وأما استعارة معقول لمحسوس، فكقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ ١ فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسي، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط، وها عقليان٢.
أقسام الاستعارة باعتبار المستعار:
الأصلية، والتبعية:
وأما باعتبار اللفظ٣ فقسمان؛ لأنه إن كان اسم جنس، فأصلية كـ "أسد" و"قتل"٤، وإلا فتبعية؛ كالأفعال والصفات المشتقة منها الحروف؛ لأن الاستعارة
[ ٣ / ٥٠٢ ]
تعتمد التشبيه، والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا١، وإنما يصلح للموصوفية الحقائق٢ كما في قولك: "جسم أبيض وبياض صافٍ" دون معاني الأفعال والصفات المشتقة منها والحروف٣.
فإن قلت: فقد قيل في نحو "شجاع باسل، وجواد فياض، وعالم نحرير": إن باسلا وصف لشجاع، وفياضا وصف لجواد، ونحريرا وصف لعالم٤، قلت: ذلك متأول بأن الثواني لا تقع صفات إلا لما يكون موصوفا بالأول٥.
فالتشبيه في الأفعال والصفات المشتقة منها لمعاني مصادرها٦، وفي الحروف لمتعلقات معانيها؛ كالمجرور٧ في قولنا: "زيد في نعمة ورفاهية"؛ فيقدر التشبيه في
[ ٣ / ٥٠٣ ]
قولنا: "نطقت الحال بكذا، والحال ناطقة بكذا" للدلالة بمعنى النطق١.
وعليه في التهكمية قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٢ بدل "فأنذرهم"، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٣ بدل "السفيه الغوي"، وفي لام التعليل٤ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٥ للعداوة والحزن الحاصلين بعد الالتقاط بالعلة الغائية للالتقاط٦.
ومما يتصل بهذا أن "يا" حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة القريب؛ لتشبيهه بالبعيد باعتبار أمر راجع إليه أو إلى المنادى؛ أما الأول فكقولك لمن سها وغفل وإن قرب: "يا فلان"، وأما الثاني فكقول الداعي في جُؤَاره: "يا رب يا ألله" وهو أقرب إليه من حبل الوريد؛ فإنه استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظانّ الزُّلْفى ومما يقربه إلى رضوان الله تعالى ومنازل المقربين؛ هضما لنفسه، وإقرارا عليها بالتفريط في جنب الله تعالى، مع فرط التهالك على استجابة دعوته والأذن٧ لندائه وابتهاله.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
واعلم أن مدار قرينة التبعية١ في الأفعال والصفات المشتقة منها على نسبتها إلى الفاعل، كما مر في قولك: "نطقت الحال"، أو إلى المفعول؛ كقول ابن المعتز:
جمع الحق لنا في إمام قتل البخل وأحيا السماحا٢
وقول كعب بن زهير:
صبّحنا الخزرجية مرهفات أباد ذوي أرومتها ذووها٣
والفرق بينهما أن الثاني مفعول ثانٍ دون الأول. ونظير الثاني قوله:
نقريهم لهذميات نقد بها ما كان خاط عليهم كل زراد٤
أو إلى المفعولين الأول والثاني؛ كقول الحريري:
وأقري المسامع إما نطقت بيانا يقود الحرون الشموسا٥
أو إلى المجرور كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٦
قال السكاكي٧ "أو إلى الجميع؛ كقول الآخر:
تقري الرياح رياض الحزن مزهرة إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا٨
فيه نظر٩
[ ٣ / ٥٠٥ ]