الأصل في الفعل أن يتقدم على معموله، وقد يقدم معمول الفعل عليه لإفادة التخصص:
ومعنى التخصيص هنا: هو قصر الفعل على معموله بحيث لا يتعداه إلى غيره؛ كما في قوله الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: لا نعبد غيرك ولا نستعين به.
وكما تقول: عليا أكرمت؛ لإفادة قصر الإكرام على "على".
ومن منا يعلم أنه لا يصح أن تقول: (ما محمدًا لقيت ولا غيره) في مقام الرد على من أعتقد أنك لقيت محمدًا -؛ لأن تقديم المفعول يفيد وقوع اللقاء على غير محمد، تحقيقًا لمعني الاختصاص، وقولك: ولا غيره ينفي وقوح اللقاء على غير محمد، فيكون منطوق "ولا غيره"، مناقضًا لمفهوم (ما محمدًا لقيت) وهذا باطل، والصحيح أن يقال: (ما محمدًا لقيت) بدون عطف.
كما أنه لا يجوز أن تقول (ما عمرًا أهنت لكن أكرمته) - في مقام الرد على من أعتقد أنك أهنت عمرًا.
ذلك لأن القديم المفعول يفيد أنك أهت غير عمرو، وأنه لا خلاف في وقوع الفعل قضاءً لحق الاختصاص، والعطف بلكن يفيد أن الخلاف في وقوع الفعل، وفي هذا تدافع، فالنزاع في متعلق الفعل المذكور، هل هو عمرو أو غيره، وليس النزاع في الفعل نفسه هل هو الإكرام أو الإهانة، فالصواب حينئذٍ أو يقال: (لكن بكرًا).
يقول عبد القاهر في الفرق بين تقديم الفعل وتقديم المفعول: "إذا
[ ٤٢٦ ]
قلت: " (ما ضربت زيدًا) فقدمت الفعل كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات وتركته مبهمًا محتملًا، وإذا قلت: (ما زيدًا ضربت) فقدمت المفعول كان المعني على أن ضربًا وقم منك على إنسان وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنقيت أن يكون إباء، فلك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربت زيدًا ولا أحدًا من الناس) وليس لك في الوجه الثاني، فلو قلت: (ما زيدًا ضربت ولا أحدًا من الناس) كان فاسدًا على ما مضى في الفاعل.
وما ينبغي أن تعلمه: أنه يصح لك أن تقول: (ما ضربت زيدًا ولكني أكرمته) فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل ضده، ولا يصح أن تقول: (ما زيدًا ضربات ولكني أكرمته) وذاك أنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا ولكن ذاك فالواجب - إذن - أن تقول: (ما زيدًا ضربت، ولكن عمرًا).
وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب، فإذا قلت: (ما أمرتك بهذا) كان المعني على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر؛ وإذا قلت: (ما بهذا أمرت) كنت قد أمرته بشيء دون غيره (١) ".
فشل المفعول -في أن تقدمه على الفعل يفيد التخصيص - سائر المعمولات، كالجار والمجرور، والظرف، والحال، وغيرها.
وذلك كقولك: (في المسجد صليت) و(تحت الشجرة جلست) و(مبحرًا حججت) وهكذا
_________________
(١) دلائل الإعجاز ص؟؟ .
[ ٤٢٧ ]
على أن إفادة تقديم المفعول ونحوه على الفعل للتخصيص، إنما تكون إذا لم يشتغل الفعل بضمير الاسم السابق. فإذا اشتغل الفعل بالعمل في ضمير الاسم. احتمل الكلام التخصيص والتأكيد حسب تقدير الفعل المحذوف، كما تقول: (محمد أكرمته) فلفظ "محمدًا" مفعول بفعل محذوف بفسره المذكور.
فإن قدر الفعل المحذوف قبل المفعول، لم يفد الكلام التخصيص وإن قدر الفعل المحذوف بعد المفعول أفاد التخصيص.
