ومعنى التعقيد المعنوي: ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد منه بسبب الخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثاني المقصود، وذلك الخلل يكون بإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة، مع خفاء القرائن الدلالة على المقصود، كما في قول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
_________________
(١) الوساطة ص ٩٨.
[ ١٠٢ ]
فقد جعل سكب الدموع - وهو البكاء - كناية عما يستلزمه فراق الأحبة من الكآبة والحزن وهذا كلام صحيح سليم، لأنه كثيرًا ما تجعل الدموع دليلًا على الكآبة والحزن.
يقال: أبكاني الدهر، وأضحكني، أي: ساءني، وسرني، قال الحماسي:
أبكاني الدهر، ويا ربما أضحكني الدهر بما يرضى
ولكنه أخطأ في الكناية عما يوجبه دوام التلاقي والوصال من الفرح والسرور، بجمود والعين وذلك لأن الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع حال إرادة البكاء، وهي حالة الحزن على مفارقة الأحبة، لا إلى ما قصده الشاعر من السرور الحاصل بملاقاة الأصدقاء، ومواصلة الأحبة.
ولهذا لا يقال في الدعاء: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك.
ويقال: سنة "جماد"، لا مطر فيها، وناقة "جماد: لا لبن فيها، كأنهما تبخلان بالمطر واللبن.
ويقول: أبو عطاء السندي، من قصيدة يرثي بها ابن هريرة:
ألا إن عينًا لم تجد يوم واسط عليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققت جيوب بأيدي مآتم، وخدود
فإن تمس مهجور الغناء فربما أقام به بعد الوفود وفود
فأتى "بالجمود" تأكيدًا لنفي الجود، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء، وليس هنا التماس بكاء، لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوبًا يبذل أو يمنع (١).
_________________
(١) دلائل الإعجاز ص ١٧٦.
[ ١٠٣ ]
ومعنى بين ابن الأحنف: إني اليوم أطيب نفسًا بالبعد والفراق، وأوطنها على مقاساة الأحزان والأشوان وأنجرع غصصها، واحتمل لأجلها حزنًا يفيض الدموع من عيني لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة ولا تزول، فإن الصبر مفتاح الفرج ومع كل عسر يسر، ولكل بداية نهاية (١).
وإنما اشترطوا الفصاحة الكلام خلوه من التعقيد بنوعيه اللفظي والمعنوي، لقولهم: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكوون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك.
فإذا كان النظم سويًا، والتأليف مستقيمًا، كان وصول المعنى إلى قلبك تلو وصول اللفظ إلى سمعك:
وإذا كان النظم على خلاف ما ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه، فإذا ما أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا: إنه يستهلك المعنى (٢).
قيل: ومما يخل بفصاحة الكلام: كثرة التكرار، وتتابع الإضافات:
فمن كثرة التكرار قول أبي الطيب المتنبي:
أهم بشيء والليالي كأنها تطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد
وتسعدني في غمرة بعد غمرة سبوح لها منها عليها شواهد (٣)
فقد كرر الضمائر في قوله: "لها منها عليها"
_________________
(١) المطول ص ٢٣.
(٢) دلائل الإعجاز ص ١٧٤، ص ١٧٧.
(٣) ديوان المتنبي جـ ١ ص ٢٧٠.
[ ١٠٤ ]
ومن تتابع الإضافات: قول ابن بايك:
حمامة جوعى حومة الجندل إسجعي فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
ولكن هذا القول مردود بأن كلا من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات إن ثقل اللفظ بسببها على اللسان، فقد حصل الاحتزاز عنه بالتنافر، وإلا فلا تخل بالفصاحة، وقد قال النبي - ﷺ -: "الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف ابن يعقوب بن اسحق، بن إبراهيم"
يقول عبد القاهر الجرجاني: قال الصاحب: إياك والإضافات المتداخلة فإنها لا تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقوله:
يا علي بن حمزة بن عمارة أنت والله ثلجة في خيارة
ثم قال الشيخ عبد القاهر: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، لكنه إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف كقول عبد الله بن المعتز:
فظلت تدير الكأس أيدي جآذر عتاق دنانير الوجوه ملاح
والحق أن كلا من كثر التكرار، وتتابع الإضافات لا يخل بفصاحة الكلام، لمجيئهما في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
وأما فصاحة المتكلم:
فهي ملكة يستطيع بها التعبير عن مقصوده بلفظ فصيح.
