ويمثلون لها بقول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقد التفت في الآية الكريمة من الغيبة في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وذلك لأنه بدأ الحديث عن الله تعالى معظمًا لشأنه معددًا لصفات عظمته التي توجب العبادة له وحده، فلما حان وقت عبادته خاطبه خطاب الحاضر الذي لا يغيب عنه طرفة عين.
وقد قالوا في هذه الآية - أيضًا - إن المعاني السابقة من حمد الله تعالى والثناء عليه، وذكر ربوبيته للعالمين ورحمته الغامرة، وملكه ليوم الدين تحث النفوس على الإقبال نحو الحق متجهة إليه بالخطاب معلنة وحدانيته بالعبادة والاستعانة" (١).
وإليك قول السلكة أم السليك تبكي ولدها بعد أن علمت بقتله (٢)
_________________
(١) خصائص التراكيب ٢٠١.
(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٨٥.
[ ٣٣٦ ]
طاف يبغي نجوة من هلاك فهلك!
أليت شعري ضلة أي شيء قتلك؟ !
أمريض لم تعد أم عدو ختلك؟،
أم قولي بك ما غال في الدهر السلك؟ !
والمنايا رصد للفتى حيث سلك.
أي شيء حسن لفتى لم يك لك؟ !
كل شيء قاتل حين تلقى أجلك!
طال ما قد قلت من غير كد املك!
إن أمرًا فادحًا عن جوابي شغلك
سأعزي النفس إذ لم تجب من سألك.
ليث قلبي ساعة صبره عنك ملك!
ليت نفسي قدمت المنايا بدلك! !
تقول أم السليم عن ولدها، إنه خرج طائفًا يطلب النجاة من الفقر فمات، ولكنها التفت إليه مناجية باكية: ليتني أعلم سبب موتك؟ أصدك المرض عن العودة أم عرض لك عدو فقتلك، أم أصابك من الحوادث ما خطفك خطفة الجل؟ والمنايا للفتى بالمرصاد وأينما ذهب، ولئن كنت قد فقدتك، فلقد حزت كل خصلة، فلا توجد لأحد مزية إلا وهي لك؛ وإذا مادنا الأجل فإن كل شيء يقتل، وكثيرًا ما قلت مقصدك بلا تعب، إن الذي شغلك عن جوابي أمر عظيم، وسأسلي النفس بالصبر إذ صار جوابك مستحيلًا، وأتمنى أن يملك قلبي الصبر عنك ساعة، أو أن نفسي هي الهالكة دونك.
(٢٢ - النظم البلاغي)
[ ٣٣٧ ]
فالشاعرة - وقد هالها الخبر بقتل ابنها - تبث من كانوا حولها مصابها الجلل، وتعجبهم من غريب أمر ابنها الذي ذهب يطلب النجاة من الهلاك فصادفه الهلاك، وتلك حال تقتضي منها أن تخبر عنه بضمير الغائب ولكنها التفت إليه مخاطبة له، كأنه يسمعها - وإن لم يكن معها - ومناجية له، ومقضية له بما يعتمل في صدرها وما يعتصر قلبها من الحزن والألم، وتلك حال أخرى تقتضي منها أن تخاطبه مخاطبة الحاضر الذي لا يغيب عن خاطرها.
وقال أشجع بن عمرو السلمي يرثي: (١)
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ولا مغرب إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفه على الناس ختى غيبته الصفائح
فأصبح في لحد من الأرض ميتًا وكانت به - حيا - تضيق الصحائح
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض فحسبك متى ما تجن الجوانح!
فما أنا من رزه وإن جل جازع ولا يسرون بعد موتك فادح
كأن لم يمت حي سواك ولم تقم على أحد - إلا عليك - النوائح
لئن حسنت فيك المرائي وذكرها لقد حسنت من قبل فيك المدائح
الصفائح: أحجار عراض تغطى بها القبور، والصحائح: جمع صحح المكان المتسع المستوي، والجوانح: الضلوع؛ وسميت بذلك لأن فيها ميلًا
_________________
(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٢٦٠.