والذوق والاستقراء يشهدان بأن التخصيص لازم -في غالب الأمر - لتقديم المفعول ونحوه وإذا أفاد التقديم التخصيص -كما هو الغالب - أفاد معه اهتمامًا بالمقدم، لأنه ما قدم إلا للاعتناء بأمره، والاهتمام بشأنه.
لهذا قدم متعلق الجار والمجرور مؤخرًا في قوله. "بسم الله" على معني، بسم الله أفعل كذا ليفيد التقديم -مع التخصيص - الاهتمام بأمر المقدم.
لأن المشركين كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم اهتماما بأمرها فيقولون: باسم اللات باسم العزى باسم الهبل الأعلى، ونحو ذلك، قصد بتقديم الاسم الكريم تخصيصه بالابتداء، ردًا عليهم، كما قصد به -أيضًا - أن يكون عنوانًا على الاهتمام به تحديًا لهم فإذا كان الكفار قد تصدوا بقولهم باسم اللات، أن يقولوا: باسم اللات لا باسم غيرها، كان القصر في قوله.: "بسم الله"، قصر قلب.
وإذا كانوا أصدوا أن يقولوا: باسم اللات لتقربنا إلى الله زلفى كان القصر في "بسم الله"، قصر إفراد نفيًا للشركة التي زعموها.
[ ٤٢٨ ]
وقد بات التقديم -في غير الغالب - لأغراض أخرى غير إفادة معنى التخصيص.
وذلك كمجرد الاهتمام بأمر القدم، كما تقول: (الحق عرفت، والعلم لزمت، والحياة سئمت).
وكالتعجيل يذكر ما يتبرك به، أو يتلذذ، أو يذكر ما يسر به أو يساء فمثال الأول قولك. (محمدًا ﷺ - زرت) والثاني: كقولك: (ليلى رأيت، وهند قابلت):
والثالث: كقولك: (نجاحًا لقيت).
والرابع: كقولك: (بشر منيت).
وإنما عبروا بالتسجيل في إفادة هذه المعاني لأنها تأتي مع التأخير أيضًا.
وككون المعمول على الإنكار، كما تقول: أبعد طول التجربة تنخدع بهذه الزخارف؟ !
وكقولك: أفي الشر تسعي وقد جربت عواقبه؟ ! فأنت لا تنكر عليه الانخداع منه بعد طول التجربة، كما أنك لا تنكر ليه (سعيه) وإنما تنكر عليه أن يكون السعي منه في الشر، وقد عرف سوء عاقبته،
ومنه قول الشاعر:
أحين عسا غصتي طرحت حبائلي إلى فهلا ذاك وهو رطيب؟ !
فهو ينكر عليها أنها حولت قلبها عنه، وتسلت عنه بغيره حينما ولت غضارته، وذبلت زهرة شبابه، ويعيب عليها عدم الوفاء له.
فهو لا ينكر عليها مطرح حبائله مطلقًا، وإنما محط إنكاره أن يكون ذلك منها في وقت ذبل فيه غصته وذهبت نضارته.
[ ٤٢٩ ]
ولهذا قدم للظرف ليفيد أنه محط الإنكار.
واقرأ قول الشاعر:
أكل امرئ تحسبين امرءًا ونار توقد بالليل نارًا؟ !
تجد أنه إنما قدم المفعول ليفيد أن الإنكار، سلط عليه، إذ هو ينكر عليها: أن كل الناس في حسبانها متساوون؛ ولا فرق بين كامل وناقص، كما أنه ينكر عليها أن كل نار في زعمها نار كرم وسماحة.
وكموافقة كلام السامع: وذاك كما في قولك: "الله دعوت"، و"بالنبي توسلت" في جواب: (من دعوت؟) و(بمن توسلت؟) فتقدم المعمول ليكون موافقًا مقابله في كلام السائل.
وكالمحافظة على الوزن، أو رعاية الفاصلة:
فمثال الأول قول الشاعر:
صريع إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعي الندى بسريع
أي إن نزعة الشر فيه غالية، فهو إلى الضر والأذى أسرع منه إلى الإحسان والخير.
ومثال الثاني: قول الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ وقوله -جل شأنه - ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.