والملكة: هيئة راسخة في النفس، والتعبير بها هنا يشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة في النفس، ولهذا فغن من يعبر عن مقصوده بلفظ فصيح لا يعد فصيحًا إلا إذا كانت الصفة التي استطاع بها التعبير عن مقصوده، بلفظ فصيح راسخة فيه.
[ ١٠٥ ]
بلاغة الكلام:
أسلفنا لك أن البلاغة تكون وصفًا للكلام، وللمتكلم فقط، ولا تكون وصفًا للكلمة المفردة فيقال: كلان بليغ، ومتكلم بليغ، ولا يقال كلمة بليغة، إلا إذا أردنا بالكلمة خطبة أو قصيدة - مثلًا -
فأما بلاغة الكلام، فهي - كما يقولون -. "مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع فصاحته، فإذا جاء الكلام فصيحًا، خاليًا من التنافر، والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي، بريئًا من التعقيد اللفظي والمعنوي جاريًا على المشهور من آراء النحاة، وكان مناسبًا للموضوع الذي يقال فيه، ولأحوال السامعين، معبرًا عن مشاعر قائله أصدق تعبير، فإنه يعد كلامًا بليغًا.
لأن قائله يبلغ به غايته، ويصل إلى مراده من نفوس سامعيه، فيؤثر في نفوسهم، ويسيطر على مشاعرهم، ويملك به أزمة قلوبهم.
استمع إلى قول عمرو بن معد يكرب يذكر يومًا كان بين عشيرته وجارتها جرم، وبين بني الحرث بن "كعب" وحليفتها "نهد":
ليس الجمال بمئزر فاعلم، وإن رديت بردًا
إن الجمال معادن ومناقب أورثن مجدًا
أعددت للحدثان سا بغة، وعداء ص ١٠٦
نهدا، وذا شطب يقد البيض، والأبدان قدًا
وعلمت أني يوم ذا ك منازل كعبًا، ونهدًا
قوم إذا لبسوا الحديد تنمروا حلقًا، وقدا
كل امرئ يجري إلى يوم الهياج بما استعدا
[ ١٠٦ ]
لما رأيت نساءنا يفصحن بالمعزاء شدًا
وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدى
وبدت محاسنها التي تخفي، وكان الأمر جدًا
نازلت كبشهم ولم أر من نزال الكبش بدًا
هم ينذرون دمي وأنذر ن لقيت بأن أشدا
كم من أخ لي صالح بوأته بيدي احدًا
ما إن جزعت ولا هلعت ولا يرد بكاي زندًا
ألبسته أثوابه وخلقت بوم خلقت جلدًا
أغني غناء الذاهبين أعد للأعداء عدا
ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردًا (١)
فالشاعر في مقام الفخر بانتصار قومه على قبيلتي "كعب"، ونهد اللتين أغارتا على قومه طالبين قتله، وقد خرج إليهم غير عابيء بجموعهم، فنازل رئيسهم وهزمهم.
انظر: كيف صور تجربته في صد الأعداء أصدق تصوير، فقد بدأ قصيدته بأن الجمال الظاهر أمر زائل لا يهمه، فهو لا يعبأ بظاهر الجمال الزائلة المتمثلة في البرود والمآزر، ولكنه يهتم بجميل الأفعال، وحميد الخصال، وجليل المناقب والمآثر التي تورث المجد، وتكسب الفضل.
