الأمر: ومن أنواع الإنشاء الأمر، والأظهر أن صيغته -من المقترنة باللام، نحو: "ليحضر زيد" وغيرها، نحو: "أكرم عمرا" و"رويد بكرا"- موضوعة لطلب الفعل استعلاء؛ لتبادر الذهن عند سماعها إلى ذلك، وتوقف ما سواه على القرينة.
قال السكاكي١: ولإطباق أئمة اللغة على إضافتها إلى الأمر بقولهم: "صيغة الأمر، ومثال الأمر، ولام الأمر"، وفيه نظر لا يخفى على المتأمل٢.
ثم إنها -أعني: صيغة الأمر- قد تستعمل في غير طلب الفعل استعلاء، بحسب مناسبة المقام٣؛ كالإباحة٤؛ كقولك في مقام الإذن: "جالس الحسن أو ابن سيرين". ومن أحسن ما جاء فيه قول كثير "من الطويل":
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلَّتِ٥
أي: لا أنت ملومة ولا مقلية، ووجه حسنه: إظهار الرضا بوقوع الداخل تحت
[ ٢ / ٢٦٩ ]
لفظ الأمر حتى كأنه مطلوب، أي: مهما اخترتِ في حقي من الإساءة والإحسان؛ فأنا راضٍ به غاية الرضا؛ فعامليني بهما، وانظري: هل تتفاوت حالي معكِ في الحالين؟
والتهديد١ كقولك لعبد شتم مولاه وقد أدّبه: "اشتُم مولاك". وعليه قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] .
والتعجيز٢ كقولك لمن يدعي أمرا تعتقد أنه ليس في وُسْعه: "افعلْه"، وعليه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
والتسخير٣ نحو: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] .
والإهانة٤ نحو: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] .
والتسوية٥ كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣]،
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] .
والتمني١ كقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي٢
والدعاء: إذا استُعملتْ في طلب الفعل على سبيل التضرع٣ نحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] .
والالتماس: إذا استعملت فيه على سبيل التلطف٤؛ كقولك لمن يساويك في الرتبة: "افعل" بدون الاستعلاء.
والاحتقار٥ نحو: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣] .
ثم الأمر: قال السكاكي٦: "حقه الفور؛ لأنه الظاهر من الطلب، ولتبادر الفهم عند الأمر بشيء بعد الأمر بخلافه إلى تغيير الأمر الأول دون الجمع، وإرادة التراخي" والحق خلافه؛ لما تبين في أصول الفقه٧.
[ ٢ / ٢٧١ ]