فهي: أن تكون حروفها سهلة النطق، متجاورة تجاورًا هادئًا، تتلاقى فيه وتتجاوب أنغامها، وأن تكون مألوفة الاستعمال. قد تداولها الأدباء والشعراء في محافل الشعر والأدب وأن تكون جارية على قوانين تصريف الكلمات.
وهذا هو المقصود بقولهم: "فصاحة المفرد: خلوصه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي".
١ - فأما التنافر فهو وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان، وعسر النطق بها:
فإذا تنافرت حروف الكلمة كان ذلك عيبًا، ومخلًا بفصاحتها، وقد قالوا: إن الثقل ينشأ إما من تباعد الحروف جدًا، أو من تقاربها
[ ٩٠ ]
جد الآن تباعد الحروف يكون كالطفرة، وتقاربها يكون كالمشي في القيد (١):
وقد ذكروا: أن الثقل: إما أن يكون متناهيًا، وإما أن يكون دون ذلك:
وقد مثلوا للأول بكلمة (الهعخع) من قول أعرابي سئل عن ناقته، فقال: "تركتها ترعى الهعخع، ورُوي عن الخليل أنه قال: سمعنا كلمة شنعاء، وهي الهعخع ما ذكرنا تأليفها، والهاء والعين لا يكاد واحد منهما يأتلف مع الآخر من غير فصل (٢).
ومثلوا للثاني بكلمة (مستشزرات) من قول امرئ القيس:
تصد وتبديى عن أسيل وتتقي بناظرة من وحش وجرة مطفل
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل
وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلا تضل المدارى في مثنى ومرسل
والفرع هو الشعر، والأثبث: الكثير، والقنو: العنقود، والمتعثكل: المتراكم، والغدائر: الذوائب، والمستشزرات: رُوي بفتح الزاي، أي مرفوعات، وبكسرها: أي مرتفعات (٣).
_________________
(١) عروس الأفراح للسبكي (شروح التلخيص) جـ ١ صـ ٨١.
(٢) عروس الأفراح للسبكي جـ ٧٨١.
(٣) المعلقات العشر صـ ٦٣.
[ ٩١ ]
والمعنى أن خصل شعرها مرتفعات، وأن أمشاط شعرها تغيب بين الشعر المعتول، والشعر المسترسل.
وإنما كان الثقل في مستشزرات لتوسط الشين - وهي مهموسة رخوة - بين التاء - وهي مهموسة شديدة -، والزاي - وهي مجهورة.
على أن وصف الجملة بالثقل ليس راجعًا على بعد مخارج حروفها، أو قربها، بل إن ذلك يرجع إلى الذوق السليم - كما يقول ابن الأثير -، فكل ما عده الذوق السليم ثقيلًا متعسر النطق فهو متنافر. سواء كان من قرب المخارج أو من بعدها، أو غير ذلك (١).
وذلك لأننا نجد من القريب المخرج ما هو غير متنافر، كما في (الجيش) و(الشجى) وكما في القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ (٢) كما أننا نجد من البعيد المخرج ما هو غير متنافر أيضًا، كما في (بعد) فإن الباء من الشفتين والعين من الحلق وكما في (علم)، و(أو) و(ألم) وكل ذلك حسن لا تنافر فيه.
وليس كل ثقل يمجه الذوق، فهناك ثقل مستحسن مطلوب؛ وذلك إذا ما اقتضى المقام هذا الثقل؛ كأن تكون الكلمة موحية بما تعبر عنه من معنى، ولا سبيل إلى التعبير عن ذلك المعنى إلا بها.
فهناك كلمات ثقيلة على اللسان، ولكن ثقلها من أهم مظاهر فصاحتها من حيث أن هذا الثقل يصور معناها بحق، انظر كلمة ﴿اثَّاقَلْتُمْ إلَى
_________________
(١) المعلول: ١٧.
(٢) يس: ٦٠.
[ ٩٢ ]
الأَرْضِ﴾ (١) تجد فيها قدرًا من الثقل الفصيح؛ لأنه يصف تقاعسهم وتثاقلهم وخلودهم إلى الأرض؛ واستشعارهم مشقة الجهاد، وعزوف أرواحهم عنه وقد دعوا إليه في عام العسرة، فكان منهم ما وصفت الآية ولذلك جاء التهديد البالغ ليواجه تخاذل أرواحهم، فقال سبحانه: ﴿إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ (٢).