فقد أعد لحماية أرضه وعرضه فرسًا كريمًا عداء قويًا متينًا، ودروعًا سابغة، وسيفًا ماضيًا، لأنه يعلم أنه سيقاتل كعبًا ونهدًا المعروفتين بقوة الشكيمة، والاستعداد للحروب، وكل امرئ ص ١٠٧ يوم اللقاء بما استعد به من أدوات الحرب.
_________________
(١) ديوان الحماسة، جـ ١، ص ٥٧ - ٦٠.
[ ١٠٧ ]
فلما كان يوم اللقاء، ورأى النساء قد خرجن من بيوتهن، وجرين هنا وهنالك وكشفت اللبس عن وجهها، كأنها البدر؛ وبدا ما كانت تخفيه من محاسن، ثارت حميته، وجرى الدم في عروقه، وألقى بنفسه في غمار المعركة منقضًا على رئيسهم فنازله وهزمه.
وقد كان الأعداء ينذرون دمه، ولكنه كان ينذر بأنه إذا لقيهم ليقاتلهم قتالًا شديدًا وليس ذلك بجديد عليه، فكم قاتل الأعداء، وكم بقى وحده في ميدان القتال يكفن أصحابه ويدفنهم بيديه جلدًا صبورًا، فما جزع وما أصابه الهلع، لأنه يغني غناء الذاهبين من قومه، فهو المؤمل للأعداء يوم اللقاء، فقد ذهب أحبابه في ميادين الحرب والدفاع عن الشرف والعرض، وبقى وحده كالسيف فردًا.
ثم انظر كيف أتى بالجملة المنفية في أول القصيدة غير مؤكدة وهي قوله:
(ليس الجمال بمئزر).
ولكنه أكد الجملة التي تليها، وهي قوله: (إن الجمال معادن، ومناقب أورثن مجدًا).
لأن الجملة الأولى خبرية ألقيت إلى خالي الذهن فلم، يحتج إلى تأكيد، ولكن الجملة الثانية جاءت جوابًا عن سؤال تضمنته الجملة الأولى، فكأن سائلًا سأل: فماذا يكون الجمال؟
وكذلك تجد الجمل الخبرية التي أوردها خالية من التأكيد، لإلقائها إلى خالي الذهن (أعددت للأعداء ..) و(علمت أني يوم ذاك منازل ..) و(هم ينذرون دمي).
ثم انظر كيف عرف كلا من (كعبًا) و(نهدًا) بالعلمية، ليبين أنه نازل قبيلتين معروفتين وكيف نكر كلا من (أحدا) و(زندا)، ليبين أنه لشجاعة قلبه وقوة جلده يكفن صديق النزال في الحرب بيديه ويدفنه
[ ١٠٨ ]
في أي لحد كان، وفي أي مكان كان، لأن الذي يهمه إنما هو الدفاع عن حرماته، وحماية مكارم قبيلته ومناقبها، وأنه مهما بكى على أصدقائه فلن يرد بكاؤه شيئًا حقيرًا، حتى ولو كان زندًا تافهًا.
ثم أعد قراءة القصيدة، وتفقد كلماتها، فإنك ستجدها سهلة الألفاظ، سلسة الأسلوب جميلة المعاني، قد تعانقت كلماتها تعانقًا لطيفًا آخذًا بعضها يحجز بعض، حتى إنك لا تمل من قراءتها لسهولتها، وسلاسة أسلوبها، وجمال نظمها.
فقد جاءت كلمات القصيدة فصيحة، متماسكة قوية معبرة أصدق تعبير عن مشاعر هذا الفارس مصورة لتجربته في اللقاء والنزال، موحية بما يكنه لقومه من حب وإيثار، وبما يتمتع به من قوة الجلد، والصبر في ميادين الشرف والبطولة.
