نظرية النظم عند عبد القاهر
النظم - كما يقول صاحب اللسان - هو: التأليف .. ونظمت اللؤلؤ: جمعته في السلك ومنه: نظمت الشعر، ونظمته، ونظم الأمر على المثل، وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضها إلى بعض فقد نظمته، والنظم، المنظوم، وصف بالمصدر، والنظم: ما نظمته من لؤلؤ وخرز وغيرهما (١).
فقد دارت كلمة النظم في اللغة - كما رأيت - حول معنى واحد هو: "التأليف".
ولهذا فإنه من المستطاع أن تفهم قول عبد القاهر الجرجاني في تعريف النظم: إنه تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يقصدها المتكلم.
فكأن على الأديب أو الشاعر أن يتتبع معاني النحو فيما بين الكلم، وهو يؤلف كلامه، سواء أكان شعرًا، أو نثرًا، ومعنى تتبعه لمعاني النحو: أن يضع كلامه - على حد تعبير عبد القاهر - الوضع الذي يقتضيه علم النحو، ويعمل على قوانينه وأصوله، ويعرف مناهجه التي نهجت فلا يزيغ عنها، ويحفظ الرسوم التي رسمت له فلا يخل بشيء منها.
وقبل أن يشرح عبد القاهر نظريته في النظم، قدم لها بمقدمات تتلخص فيما يلي:
_________________
(١) لسان العرب مادة (ن ظ م).
[ ٨١ ]
من أن يكون سائغًا بالاستعمال النادر والتأويل البعيد، أو مردودًا لخروجه عن عادة القوم الجارية عن فطرتهم، فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل وذلك شيء مسلم به ومأخوذ عنهم، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الآصل المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم.
إذا قال لك القائل: كن نحويًا لغويًا فصيحًا "فإنما يريد افهم من نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى فلا ينقص عنه.
هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وسدد المعاني بالبلاغة (١) ".
لا بد أن عبد القاهر قد قرأ هذا، فقد وردت في العبارات السابقة عبارة "معاني النحو" ولفظ "التتبع" ولفظة "توخي" تلك التي نجد لها أثرًا في قوله عندما يعرف النظم بقوله: "تتبع معاني النحو - أو توخي معاني النحو - فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يوضع لها الكلام ولا بد أنه قد قرأ - أيضًا - ما نقلناه لك عن القاضي عبد الجبار حول فكرة النظم، والتي كان متأثرًا فيها هو الآخر بفكرة القاضي الجرجاني عن جوهر الكلام، وموقعه، ومكانه من النظم.
_________________
(١) راجع الجزء الثامن من معجم الأدباء ص ١٩٠ وما بعدها (طبعة دار المأمون بالقاهرة). (٦ - النظم البلاغي)
[ ٨٢ ]
أولًا: أنه لا تفاضل بين كلمة وأخرى في الدلالة على المعنى قبل دخولها في نظم الكلام.
ولهذا فإنك لا تجد أحدًا يقول: هذه اللفظة نصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها.
والدليل على ذلك: أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك في موضع آخر.
ثانيًا: أن ترتيب الألفاظ في النطق يكون على حسب ترتيب المعاني في النفس، وذلك لأنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعًا من غير أن تعرف معناه، كما لا يتصور أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبًا ونظمًا.
ولهذا فإنه يجب عليك أن تتوخى الترتيب في المعاني، وأن تعمل فكرك هناك، فإذا ما تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها.
على أنك إذا ما فرغت من ترتيب المعاني في نفسك وجدت الألفاظ مرتبة على حذوها في نطقك ولم تحتج إلى أن تستأنف فكرًا في ترتيبها؛ لأن الألفاظ خدم للمعاني وتابعة لها، ولاحقة بها.
فالعلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق.
ثالثًا: لا نظم في الكلم حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض:
ومعنى هذا، أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلًا لفعل، أو مفعولًا له، أو تعمد إلى اسمين، فتجعل أحدهما خبرًا عن الآخر، أو تتبع الاسم اسمًا، على أن يكون صفة للأول، أو بدلًا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك،
[ ٨٣ ]
على أن يكون الثاني صفة، أو حالًا، أو تمييزًا، أو تتوخى في كلام - هو لإثبات معنى - أن يصير نفيسًا، أو استفهامًا، أو تمنيًا، فتدخل الحروف الموضوعة لذلك.
أو تريد في فعلين، أن تجعل أحدهما شرطًا في الآخر؛ فتجيء بها بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف.
وعلى هذا القياس.
رابعًا: المزية في النظم للمعنى، وليست للفظ؛ ولهذا فإنه يرد على من يرجعون المزية في النظم للألفاظ مبطلًا حججهم، ومزيلًا شبهاتهم، حتى يصل إلى أن المزية في النظم إنما هي للمعنى وليست للفظ حتى يتفرع لتفصيل أمر هذه المزية، وبيان الجهات التي تعرض منها.
خامسًا: ثمرة النظم هي: تصوير المعنى، وأن هذا التصوير إنما يتألق في أروع صوره إذا جاء عن طريق الصور البيانية الأخاذة، كالكناية، والمجاز.
ومن هنا تدرك أن عبد القاهر الجرجاني قد جعل الصور البيانية الرائعة أداة لتصوير المعنى الذي تضمنه نظم الكلام ولم يفصل بينها وبين المعاني - كما فعل المتأخرون - اللهم إلا ما قالوه من أن المعاني من البيان بمنزلة المفرد من المركب.
ومن هنا - أيضًا - تدرك خطأهم في تصورهم للبلاغة؛ فقد قسموها علومًا ثلاثة؛ هي: (المعاني)، (والبيان)، (والبديع)، لأنهم لم ينظروا إلى البلاغة نظرة عبد القاهر الجرجاني إليها.
فقد كان عبد القاهر ينظر إلى البلاغة على أنها علم واحد أساسه "النظم"
[ ٨٤ ]
الذي تتفرع منه مسائل المعاني؛ ومن هذه المعاني تتكون الصور البيانية الرائعة؛ من تشبيه، ومجاز، وكناية، واستعارة وتمثيل - على حد الاستعارة - متضمنة قيمًا جمالية؛ راجعة إلى جمال المعاني قبل أن تكون زينة للألفاظ (١).
وإليك ما قاله عبد القاهر في توضيح نظرية النظم:
"اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها.
وذلك: أنا لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب، وفروقه؛ فينظر.
في الخير: إلى الوجوه التي تراها في قولك، زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، وزيد المنطلق ومنطلق زيد، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق.
وفي الشرط والجزاء: إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرج أخرج، وإن خرجت خرجت، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج أن خرجت، وأنا إن خرجت خارج.
وفي الحال: إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعًا، وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع أو وهو يسرع، وجاء في قد أسرع، وجاءني وقد أسرع.
_________________
(١) راجع في هذا كتابنا (نظرية البيان بين عبد القاهر والمتأخرين) ص ٢٥٣.
[ ٨٥ ]
فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له.
وتنظر في الحروف التي تشترك في المعنى ثم يتفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى: فيضع كلًا من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء "بما" في نفي الحال، و"بلا" إذا أراد نفي الاستقبال، و"بإن" فيما يترجح بين أن يكون وألا يكون، و"بإذا" فيما علم أنه كائن.
وينظر في الجمل التي تسرد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ثم يعرف - فيما حقه الوصل -:
موضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع "ثم" وموضع "أو" من موضع "أم" وموضع "لكن" من موضع "بل".
ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضع كلًا من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له".
[ ٨٦ ]