الالتفات من الخطاب إلى التكلم:
ويمثلون لها بقول علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس (١):
طحا بك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب
يكلفني ليلى، وقد شط وليها وعادت عواد بيننا وخطوب
يقول: لقد أضربك قلب هائم يحب الحسان، في الوقت الذي آذنت فيه شمس الشباب بالمغيب؛ وهو مع ذلك لا يفتأ بطالبتي بوصل ليلى، في وقت عز فيه وصالها، وحالت صروف الزمان دونه، فقد التفت الشاعر من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم في (يكلفني).
والسر في هذا الالتفات: أنه بعد أن جرد من نفسه شخصًا يخاطبه ويحدثه عما فعل به القلب يشغفه بالحسان بعد انصرام الشباب واقتراب المشيب، أحس بما ينوه به من تكليف القلب له وصل ليلى في وقت عز وصالها، وحالت غوازل الأيام دونها؛ فالتفت إلى نفسه فأجرى الحديث على طريق التكلم ليبث شكواه، مما ينوه به.
ودونك قول مرة بن محكان التميمي السعدي (٢) في القرى:
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ضمي إليك رحال القوم والقربا
_________________
(١) الأصمعيات ٣٩٠.
(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٢٤٢.
[ ٣٢٩ ]
في ليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر الكلب من ظلماتها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة، حتى يلف على خيشومه الذنبا
ماذا ترين؟: أقد فيهم لأرحلنا في جانب البيت؟ أم نبني لهم قبا؟
لمرمل الزاد، معنى بحاجته، من كان يكره ذما، أو بقى حسبا
وقمت مستبطنا سيفي فأعرض لي مثل المجادل كوم بركت عصبا
فصادف السيف منها ساق متلية جلس فصادف منه ساقها عطبا
زيافة بنت زياف مذكرة لمانعوها لراعي سرحنا اقتحبا
الشاعر يأمر زوجته بأن تضم إليها رحال القوم وأسلحتهم حفظًا لها، لأنهم نزلوا عنده فهم في أمان لا يحتاجون إلى السلاح؛ فقد نزلوا عنده في ليلة شديدة البرد والظلمة؛ فهو يصف تلك الحالة، ويشاور زوجته كيف يكرم القوم أينزلهم في منازله، أم يتخذ لهم قببا؛ وماذا ترى لمرملين يهتم بحاجتهم من يتقي الذم، أو يحمي الحسب.
وقد قام مستبطنًا سيفه لينحر ما يريد من الإبل فظهر له منها فوق مثل القصور في ضخامتها وعظم سقامها، فعرقب منها ناقة من أعظم النوق وأقواها، وقد بكى الراعي عليها حسن أخبروه بنحرها لأنها من خيار المال عنده.
[ ٣٣٠ ]
وقد رأيت الشاعر قد أجرى الحديث على خطاب زوجته في الأبيات الخمسة الأولى؛ ولكنه التفت في البيت السادس فأجرى الحديث على طريق التكلم.
وذلك لأنه في الحالة الأولى كان يصف ما صنعه من مناداته لربة البيت، بأن تضم إليها رحال القوم وقربهم، ومشاورتها كيف يكرم القوم النازلين، والخطاب أنسب بهذه الحال.
ولكنه في الحالة الأخرى جعل يفتخر بما صنعه ليلة نزولهم ضيفانًا عليه والحديث عن النفس أنسب بحال الفخر.