وأما الغرض من التشبيه فيعود في الأغلب إلى المشبه، وقد يعود إلى المشبه به.
ما يعود إلى المشبه من أغراض التشبيه:
أما الأول فيرجع إلى وجوه مختلفة:
منها بيان أن وجود المشبه ممكن: وذلك في كل أمر غريب يمكن أن يخالَف فيه ويدعّى امتناعه؛ كقول أبي الطيب:
فإن تَفُقِ الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال٤
[ ٣ / ٤١٣ ]
أراد أنه فاق الأنام في الأوصاف الفاضلة، إلى حد بطل معه أن يكون واحدا منهم، بل صار نوعا آخر -برأسه- أشرف من الإنسان، وهذا -أعني أن يتناهى بعض أفراد النوع في الفضائل، إلى أن يصير كأنه ليس منها- أمر غريب يفتقر من يدعيه إلى إثبات جواز وجوده على الجملة، حتى يجيء إلى إثبات وجوده في الممدوح؛ فقال: "فإن المسك بعض دم الغزال" أي: ولا يعد في الدماء؛ لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا يوجد منها شيء في الدم، وخلوه من الأوصاف التي لها كان الدم دما؛ فأبان أن لما ادّعاه أصلا في الوجود على الجملة.
ومنها بيان حاله؛ كما في تشبيه ثوب بثوب آخر في السواد، إذا عُلم لون المشبه به دون المشبه١.
ومنها بيان مقدار حاله في القوة والضعف والزيادة والنقصان؛ كما في قوله:
مداد مثل خافية الغراب٢
وعليه قول الآخر:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض على الماء خانتْه فروج الأصابع٣
أي: بلغت في بوار سعيي في الوصول إليها وإن أُمتَّع بها أقصى الغايات، حتى لم
[ ٣ / ٤١٤ ]
أحظ منها بما قل ولا بما كثر.
ومنها تقرير حاله في نفس السامع؛ كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يَرْقِم على الماء١.
وعليه قوله ﷿: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ ٢ فإنه بيّن ما لم تجر به العادة بما جرت به العادة٣.
وهذه الوجوه تقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم، وهو به أشهر٤؛ ولهذا ضُعِّف قول البحتري:
[ ٣ / ٤١٥ ]
على باب قِنَّسْرينَ والليل لاطخ جوانبه من ظلمة بمداد١
فإنه رب مداد فاقد اللون، والليل بالسواد وشدته أحق وأحرى؛ ولهذا قال ابن الرومي:
حِبْر أبي حفص لعاب الليل يسيل للإخوان أي سيل٢
فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبهه بالليل؛ فكأنه ٣ نظر إلى قول العامة في الشيء الأسود: " هو كالنِّقْس"٤، ثم تركه للقافية إلى المداد.
ومنها تزيينه للتغريب فيه، كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبي.
ومها تشويهه للتنفير عنه، كما في تشبيه وجه مجدور بسِلحة جامدة قد نقرتها الديكة، وقد أشار إلى هذين الغرضين ابن الرومي في قوله:
تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تَعِبْ قلت ذا قيء الزنابير٥
[ ٣ / ٤١٦ ]
ومنها استطرافه١: كما في تشبيه فحم فيه جمرة موقد ببحر من المسك مَوْجه الذهب؛ لإبرازه في صورة الممتنع عادة. وللاستطراف وجه آخر؛ وهو أن يكون المشبه به نادر الحضور؛ إما مطلقا كما مر٢ وإما عند حضور المشبه؛ كما في قوله:
ولازَوَرْدية تزهو بزرقتها بين الرياض على حمر اليَوَاقيت
كأنها فوق قامات ضعُفن بها أوائل النار في أطراف كبريت٣
فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة صورة بحر من المسك موجه الذهب، وإنما النادر حضورها عند حضور صورة البنفسج، فإذا أُحضر مع صحة الشبه استُطرف لمشاهدة عناق بين صورتين لا تتراءى ناراهما. ومما يؤيد هذا ما يحكى أن جريرا قال: "أنشدني عدي":
عرف الديار توهما فاعتادها
فلما بلغ إلى قوله:
تزجي أغَنَّ كأن إبرة رَوْقه
رحمته، وقلت: قد وقع، ما عساه يقول وهو أعرابي جلف جاف؟
فلما قال:
قلم أصاب من الدواة مدادها٤ استحالت الرحمة حسدا.
