الالتفات من التكلم إلى الغيبة وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فقد عبر عن المعنى أولًا بطريق التكلم، فقال: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ ثم التفت فعبر عنه بطريق الغيبة فقال: ﴿رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة، وكان مقتضى الظاهر
[ ٣٢٥ ]
أن يقول: "من رحمتي" وذلك لما في الالتفات من فائدة اقتضاها المقام، وذلك أنه أجرى الحديث أولًا على طريق التكلم لأن الله تعالى أراد أن يغمر عباده الذين أسرفوا على أنفسهم في المعاصي ثم ندموا على ما قدمت أيديهم، بعطفه وأن يسيل عليهم رداء الأمان فأضافهم إليه سبحانه، ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة فقال: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ تعظيمًا لاسمه سبحانه، وإشعارًا للمخاطبين بما يحمله هذا الاسم من عظمة، فيطمئنوا إلى رحمته، لأن أخص صفات الله تعالى هي الرحمة.
واستمع إلى قول الغطمش (١):
إذا مت فأبكي يا علي وأعولي على هالك جلد أجل وأوجع
وأغشوا إذا ما مال مثل غنائه ولا يحرز الأعداء ما كنت أمنع
سيفرح إن مات الغطمش عصبة إذا فاء من رهط الغطمش رضع
فيا فرحة ما يفرحن عدونا إذا ما جرت فوقي أما لبس بلقع
لما كانت حياته تناسب التكلم، وموته يناسب الغيبة، أعطى كلا من الحالين ما يناسبه حيث كان حيًا أجرى الحديث على طريق التكلم فقال: (إذا مت) وحيث قدر موته، أجرى الحديث على طريق الغيبة فقال: (على هالك) ولم يقل على، لأنه يوهم السامع أنه يتحدث عن بطل جلد موته
_________________
(١) الأقصى الغريب ٤٥.
[ ٣٢٦ ]
أجل الأشياء، وأوجعها، ولهذا قال: (وأغفوا إذا ما مال مثل غنائه) أي إذا ما مات فحاولوا أن تنفعوا نفعه، وأن تسدوا مسده، ثم قال: (ولا يحرز الأعداء ما كنت أمنع) ولم يقل: ما كان يمنع - مع أنه مقتضى ظاهر الحال -، لأن ما كان يمنعه، أي يحميه، إنما كان يمنعه في حال حياته فناسب أن يتحدث عن نفسه بطريق التكلم، ولهذا فإنه قد التفت مرة أخرى فأجرى الحديث على طريق الغيبة على تقدير موته فقال: (إن مات الغطمش) ولم يقل: إن مت ثم التفت فأجرى الحديث على طريق التكلم فقال: (إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع)، لأنه يريد أن يثبت لأعدائه أنه ما يزال حيًا، فلا يفرحوا.
واستمع - أيضًا - إلى قول عبدة بن الطبيب، من قصيدة يوصى فيها بغيه، لما أحس بدنو أجله (١):
ولقد علمت بأن قصري حفرة غبراه، يحملني إليها شرجع
فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والأقربون إلى ثم تصدعوا
وتركت في غبراه يكره وردها تسغى على الريح حين أودع
فإذا مضيت إلى سبيلي فابعثوا رجلًا له قلب حديد أصمع
قصرى: آخر أمري، الشرجع خشب يشد بعضه إلى بعض كالسرير يحمل عليه الموتى، الشجو: الحزن، تصدعوا تفرقوا، الأصمع: الحديد المجتمع ليس بمنتشر.
يقول: ولقد علمت بأن آخر أمري حفرة يحملني إليها نمش، فتبكي بناتي وزوجتي حزنًا، ويبكي الأقربون إلى، ثم يتفرقون، وأترك في حفرة
_________________
(١) الأصمعيات ١٤٨.
[ ٣٢٧ ]
غبراء فاحلة يكره ورودها، تهب على الريح فيها حاملة رمالًا، فإذا مت فافتقدوا عميدًا مثلي.
وقد رأيت أنه قد أجرى الحديث في الأبيات الثلاثة الأولى، والشطر الأول من البيت الرابع على طريق التكلم لأنه يتحدث عن نفسه متحسرًا على ما يقع له من تركة في حفرة غبراء تسفي عليه الريح، ويكاء بناته، وزوجته، وأقربائه.
ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة فقال: (فابعثوا رجلًا له قلب حديد أصمع) لأنه افترض موته، وموته يناسب غيبته، فأوهم أنه يحدثهم عن رجل لا يعرفونه، وأخذ يعدد لهم صفاته، من القوة، والصلابة، و؟؟ ص ٣٢٨.
ثم استمع إن شئت إلى قول حماس بن ثامل (١):
ومستنبح في لج ليل دعوته بمشبوبة في رأس صمد مقابل
وقلت له: أقبل، فإنك راشد وإن على الناري الندى وابن ثامل
لج الليل: معظم ظلمته، والمشبوبة، النار المضطرمة، والصمد: المكان المرتفع.
يعني: رب مستنج في ظلام الليل دعوته للضيافة بما أوقدت له من النار في المكان العالي المقابل لوجهته فتكون دليلًا له، وبشرته بقدومه علي، وأريته استبشاري به وانتظاري إياه.
وقد رأيت أنه أجرى الحديث على التكلم، لأنه يفتخر بكرمه، وقرأه للضيف، والفخر يناسبه الحديث عن النفس، ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة، فقال: "وابن ثامل" أي ذلك الرجل المعروف بحبه للكرم، وشغفه بقرى الضيف، فكأن الضيف إذا ما سمع اسمه عرفه فاطمأن إلى الكرم، وضمن القرى.
_________________
(١) ديوان الحماسة ٢/ ٣٠٤.
[ ٣٢٨ ]