وقد ضمنها خصائص بلاغية قيمة، فعرف حيث يقتضي المقام التعريف، ونكر حيث يقتضي المقام التنكير، وأكد حيث يقتضي المقام التأكيد، وتجنب التأكيد حيث لا يقتضي المقام التأكيد .. وهكذا وهذا هو المقصود بقولهم، مطابقة الكلام لمقتضى الحال:
فالحال: هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المعنى خصوصية ما، ومطابقة الكلام له بمعنى: اشتماله عليه.
فإذا كان المخاطب ينكر قيام (زيد) مثلًا، فإنكاره حال يدعو المتكلم إلى أن يخبره بقيامه مؤكدًا، فيقول: (إن زيدًا قائم)، وتأكيد الخبر هو: مقتضى الحال.
ومقتضى الحال مختلف، لأن مقامات الكلام متفاوتة:
فمقام التنكير يغاير مقام التعريف، ومقام الإطلاق يغاير مقام التقييد،
[ ١٠٩ ]
ومقام التقديم يغاير مقام التأخير، ومقام الذكر يغاير مقام الحذف، ومقام القصر يغاير مقام خلافه، ومقام الفصل يغاير مقام الوصل، ومقام الإيجاز يغاير مقام الأطناب والمساواة، وكذلك خطاب الذكي يغاير خطاب الغبي، وكذلك لكل كلمة مع صاحبتها مقام.
ولكن: ما الفرق بين الحال والمقام؟
الحال والمقام: متقاربا المفهوم؛ والتغاير بينهما أمر اعتباري، وذلك لأن الأمر الداعي. مقام: باعتبار توهم كونه محلًا لورود الكلام فيه على خصوصية ما، وحال: باعتبار كونه زمانًا له.
وأيضًا: فإن المقام تعتبر إضافته للمقتضَى؛ فيقال: مقام التأكيد، والإطلاق والحذف، والإثبات، كما تعتبر إضافة الحال المقتضِي: فيقال: حال الإنكار وحال خلو الذهن، وغير ذلك.
وعلى ذلك: فعند تفاوت المقامات تختلف مقتضيات الأحوال، ضرورة أن الاعتبار اللائق بهذا المقام، غير الاعتبار اللائق بذلك، واختلافها هو عين اختلاف مقتضيات الأحوال.
وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول، يكون بمطابقته للاعتبار المناسب؛ وانحطاطه يكون لعدم مطابقته لهذا الاعتبار.
والمراد بالاعتبار المناسب: الأمر الذي اعتبره المتكلم متناسبًا بحسب السليقة أو بحسب تراكيب البلغاء؛ فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب للحال والمقام، كالتأكيد والإطلاق وغيرهما.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو ما يسميه الإمام عبد القاهر الجرجاني باسم (النظم) حيث يقول في نظريته التي أسلفناها لك: "النظم هو توخي
[ ١١٠ ]
معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام".
وقد كرر - في دلائل الإعجاز - أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الموضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه.
وعلى هذا: فالبلاغة "صفة "راجعة، " إلى اللفظ، لكن لا من حيث أنه "لفظ وصوت"؛ ولكن باعتبار إفادته المعنى مركبًا.
وكثيرًا ما يسمى ذلك الوصف فصاحة - أيضًا - وهذا هو المقصود من كلام الشيخ عبد القاهر حيث كرر - في مواضع من كتابه "دلائل الإعجاز" - أن الفصاحة صفة "راجعة" إلى المعنى دون اللفظ كقوله: "علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما، أوصاف "راجعة" إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها".
وقد ذكر في مواضع أخرى - من دلائل الإعجاز -: أن فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه، حيث أن المعاني مطروحة في الطريق بعرفها الأعجمي والعربي، والقروي والبدوي، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة، فتكون راجعة إلى اللفظ دون المعنى.
فوجه التوفيق بين الكلامين: أنه أراد بالفصاحة معنى البلاغة:
فحيث أثبت أنها من صفات الألفاظ: أراد أنها من صفاتها باعتبار إفادتهم المعنى عند التركيب وحيث نفى ذلك: أراد أنها ليست من صفات الألفاظ المفردة والكلم المجردة من غير اعتبار التركيب.
وحينئذ: لا تناقض في كلامه.
هذا هو رأي الخطيب القزويني في كلام عبد القاهر الجرجاني.
والحق ما قاله سعد الدين التفتازاني: وهو: أن محصول كلام عبد القاهر - بعد تصفحه - هو: أن الفصاحة عنده تطلق على معنيين:
[ ١١١ ]
أحدهما: ما مر في صدر المقدمة، ولا نزاع في رجوعها إلى نفس اللفظ.
والثاني: وصف في الكلام يقع به التفاصيل ويثبت الإعجاز، وعليه يطلق، البلاغة، والبراعة، والبيان، وما شاكل ذلك، ولا نزاع - أيضًا - في أن الموصوف بها - عرفًا - هو: اللفظ، إذ يقال: لفظ فصيح، ولا يقال معنى فصيح، وإنما النزاع في أن منشأ هذه الفضيلة ومحلها أهو اللفظ أم المعنى؟ والشيخ ينكر على كلا الفريقين، ويقول إن الكلام الذي يدق فيه النظر ويقع به التفاضل هو الذي يدل بلفظه على معناه اللغوي، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية على المعنى المقصود.
فهناك ألفاظ، ومعان أول، ومعان ثوان، فالشيخ يطلق على المعاني الأول، بل على ترتيبها في النفس، ثم على ترتيب الألفاظ على حذوها في النظم، اسم: النظم، والصور، والخواص، والمزايا، والكيفيات، ونحو ذلك.
ويحكم - قطعًا - بأن الفصاحة من الأوصاف الراجعة إليه، وأن الفضيلة التي بها يستحق الكلام أن يوصف بالفصاحة والبلاغة والبراعة، وما شاكل ذلك إنما هي فيها، لا في الألفاظ المنطوقة التي هي الأصوات والحروف، ولا في المعاني الثواني، التي هي الأغراض التي يريد المتكلم إثباتها أو نفيها.
فحيث يثبت أنها من صفات الألفاظ أو المعاني، فإنه يريد بها تلك المعاني الأول وحيث ينفي أن تكون من صفاتها فإنه يريد بالألفاظ، الألفاظ المنطوقة وبالمعاني، المعاني الثواني، التي جعلت مطروحة في الطريق، وسوى فيها بين الخاصة والعامة وللبلاغة في الكلام: طرفان: أعلى، وإليه تنتهي البلاغة، وهو: حد الإعجاز وما يقرب منه، وهو: أن يرتقي الكلام في بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر، ويعجزهم عن معارضته وأسفل؛ وهو: ما إذا غير الكلام عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات
[ ١١٢ ]
الحيوانات وإن كان صحيح الإعراب، حيث تصدر عن محالها حسبما يتفق من غير اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد.
وبين الطرفين: مراتب كثيرة، متفاوتة، بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات ورعاية الاعتبارات، والبعد من أسباب الإخلال بالفصاحة.
وتتبع بلاغة الكلام: وجوه أخر سوى المطابقة، والفصاحة، تورث الكلام حسنًا، وتكسبه رونقًا وجمالًا، وهذه الوجوه هي التي تضمنها على البديع، من حسنات لفظية ومعنوية.
وأما بلاغة المتكلم.
فهي: الموهبة، أو الملكة التي تستطيع بها أن تؤلف كلامًا بليغًا.
ولعلك قد فهمت مما تقدم: أن كل بليغ كلامًا كان أو متكلمًا، فصيح، وليس كل فصيح بليغًا.
كما أنك قد فهمت مما أسلفنا لك: أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وإلى تميز الكلام الفصيح من غيره.
وتمييز الكلام الفصيح من غيره: منه ما يتبين في علم متن اللغة، كالغرابة، أي تمييز السالم من الغرابة من غيره، أو في الصرف، كمخالفة القياس، أو في علم النحو: كصعف التأليف، والتعقيد اللفظي، أو يدرك بالذوق، كالتنافر فما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد هو علم المعاني وما يحترز به التعقيد المعنوي، وهو علم البيان.
وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو: علم البديع.
[ ١١٣ ]
وبعد فقد رأيت مما أسلفنا لك: أن البلاغة هي نفسها "نظرية النظم" والتي توصل إليها عبد القاهر الجرجاني، واستنبطها من كلام النقاد السابقين، كالخطابي، والقاضي الجرجاني، والقاضي عبد الجبار، وأبي سعيد السيرافي، وأن عبد القاهر قد طبقها على النصوص الأدبية في غير كلل أو ملل، وأنه في نقده هذا لم يفقر بين النقد الأدبي، والنقد البلاغي، بل إنه ليجمع نقده في دائرة "النظم البلاغي"، الذي ارتضاه تفسيرًا حقيقيًا لإعجاز القرآن الكريم.
فلم يكن ينظر إلى البلاغية إلا على أنها علم واحد أساسه "النظم" الذي تفرعت منه المعاني البلاغية، التي أطلق عليها اسم، الخصائص، والكيفيات، والمزايا، وهي التي أدرجها المتأخرون فيما أسموه بعلم المعاني، واستنبطوها من عبارة عبد القاهر - في نظريته -، وهي عبارة: "معاني النحو فيما بين الكلم، كالمعاني الناشئة عن: التقديم، والتأخير والتعريف والتنكير، والذكر والحذف، والفصل والوصل، والإيجاز والأطناب والمساواة - وهكذا.
ومن هذه المعاني تتكون الصور البيانية الكبرى، وهي التشبيه، والمجاز، والكناية، والصغرى، كالاستعارة تصريحية، أو مكنية أصلية أو تبعيه والتشبيه - على حد المبالغة - والتشبيه على حد الاستعارة وهكذا وهذه الصور، أو تلك المعاني: قد تتضمن فيما جمالية راجعة إلى المعنى قبل أن تكون زينة للألفاظ (١).
ولكن المتأخرين قد نظروا إلى البلاغة على أنها علوم ثلاثة، هي: علم المعاني وعلم البيان، وعلم البديع.
_________________
(١) راجع في هذا كتابنا: نظرية البيان بين عبد القاهر والمتأخرين ص ٢٦١.
[ ١١٤ ]
وصحيح أنهم قالوا: إن علم البيان لابد له من اعتبار علم المعاني، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المركب، ولكن هذا القول المنطقي الجاف ليس كافيًا، فقد قالوا هذا، ثم تناولوا المعاني بعيدًا عن الصور البيانية، وتناولوا الصور البيانية بعيدًا عن المعاني، فحالوا بذلك بين البلاغة والنقد الذي يمارس تقويم النصوص الأدبية على أسس من معايير الجمال التي تعتمد الذوق السليم أساسًا في فهم دقائق المعاني ولطائفها، وإدراك الصور البيانية، وأنماط التعبير عنها، وتذوق الجمال البديعي بين أساليبها (١).
ولعل أول من نبه إلى خطأ المتأخرين في تقسيمهم البلاغة إلى علوم ثلاثة هو الأستاذ أحمد مصطفى المراغي (٢).
