إذا كان ذكر المسند يقرر المعني في النفس ويثبته، فإن تكريره مما يعين على زيادة تقريره، وتثبيته، بل إنه ليبلغ به للغاية في هذا التقرير والتثبيت، ولهذا يعمد القرآن الكريم - في مواطن كثيرة منه - إلى أسلوب التكرار، ليوثق المعاني في النفوس، ويثبتها في الأذهان: ويمكنها من العقول:
وسورة الرحمن خير شاهد على هذا، فيعد كل نعمة من نعمه تعالي يرهفها بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، أي ليس هناك من النعم التي أسبغها الله على الثقلين ما يمكن أن يكذب.
ومنه قول الله تعالي: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ، ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
_________________
(١) خصائص التراكيب، ص ٢٣٠.
[ ٣٧٨ ]
مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ﴾ ثم كرر لهم هذا الطلب ليؤكده عندهم ويقرره في نفوسهم.
ومنه ما ورد أن النبي - ﷺ - قال: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني ينكحوا ابنتهم عليا، فلا آذن ثم لا آذن، إلا أن يطلق على ابنتي وينكح ابنتهم (١) " فقوله: لا آذن ثم لا آذن من التكرير الذي هو أشد موقعًا من الإيجاز، لانصباب العناية إلى فأكيد القول في منع على - ﵁ - من التزوج بابنه أبي جهل بن هشام.
وإذا تعمق معني من المعاني في نفس الشاعر، فإنه يتأثر به تأثرًا بالغًا ويحاول أن يهيئه إلى غيره مكررًا، ليتأصل في نفوس سامعيه، وليتمكن من قلوبهم، كما تمكن من قلبه، وكما تأصل في نفسه بل إنه ليحاول الإكثار من تكريره، وكأنها الدندنة التي استراح إليها لبث لو أعجبه وأحزانه:
استمع إلى قول المهلهل بن ربيعة في رثاه أخيه كليب (٢).
على أن ليس عدلًا من كليب إذا رجف العضاه من الدبور
على أن ليس عدلًا من كليب إذا طرد اليتيم عن الجزور
على أن ليس عدلًا من كليب إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلًا من كليب إذ خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلًا من كليب فداة بلابل الأمر الكبير
على أن ليس عدلًا من كليب إذا هبت رياح الزمهرير
على أن ليس عدلًا من كليب إذا برزت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلًا من كليب إذا علنت نجيات الأمور
_________________
(١) المثل السائر، ص ١٣٥.
(٢) أيام العرب ص ١٥٧.
[ ٣٧٩ ]
ولهذا السبب - أيضًا - رأينا الحارث بن عباد وكان من أحلم أهل زمانه وأشدهم بأسًا، عندما أرسل إلى المهلهل يقول له: إن كنت قتلت بجيرًا بكليب (يقصد بجيرًا ابنه) فقد طابت نفسي بذلك، فأرسل إليه المهلهل. إنما قتلته بشسع أهل كليب!، فغضب الحارث ودعا بفرسه - وكانت
تسمي النعامة - فجزفا صيتها، وهلب ذنبها، ثم قال:
قربا مربط النعامة منى لفحت حرب وائل عن حيال.
قربا مربط النعامة منى ليس قولي يراد لكن فغالى.
قربا مربط النعامة منى جد نوح النساء بالإعوال.
وظل يكرر قوله: (قربا مربط النعامة منى) حتى كررها سبع عشرة مرة في القصيدة.
وطلب البكاء معني من المعاني التي استقرت في نفس الخنساء، ولهذا فإنها قد نثرته دموعا كليمة بللت بها أرجاء ديوانها حزنا علي أخيها صخر:
استمع إليها تكرار طلب البكاء:
أعيني جود ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندي؟ !
ألا تبكيان الجواد الجميل ألا تبكيان الفتي السيدا؟ !
وذلك لأن الناس قد أجمعوا - كما يقول أبو هلال - علي أن البكاء
يطفئ الغليل، ويبرد حرارة المحزون، ويزبل شدة الوجد.
[ ٣٨٠ ]
وقد ذكر أبو هلال - أيضًا - أن أبا بكر بن عياش قال: كنت وأنا شاب إذا أصابتني مصيبة لا أبكي، فيحترق جوفى، فرأيت أعرابيًا بالكناس علي ناقة له والناس حوله وهو ينشد:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ببرقة حزوى فابكيا في المنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة من الوجد أو ينفي نجي البلابل
فسألت عن الأعرابي، فقيل: هو ذو الرمة، فكنت بعد ذلك إذا أصابتني مصيبة بكيت فاستشفيت، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما أبصره (١)!
ولهذا قال الفرزدق:
فقلت لها: إن البكاء لراحة به يشتفى من ظن أن لا تلاقيا.
ومن تكرير المسند في الهجاء تهكمًا: قول البرج بن مسهر الطائي - وكان قد فارق قومه مراغما لهم وجاور كلبا فلم يحمد جوارهم، ففارقهم ذا مالهم: (٢)
فنعم الحي كلب غير أنا رأينا في جوارهم هنات.
ونعم الحي كلب غير أنا رزئنا من بنين ومن بنات.
_________________
(١) الصناعتين ص ١٢٢
(٢) ديوان الحماسة ١/ ١٤٢.
[ ٣٨١ ]