[ ٣٣٨ ]
يقول: مات ابن سعيد بعد أن خلد جميل الذكر في المشارق والمغارب يمدحه فيها المادحون، وما كنت أعلم قدر مكارمه وعطاياه إلا بعد أن مات وظهر البؤس على من كانوا مغمودين بنعمه؛ فأصبح في جزء صغير من الأرض بعد موته، مع أن فيافيها كانت لضيق بما له من إحسان وإنعام في حياته. سأديم البكاء عليك ما فاضت دموعي، فإن تذهب فيكفيك ما تكنه ضلوعي من اللوعة والأسى، فإن مصيبتي فيك عظيمة فلست جازعًا لما يصيبني بعدها، ولا فارحًا بما أنال من مسرات، كأنه لم يمت أحد سواك من قبلك ولا من بعدك، فلا يجد الإنسان سلوة به عنك، وكأن اللوائح لا تنوح إلا عليلا لغظم المصيبة فيك. ولئن كنت ترثر اليوم رثاء جميلًا، فيا طالما مدحت من قبل مدحًا جميلًا.
فالشاعر ينعي إلى المشرقين ابن سعيد: ذلك الفتى الذي كثرت مكارمه وتعددت عطاياه، مشيدًا بذكره متحسرًا على فقده، فناسب أن يتحدث عنه بضمير الغائب. ولكنه لما التفت إليه مخاطبًا له باكيًا متولها على فراقه جازعًا عليه، كأنه لشدة حرصه على ألا يفارقه ما زال أمامه، يحدثه فيسمع منه، ولا يغيب عن ناظريه.
وقال سليمي بن ربيعة من بني السيد بن ضبة عندما فارقته زوجته تماضر عاتبة عليه استهلاك ماله وتعريض نفسه للمعاطب (١):
حلت تماضر غربة فاحتلت فلجا، وأهلك باللوى قاحلة،
وكأن في العينين حب قرنفل أو سنبلًا كحلت به؟؟؟ ص ٣٣٩
_________________
(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٢١٧.
[ ٣٣٩ ]
زعمت تماضر أنني إما أمت بعدد أبينوها الأصاغر خلني
تربت يداك، وهل رأيت لقومه مثلي على يسرى وحين تعلني؟ !
رجلًا إذا ما النائبات غشينه أكفي لمعضلة، وإن هي جلت؟ !
غربة: دار بعيدة، وفلج: واد في طريق البصرة، واللوى والحلة: موضعان. والقرنفل والسنبل: من أخلاط الأدوية التي تحرق العين. وأببنوها: تصغير أبناء، والخلة: الحاجة. المعضلة: الداهية، وجلت: عظمت.
يقول: إن تماضر نزلت بدار بعيدة فاستقرت وتوطنت في فلج وأهلي باللوى والحلة فانهلت دموعي حزنًا على فراقها وكأن في عيني أخلاط القرنفل والسنبل. ولقد زعمت أن أبناءها الأصاغر يقومون مقامي بعد موتي وتكتفي بهم عني ثم التفت إليها قائلًا: تربت بداك يا تماضر: وهل رأيت لقومه رجلًا مثلي يكثر العطاء في حالتي عسره ويسره حتى تعلقي رجاءك فيه؟ وهل تجدين رجلًا مثلي عن غشيان النوائب يكون أقوى مني دفعًا لها؟
فقد رأيت أن الشار بدأ حديثه عن زوجته تماضر على طريق الغيبة في قوله: (حلت تماضر) وقوله: (زعمت تماضر) وقوله: (أببنوها) ثم التفت إليها مخاطبًا لها بقوله: (تربت يداك).
وذلك لأنه عندما بدأ حديثه عن تماضر كانت قد دخلت فأصبحت بعيدة عنه فناسب أن يتحدث عنها بضمير الغائبة، ولكنه لما ذكر أنها بعيدة عنه بعدًا أحزنه وأفاض دموع عينيه دل ذلك على شدة تعلقه بها وأن خيالها لا يفارقه
[ ٣٤٠ ]
فنناسب أن يتحدث إليها ويخاطبها معاتبًا لها وكأنها حاضرة بين يديه لم تغب عنه طرفة عين!
على أن الاستشهاد بالأبيات في موضع الالتفات يجب أن يؤخذ بمزيد من الحيطة - كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - وبخاصة إذا كانت هذه الأبيات من الشعر الجاهلي، أو شعر البوادي في صدر الإسلام وعهد بني أمية، وذلك لأن ترتيب الأبيات - وهو أساس الاستشهاد - قد حدث فيه تغيير كثير، ولهذا وجبت مراجعة الأبيات وتحقيق مواقع بعضها من بعض، وإلا كان النظر ضربًا من العبث (١).
_________________
(١) خصائص التراكيب ص ٢٠٣.
[ ٣٤١ ]