الإخلال: وقولنا: "وافٍ" احتراز عن الإخلال، وهو أن يكون اللفظ قاصرا عن أداء المعنى؛ كقول عروة بن الورد "من الطويل":
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا١
فإنه أراد "إذ يقتلون نفوسهم في السلم"، وقول الحارث بن حلزة "من الرجز":
والعيش خير في ظلا ل النَّوْك ممن عاش كَدَّا٢
فإنه أراد "العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل"؛ فأخل كما ترى.
التطويل والحشو:
وقولنا: "لفائدة" احتراز من شيئين: أحدهما: التطويل، وهو ألا يتعين الزائد في
[ ٢ / ٣٢٦ ]
الكلام؛ كقوله "من الوافر":
وألفَى قولها كذبا ومَيْنا١
فإن الكذب والمَيْن واحد.
وثانيهما: ما يشتمل على الحشو؛ والحشو ما يتعين أنه الزائد؛ وهو ضربان: أحدهما: ما يفسد المعنى؛ كقول أبي الطيب "من الطويل":
ولا فضل فيها للشجاعة والندى وصبر الفتى لولا لقاء شعوب٢
فإن لفظ: "الندى" فيه حشو يفسد المعنى؛ لأن المعنى أنه لا فضل في الدنيا للشجاعة والصبر والندى لولا الموت، وهذا الحكم صحيح في الشجاعة٣ دون الندى؛ لأن الشجاع لو علم أنه يخلد في الدنيا لم يخش الهلاك في الإقدام؛ فلم يكن لشجاعته فضل، بخلاف الباذل ماله، فإنه إذا علم أنه يموت هان عليه بذله؛ ولهذا يقول إذا عوتب فيه: كيف لا أبذل ما لا أبقى له؟ أنّى أثق بالتمتع بهذا المال؟! وعليه قول طرفة "من البسيط":
[ ٢ / ٣٢٧ ]
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي فذرني أبادرها بما ملكت يدي١
وقول مهيار "من البسيط":
فكل إن أكلت وأطعم أخاك فلا الزاد يبقى ولا الآكل٢
فلو علم أنه يخلد ثم جاد بماله كان جوده أفضل، فالشجاعة لولا الموت لم تحمد، والندى بالضد. وأجيب عنه بأن المراد بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال؛ كما قال مسلم بن الوليد "من البسيط":
يجود بالنفس إن ضن الجواد بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود
ورُد بأن لفظ "الندى" لا يكاد يستعمل في بذل النفس، وإن استعمل فعلى وجه الإضافة، فأما مطلقا فلا يفيد إلا بذل المال.
والثاني: ما لا يفسد المعنى؛ كقوله "من الوافر":
ذكرت أخي فعاودني صداع الرأس والوَصَب٣
فإن لفظ "الرأس" فيه حشو لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يستعمل إلا في الرأس، وليس بمفسد للمعنى. وقول زهير "من الطويل":
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عَمِي
فإن قوله: "قبله" مستغنى عنه، غير مفسد، وقول أبي عدي "من الطويل":
[ ٢ / ٣٢٨ ]
نحن الرءوس وما الرءوس إذا سَمَت في المجد للأقوام كالأذناب١
فإن قوله: "للأقوام" حشو لا فائدة فيه، مع أنه غير مفسد٢.
واعلم أنه قد تشتبه الحال على الناظر؛ لعدم تحصيل معنى الكلام وحقيقته، فيعد من الزائد على أصل المراد ما ليس منه، كما مثّله بعض الناس٣ بقول القائل "من الطويل":
ولما قضينا من منى كل حاجة ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشُدّت على دُهْم المهارى رحالنا ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح٤
يبيّن أنه ليس منه ما ذكره الشيخ عبد القاهر في شرحه٥ قال: أول ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال: "ولما قضينا من منى كل حاجة" فعبر عن قضاء جميع
[ ٢ / ٣٢٩ ]
المناسك؛ فرائضها وسننها بطريق العموم الذي هو أحد طرق الاختصار، ثم نبه بقوله: "ومسح بالأركان من هو ماسح" على طواف الوداع الذي هو آخِر الأمر، ودليل المسير الذي هو مقصوده من الشعر، ثم قال: "وشُدَّت " البيت، فوصل بذكر مسح الأركان ما وليه من ذم الركاب وركوب الركبان، ثم دل بلفظ "الأطراف" على الصفة التي تختص بها الرفاق في السفر من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتظرفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء١، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس وقوة النشاط وفضل الاغتباط، كما توجبه ألفة الأصحاب، وأنسة الأحباب، ويليق بحال من وُفق لقضاء العبادة الشريفة ورَجَا حسن الإياب، وتنسُّم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان، ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة حيث قال: "وسالت بأعناق المطي الأباطح" فنبّه بذلك على سرعة السير ووطأة الظهر، وفي ذلك ما يؤكد ما قبله؛ لأن الظهور إذا كانت وطيئة، وكان سيرها سهلا سريعا، زاد ذلك في نشاط الركبان، فيزداد الحديث طِيبا، ثم قال: "بأعناق المطي" ولم يقل: بالمطي؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في أعناقها، ويتبين أمرهما من هَواديها٢ وصدورها، وسائر أجزائها تستند إليها في الحركة، وتَتبعها في الثقل والخفة٣.
[ ٢ / ٣٣٠ ]