، ولقد هممت بأن لا أطعم بعدهم أبدًا زهدًا في هذه الحياة، ولكنني وجدت الصبر من الكرم، والاقتداء بالناس في الصبر عند المصائب أبقى للذكر الجميل.
وقد رأيت أن الشاعر عندما كان يصف حاله قبل موت صاحبه أجرى الحديث على طريق التكلم، لأنه أنسب بحاله؛ كأنه يبث شكواه إلى من يسمعه، ولكنه لما فوجئ بموت صاحبه التفت إلى نفسه فجرد منها شخصًا يخاطبه، كأنه ينعي إليه أخًا ناصحًا، شجاعًا، خيرًا.
ولكنه بعد أن تتابعت عليه الخطوب بموت صاحب، بعد صاحب ووطن نفسه على تحملها انكفأ على نفسه وأجرى الحديث على طريق التكلم ليبث شكواه.