وكذلك قول الله تعالى: يحكي مقالة سيدنا نوح ﵇ لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٣)﴾.
فكلمة "أنلزمكموها" فيها صعوبة في النطق تحكي صعوبة الإلزام بالآيات وهم لها كارهون.
وانظر كلمة "فعميت" وما فيها من الإدغام والمجهول، وكيف تصفان معنى "التعمية والإلباس" (٤).
وأما الغرابة: فهي أن تكون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال.
والمراد بكونها وحشية: أن تكون غريبة على العرب الخلص لا على الناس حتى لا يحكم على كل كلمة تقادم بها العهد بأنها وحشية: لأن الذوق العربي الخالص لا يحب الإغراب في الكلمات، ويكره التباصر بالغريب والتشادق به، لأن ذلك عندهم دليل قساوة الطبع، ولهذا قالوا: الاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص
والغريب الذي ينفرون منه، ويخل بفصاحة الكلمة، ويحذرون من
_________________
(١) التوبة: ٣٨.
(٢) التوبة: ٣٩.
(٣) هود: ٢٨.
(٤) خصائص التراكيب د. محمد أبو موسى صـ ٣٣، ٣٤.
[ ٩٣ ]
الوقوع فيه هو: ما يحتاج - في معرفته - إلى أن ×××× ص ٩٤، ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة، ككلمة "الطرموق" بدل الطين "والاستمصال" بدل الإسهال، و"الاطرغشاش" و"الابرغشاش" بدل الشفاء.
وكتلك الكلمات التي ذكروها في قصة طريفة رووها عن علقمة النحوي قالوا: مر أبو علقمة ببعض طرق البصرة وهاجت به مرة، فوثب عليه قوم يعصرون إبهامه ويؤذنون في أذنه، فأفلت من أيديهم وقال: "ما لكم تكأكأتكم علي كما تكأكؤن على ذي جنة، افرنقعوا عني، فقال بعضهم دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية (١) ".
وواضح من هذه القصة أن الغريب الذين ينفرون منه هو ما كان غريبًا على العرب، وهو الذي إذا ما طرق أسماعهم أنكروه، ورأوا أنه غير عربي، ولهذا فإنهم يريدون به الكلمات التي توشك أن يميتها الزمن، وأن يبتلعها التاريخ، والتي يمكن أن ينتفع بها الباحث في الأصول السامية لإدخالها في القدم، ××××ص ٩٤ بكلمات النقوش أكثر مما ينتفع بها الأدباء وأهل الفصيح (٢).
أما غريب القرآن، وغريب الحديث، فقد كان دوارًا عند العرب الخلص، ولكن تقادم العهد به، وذلك مثل كلمة "ضيزى" في قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (٣).
وكما في أحاديث النبي ﷺ التي يخاطب بها الأقوام البادين، لأن سياقات الأحاديث ومقاماتها كانت تقتضي منه ذلك، لأن هذه الألفاظ الغريبة لم تكن وحشية نافرة لديهم، بل كانت دوارة على ألسنتهم.
_________________
(١) المطول صـ ١٨.
(٢) خصائص التراكيب صـ ٣٥.
(٣) النجم ٢٢.
[ ٩٤ ]
وعلى أية حال: فإنهم يحبذون من الكلمات: "ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحط عن البدوي الوحشي" (١).
أي أنهم مع نفورهم من الوحشي من الكلمات، فإنهم - أيضًا - ينفرون من السقوط بها إلى درجة الابتدال ولهذا عدل في التنزيل إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ (٢)﴾، لسخافة لفظ الطوب وما رادفه.
ولاستثقال جمع الأرض لم تجمع في القرآن الكريم، وجمعت السماء، وحيث أريد جمعها قال تعالى: ﴿ومِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٣).
وقد عابوا على أبي نواس كلمة الشطار "لابتذالها"، حيث قال:
وملحة بالعذل تحسب أنني بالجهل أترك صحبة الشطار
وقد قسم حازم - في المنهاج - الابتذالي والغرابة، فقال ما ملخصه: