ذكر البلاغيون أن من يكون بصدد الإخبار ينحصر قصده بخبره هذا في أمرين:
الأول:
إفادة المخاطب مضمون الخبر وفائدته؛ وذلك كقولك لمن لا يعلم أن والده قد سافر. (سافر والدك) ولمن لا يعلم أن الهلال قد ظهر: ظهر الهلال، ولمن لا يعلم أن أخاه قد نجح أخوك.
الثاني:
إفادته لازم فائدة الخبر: وذلك كقولك لمن حفظ القرآن الكريم: أنت قد حفظت القرآن الكريم؛ فهو يعلم أنه يحفظ القرآن الكريم، ولكنك قد أفدته أنك تعلم ذلك أيضًا.
هذا هو الذي جرى عليه العرف في الإخبار بخبر ما؛ وذلك إذا التزم المتكلم باستعمال الجمل الخبرية في حقائقها.
_________________
(١) شروح التلخيص جـ ١، ص ١٩٠، ص ١٩١.
[ ١٢٣ ]
أما من يريد أن يستخدم الأساليب الخبرية في أفقها الأرحب، فإن قصده يتعدد بتعدد المثيرات التي تدفعه إلى القول وتحثه عليه؛ وهذه المثيرات هي خواطر النفس وهواجسه، ولا يتصدى عاقل لحصرها.
ولكن يمكن أن يقال بوجه عام: إن غرض الشاعر بشعره في أغلب أحواله قد يكون الرغبة في إثارة انفعال مشابه لدى القارئ؛ فتحقق المشاركة النفسية والوجدانية؛ فيعيش القارئ طربه، إن كان طروبًا، أو أساه، إن كان حزينًا، وفي هذه المشاركة متعة الشاعر وهدفه.
وقد يكون غرض الشاعر هو الشعر نفسه؛ أي: هو الدندنة الشعرية التي يتسلى بها حين يفرغ على قيثارته ألحان نفسه، والذي يعنيه أن يقول وليس يعنيه أن يسمع (١).
ولهذا فغن الخبر قد يخرج عن الغرضين الأساسيين، وهما: الفائدة، ولازم الفائدة، إلى أغراض أخرى يقصده البلغاء، وتتضح من سياق الكلام:
وذلك كإظهار الضعف في قول المسجاح بن سباع الضبي (٢):
لقد طوفت في الآفاق حتى بليت وقد أنى لي لو أبيد
وأفناني - ولا يغني - نهار وليل كلما يمضي يعود
وشهر مستهل بعد شهر وحول بعده حول جديد
_________________
(١) خصائص التراكيب ص ٤٦.
(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام جـ ١، ص ٤٢٤.
[ ١٢٤ ]
ومفقود عزيز الفقد، تأتي منيته، ومأمول وليد
فقد أخبر الشاعر بأنه قد طوف في الآفاق حتى بلى، وقارب الهلاك، وأهرمه مرور الليل والنهار وتوالي الأشهر والسنين، وفقد من يعز عليه من الأصحاب والأبناء.
ولكنه لم يقصد بخبره هذا فائدة الخبر أو لازمها: وإنما يريد أن يبث للسامع مشاعره، ليشاركه إحساسه؛ فتحقق له بتلك المشاركة راحة نفسية يتطلبها.
والتحسر في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ (١).
والمدح كما في قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة (٢).
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدولة الجيش همه وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه وذلك ما لا تدعيه الضراغم
_________________
(١) آل عمران ٣٦.
(٢) ديوان المتنبي جـ ٣، ص ٣٧٨، ص ٣٧٩.
[ ١٢٥ ]
والذم، كما في قوله - يهجو كافروًا (١):
وتعجبني رجلاك في النعل، إنني رأيتك ذا نعل إذا كنت حافيًا
وأنك لا تدري ألونك أسود من الجهل أم قد صار أبي صافيًا
ويذكرني تخييط كعبك شقة ومشيك في ثوب من الزيت عاريًا
وقد أشار هذا الذي ذكرناه، من أن الخبر كثيرًا ما يقصد به أغراض تتجاوز حدود الفائدة ولازمها، سعد الدين التفتازاني، إذ يقول:
"كثيرًا ما تورد الجملة الخبرية لأغراض أخر سوى إفادة الحكم أو لازمه. كقوله تعالى - حكاية عن امرأة عران: "رب إني وضعتها أنثى" إظهارًا للتحسر على خيبة رجائها وعكس تقديرها والتخزن إلى ربها، لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا. وقوله تعالى - حكاية عن زكريا ﵊ - ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ (٢) إظهارًا للضعف والتخشع، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) الآية، إنكارًا لما بينها من التفاوت العظيم، ليتأنف القاعد، ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، ومثله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) تحريكًا لحمية الجاهل، وأمثال هذا أكثر من أن يحصى: وكفاك شاهدًا على ما ذكرت: قول الإمام المرزوقي في قوله:
قومي هم قتلوا - أميم - أخي فإذا رميت يصيبني سهمي
هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار (٥).
_________________
(١) ديوان المتنبي جـ ٤، ص ٢٨٥.
(٢) مريم ٤.
(٣) النساء ٩٥.
(٤) الزمر ٩.
(٥) المطول ص ٤٣.
[ ١٢٦ ]