فقد قال منكرًا على السكاكي تقسيمه البلاغة إلى علوم ثلاثة - في فصل من كتابه "تاريخ علوم البلاغة "بعنوان: (لا وجه لتقسيمه علوم البلاغة". أقسامًا ثلاثة، ولا لجعله تحسين البديع عرضيًا):
"لا نعلم أحدًا سبق السكاكي إلى قسمة علوم البلاغة الأقسام الثلاثة المعروفة، ولا نرى لهذا التقسيم وجهًا صحيحًا، ولا مستندًا من رواية ولا هواية، فليس هناك جهة للتمايز تفضل كل علم عن ص ١١٥، ولا في أغراض كل علم، ولا في موضوعه، مما يجعله وحدة مستقلة عن العلمين الآخرين في بحوثه ومسائله، حتى يمكن للناظر أن يقتنع بوجاهة هذا التقسيم، ويبرهن على صحته، بل على العكس؛ نرى بينها اتصالًا وثيقًا في الأعراض والمقاصد، واتحادًا في وجهة البحث، فلا يمكن فصل بعضها من بعض، وإن أمكن فعلى نحو آخر غير ما ذكره السكاكي، ومن اقتفوا أثره، وساروا على سنته، دون أن يدلوا بحجة ص ١١٥".
_________________
(١) نظرية البيان ص ٢٥٤.
(٢) تاريخ علوم البلاغة المراغي ص ١١١.
[ ١١٥ ]
ثم بين كيف أن الرواية لا تساعد السكاكي على هذا التقسيم، وحاصلها:
أنه لم يتقدم أحد قالق بهذا التقسيم:
وأما أن الدراية لا تؤيده، فقد ذكر أن ذلك لوجوه، نذكر منها:
أولًا: أن الثمرة المستفادة من علم المعاني، وهي معرفة أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال - تستفاد - أيضًا - من علم البيان والبديع، لأنا لا نعبر باستعارة ولا كناية إلا إذا اقتضاها المقام، كما قال عبد القاهر - في الدلائل -: أنه إذا أريد إثبات الشيء على جهة الترجيح بين أن يكون وألا يكون عبرت عنه بالتشبيه: فقلت: "رأيت رجلًا كالأسد"، ولم يكن ذلك من حديث الوجوب في شيء، وإذا أريد إثباته على سبيل الوجوب، وجعلته كالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوبه، عبرت بالاستعارة، وقلت رأيت أسدًا، وذلك أنه إذا كان أسدًا، فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى منها.
وحكم التمثيل حكم الاستعارة، فإنك إذا قلت: "أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى"، فأوجبت له الصورة التي يقطع فيها بالتحير والتردد كان أبلغ - لا محالة - من أن تجري على الظاهر فتقول، قد جعلت تتردد في أمرك، فأنت كمن يقول: أخرج أو لا أخرج، فيقدم رجلًا ويؤخر أخرى.
وكذلك إذا أردت إثبات قضية دون حاجة إلى برهان، بأن كان السامع مقتنعًا بصحتها دون أن تزيده تأكيدًا في إثباتها، عبرت بالحقيقة، فقلت: زيد كريم.
وإن رأيت أنه في شك من صحتها، أتيت بالقضية يصحبها دليلها، وعبرت عن ذلك المعنى بطريق الكناية، فقلت: "هوجم الرماد"، فأثبت القرى الكثير من وجه هو أبلغ وأشد في الإيجاب والإثبات.
[ ١١٦ ]
ثانيًا: أنه كما يصدق هذا على المعاني والبيان، يصدق - أيضًا - على البديع، فالجمال الذي يوجد في التورية من حيث دقة التعبير ولطفه لا يقل عن الجمال الذي يوجد في الكناية والإبداع الذي يوجد في الطباق والتقسيم، ليس بأقل مما يوجد في الاستعارة.
ثالثًا: أنه مما يدل على أن مباحث هذه العلوم ليست متمايزة: أن بعض المؤلفين قد أدخل المجاز العقلي في علم البيان، بينما غيرهم أدخله في المعاني: كذلك نجد جماعة أدخلت التذييل والاحتراس، والحشو في البديع، بينما أدمجها غيرهم في المعاني وجعلوها أقسامًا للأطناب، فلو كانت هناك حدود واضحة تميز قسمًا من قسم، لما جاء مثل هذا الاختلاط والارتباك في تفريع هذه المسائل، ووضعها في المواضع المناسبة لها".
[ ١١٧ ]
علم المعاني