الالتفات من الغيبة إلى التكلم؛ ويمثلون له بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ (١)، فقد التفت من الغيبة في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فساقه.
وذلك لأن سوق السحاب إلى بلد ميت فيحيا، أمر لا يقدر عليه غير مقسم الأرزاق ﷾، لأن ذلك نوع من قسمة الأرزاق؛ حيث يسوقها سبحانه إلى من يشاء من عباده فتناسب أن يسند السوق إلى ذاته العلية.
فالالتفات هنا تنبيه إلى أن قسمة الأرزاق أمر تكفل به سبحانه، ولم يتركه لأحد من خلقه.
ومنه قول حاتم الطائي (٢):
وعاذلة هبت بليل تلومني كأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل: إن الجود ليس بمهلكي ولا مخلد النفس الشحيمة لومها
_________________
(١) فاطر ٩.
(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٣١١.
[ ٣٣٣ ]
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه مغيبة في اللحد بال رميمها
ومن يبتدء ما ليس من خيم نفسه يدعه ويغلبه على النفس خيمها
والمعنى: رب لائمة اجتهدت في عذلي كأنها رأت إنفاق المال ظلمًا لها. ثم التفت إليها قائلًا. يا عاذلة: إن جودي لا يهلكني، وإن النفس البخيلة بما عندها من المال لا يجلدها لؤمها في الدنيا وإن أخلاق الكريم لا تزال تذكر وهو مغيب في قبره بالية عظامه؛ ومن يبتدع ما ليس من خلقه وطبيعته لابد من أن يأتي عليه يوم يتركه فيه ويرجع إلى أخلاقه.
وقد رأيت أن الشاعر قد تحدث عن زوجته حديثه عن الغائبة في قوله: "وعاذلة هبت تلوم" وقوله: "أضيمها" ثم التفت إلى خطابها فقال: "أعاذل".
وذلك لأنها لما كانت لائمة له على جوده - والجود من طبيعته - كانت جديرة بأن يعرض عنها، ويتحدث عنها حديثه عن الغائبة عنه.
ولكنه لما انتقل إلى مقطع آخر من مقاطع المعنى وهو تنبيه زوجته إلى الخطأ في تفكيرها، وإرشادها إلى التفكير السليم في فهم الثمرة الحقيقية التي يجنيها الكريم من شجرة الجود، ناسب هذا المعنى خطابها، لأن التنبيه والإرشاد لا يكون إلا حيث يكون المستفيد بهما حاضرًا مخاطبًا.
ومنه قول قراد بن غوية (١):
ألا ليث شعري ما يقولن مخارق إذا جاوب الهام المصيح هامتي
_________________
(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٤٢٣.
[ ٣٣٤ ]
ودليت في زوراء يسقى ترابها على طويلًا في ذراها إقامتي
وقالوا: ألا لا يبعدن اختياله وصولته إذا القروم تسامت
وما البعد إلا إن يكون مغيبًا عن الناس متى نجدتي وقسامتي
الهام: جمع هامة وهي الصدى: ما يكون من عظام الموتى على زعمهم ودليت: أنزلت. والزوراء: الحفرة المعوجة. وأراد بها اللحد، ويسفى: إهالة التراب عليه، والقروم: الفحول، وتسامت: تنازلت وتفاخرت، والقسامة: الحسن.
يقول: ليتني أعلم ما يقول مخارق بعد موتي عندما تجيب هامتي الهام التي يصاح بها، وأنزلت في حفرة معوجة يهال ترابها على مدة إقامتي في أهاليها طول الأمد، ودعوا لي بعدم البعد وهل البعد إلا هذا وقد فقدوا شجاعتي ونجدتي، وغاب عنهم شخصي؟ !
والشاهد في هذه الأبيات: أن الشاعر قد عبر عن نفسه بضمير الغائب في قوله (لا يبعدن اختياله وصولته) ثم التفت فعبر عن نفسه بضمير المتكلم في قوله: (نجدتي وقسامتي).
وذلك لأن العبارة الأولى تقال بعد موته، فناسب أن يتحدث عن نفسه بطريق الغيبة، والنجدة وحسن الوجه من الصفات التي يفتخر بها، فناسب أن يضيفها إلى نفسه، والفخر يناسبه الحديث عن النفس على طريق التكلم.
ولعلك على ذكر مما أسلفنا لك من قول الغطمش:
[ ٣٣٥ ]
سيفرح إن مات الغطمش عصبة إذا فاء من رهط الغطمش رضع
فيا فرحة ما يفرحن عدونا إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع
حيث أجرى الحديث عن نفسه على طريق الغيبة مقدرًا موته، فقال (إن مات الغطمش) ولم يقل: إن مت، ثم التفت فأجرى الحديث على طريق التكلم، فقال: (إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع).
وذلك لأنه يريد أن يثبت لأعدائه أنه ما زال حيًا فلا يفرحوا.