والبليغ من التشبيه ما كان من هذا النوع -أعني البعيد- لغرابته١؛ ولأن الشيء إذا نِيل بعد الطلب له والاشتياق إليه كان نيله أحلى، وموقعه من النفس ألطف وبالمسرة أولى؛ ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال:
وهن ينبذْنَ من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغُلَّة الصادي٢
لا يقال: عدم الظهور ضرب من التعقيد، والتعقيد مذموم؛ لأنا نقول: التعقيد -كما سبق- له سببان: سوء ترتيب الألفاظ، واختلال الانتقال من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو المراد باللفظ.
والمراد بعدم الظهور في التشبيه ما كان سببه لطف المعنى ودقته أو ترتيب بعض المعاني على بعض، كما يشعر بذلك قولنا٣: "في بادئ الرأي"؛ فإن المعاني الشريفة لا بد فيها -في غالب الأمر- من بناء ثانٍ على أول، وَرَدّ تالٍ إلى سابق، كما في قول البحتري: "دان على أيدي العفاة " البيتين٤.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
فإنك تحتاج في تعرف معنى البيت الأول إلى معرفة وجه المجاز في كونه دانيا وشاسعا، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر، ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وتنظر كيف شرط في العلو الإفراط ليشاكل قوله: "شاسع"؛ لأن الشسوع هو الشديد من البعد، ثم قابله بما يشاكله من مراعاة التناهي في القرب، فقال: "جد قريب" فهذا ونحوه هو المراد بالحاجة إلى الفكر، وهل شيء أحلى من الفكر إذا صادف نهجا قويما إلى المراد؟
قال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر من الفضيلة: "وأين تقع لذة البهيمة بالعَلُوفة، ولذة السبع بلطع الدم وأكل اللحم، من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه؟ ".
[ ٣ / ٤٤٦ ]
تحول القريب إلى بعيد:
وقد يتصرف في القريب المبتذل بما يخرجه من الابتذال إلى الغرابة، وهو على وجوه: منها أن يكون كقوله:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا إلا بوجه ليس فيه حياء١
وقوله:
فردت علينا الشمس والليل راغم بشمس لهم من جانب الخِدْر تطلع
فوالله ما أدري أأحلام نائم ألمت بنا أم كان في الركب يوشع٢
فإن تشبيه وجوه الحسان بالشمس مبتذل، لكن كل واحد من حديث الحياء في الأول، والتشكيك -مع ذكر يوشع ﵇- في الثاني، أخرجه من الابتذال إلى الغرابة. وشبيه بالأول قول الآخر:
إن السحاب لتستحي إذا نظرت إلى نداك فقاسته بما فيها٣
ومنها أن يكون كقوله:
عزماته مثل النجوم ثواقبا لو لم يكن للثاقبات أفول٤
وقوله:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الخط إلا أن تلك ذوابل٥
وقوله:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والبدر لو لم يغب والشمس لو نطقت والأسد لو لم تصد والبحر لو عذبا٦
وهذا يسمى التشبيه المشروط٧.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
ومنها أن يكون كقوله:
في طلعة البدر شيء من محاسنها وللقضيب نصيب من تثنيها١
وقول ابن بابك:
ألا يا رياض الحزن من أبرق الحِمَى نسيمك مسروق ووصفك منتحل٢
حكيت أبا سعد فنشرك نشره ولكن له صدق الهوى ولك الملل٣
وقد يُخرج من الابتذال بالجمع بين عدة تشبيهات، كقوله:
كأنما يبسم عن لؤلؤ منضد أو برد أو أقاح٤
كما يزداد بذلك لطفا وغرابة، كقوله:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل٥
[ ٣ / ٤٤٨ ]