وأما باعتبار الخارج، فثلاثة أقسام:
أحدها المطلقة: وهي التي لم تقترن بصفة ولا تفريع كلام١، والمراد المعنوية لا النعت.
المجردة: وثانيها المجردة، وهي التي قرنت بما يلائم المستعار له٢ كقول كثير:
[ ٣ / ٥٠٦ ]
غَمْر الرداء إذا تبسم ضاحكا غَلِقت لضحكته رقاب المال١
فإنه استعار الرداء للمعروف؛ لأنه يصون عِرْض صاحبه كما يصون الرداء ما يُلْقَى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف لا الرداء٢، فنظر إلى المستعار له، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] .
حيث قال: "أذاقها" ولم يقل: كساها؛ فإن المراد بالإذاقة إصابتهم بما استعير له اللباس٣ كأنه قال: فأصابها الله بلباس الجوع والخوف٤. قال الزمخشري: "الإذاقة جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها؛ فيقولون: "ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب" شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع"٥.
فإن قيل: الترشيح أبلغ من التجريد، فهلا قيل: "فكساها الله لباس الجوع والخوف"؟ قلنا: لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان في الإذاقة إشعار بشدة الإصابة بخلاف الكسوة. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: "فأذاقها الله طعم الجوع والخوف"؟ قلنا: لأن الطعم وإن لاءم الإذاقة فهو مفوت لما يفيده لفظ اللباس من بيان أن الجوع والخوف عم أثرهما جميع البدن عموم الملابس.
[ ٣ / ٥٠٧ ]