وأما باعتبار وجهه: فله ثلاثة تقسيمات: تمثيل وغير تمثيل، ومجمل ومفصل، وقريب وبعيد.
تشبيه التمثيل:
التمثيل ما وجهه وصف منتزع من متعدد؛ أمرين أو أمور١، وقيده السكاكي
[ ٣ / ٤٣٠ ]
بكونه غير حقيقي١، ومثّله بصور مثّل بها غيره أيضا، منها قول ابن المعتز:
اصبر على مَضَض الحسو د فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله٢
فإن تشبيه الحسود المتروك مقاولته -مع تطلبه إياها لينال بها نفثة مصدور- بالنار التي لا تُمد بالحطب في أمر غير حقيقي٣؛ منتزع من متعدد، وهو إسراع الفناء؛ لانقطاع ما فيه مدد البقاء.
ومنها قول صالح بن عبد القدوس:
وإن من أدبته في الصِّبا كالعود يُسقَى الماء في غرسه
حتى تراه مونقا ناضرا بعد الذي أبصرت من يبسه٤
فإن تشبيه المؤدَّب في صباه بالعود المسقيّ أوان غرسه فيما يلزم كل واحد، من كون المؤدب في صباه مهذب الأخلاق حميد الفعال؛ لتأديبه المصادف وقته، وكون العود المسقي أوان غرسه مونقا بأوراقه ونضرته؛ لسقيه المصادف وقته من تمام الميل٥ وكمال الاستحسان، بعد خلاف ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ٦ فإن تشبيه حال المنافقين بحال الموصوف بصلة الموصول في الآية في أمر غير حقيقي منتزع من متعدد، وهو الطمع في حصول مطلوب لمباشرة أسبابه القريبة، مع تعقب الحرمان والخيبة؛ لانقلاب الأسباب.
[ ٣ / ٤٣١ ]
أقسام التشبيه باعتبار طرفيه:
وأما تقسيم التشبيه: فباعتبار طرفيه أربعة أقسام:
الأول: تشبيه المفرد بالمفرد:
وهو ما طرفاه مفردان: إما غير مقيدين، كتشبيه الخد بالورد ونحوه، وعليه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٢.
فإن قلت: ما وجه الشبه في الآية؟ قلت: جعله الزمخشري حسيا، فإنه قال: "لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، ويشتمل كل واحد منهما على صاحب في عناقه؛ شبه باللباس المشتمل عليه، قال الجعدي:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه لباسا٣
وقيل: شبه كل واحد منهما باللباس للآخر؛ لأنه يصونه من الوقوع في فضيحة الفاحشة، كاللباس الساتر للعورة٤.
وإما مفردان مقيدان٥ كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على شيء: "هو كالقابض
[ ٣ / ٤٣٢ ]