[ ٣ / ٤١٧ ]
فهل كانت رحمته في الأولى والحسد في الثانية إلا لأنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر شبه، وحين أتمه صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف.
وذكر الشيخ عبد القاهر -﵀- للاستطراف في تشبيه البنفسج بنار الكبريت وجها آخر١، وهو أنه أراك شبها لنبات غض يرفّ وأوراق رطبة من لهب نار في جسم مُستَولٍ عليه اليبس، ومبنى الطباع وموضوع الجبلّة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له؛ كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان الشغف به أجدر.
ما يعود إلى المشبه به من أغراض التشبيه:
وأما الثاني فيكون في الغالب إيهام أن المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه، وذلك في التشبيه المقلوب، وهو أن يكون الأمر بالعكس٢؛ كقول محمد بن وهيب:
وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح٣
فإنه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم من الصباح في الوضوح والضياء.
واعلم أن هذا وإن كان في الظاهر يشبه قولهم: "لا أدري أوجهه أنوَر أم الصبح؟، وغرته أضوأ أم البدر؟ "، وقولهم إذا أفرطوا: "نور الصباح يخفى في ضوء
[ ٣ / ٤١٨ ]
وجهه" أو "نور الشمس مسروق من نور جبينه" ونحو ذلك من وجوه المبالغة؛ فإن في الأول خلابة وشيئا من السحر ليس في الثاني، وهو أنه كأنه يستكثر للصباح أن يشبهه بوجه الخليفة، ويوهم أنه احتشد له واجتهد في تشبيه يفخم به أمره، فيوقع المبالغة في نفسك من حيث لا تشعر، ويفيدكها من غير أن يظهر ادعاؤه لها؛ لأنه وضع كلامه وضع من يقيس على أصل متفق عليه، لا يُشفِق من خلاف مخالف وتهكم متهكم، والمعاني إذا وردت على النفس هذا المورد كان لها نوع من السرور عجيب، فكانت كالنعمة التي لا تكدرها المنة، وكالغنيمة من حيث لا تحتسب، وفي قوله: "حين يمتدح" فائدة شريفة، وهي الدلالة على اتصاف الممدوح بما لا يوجد إلا فيمن هو كامل في الكرم، من معرفة حق المادح -على ما احتشد له من تزيينه وما قصده من تفخيم شأنه في عيون الناس- بالإصغاء إليه والارتياح له، والدلالة بالبشر والطلاقة على حسن موقعه عنده.
ومنه قوله تعالى حكاية عن مستحلّ الربا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ ١؛ فإن مقتضى الظاهر أن يقال: إنما الربا مثل البيع؛ إذ الكلام في الربا لا في البيع، فخالفوا لجعلهم الربا في الحلّ أقوى حالا من البيع وأعرف به.
ومنه قوله ﷿: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ ٢؛ فإن مقتضى الظاهر العكس؛ لأن الخطاب للذين عبدوا الأوثان وسمَّوها آلهة تشبيها بالله ﷾؛ فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، فخولف في خطابهم؛ لأنهم بالغوا في عبادتها؛ وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة٣ والخالق ﷾ فرعا، فجاء الإنكار
[ ٣ / ٤١٩ ]
على وفق ذلك.
وقال السكاكي١: "عندي أن المراد بـ ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الحي العالم القادر من الخلق٢؛ تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام بالله ﷿، وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تنبيه توبيخ عليه، ونحوه٣ قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٤ بدل: "أرأيت من اتخذ هواه إلهه؟! ".
وقد يكون الغرض العائد على المشبه به بيان الاهتمام به، كتشبيه الجائع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف؛ إظهارا للاهتمام بشأن الرغيف لا غير، وهذا٥ يسمى إظهار المطلوب.
قال السكاكي٦: "ولا يحسن المصير إليه إلا في مقام الطمع في تسنِّي المطلوب، كما يحكى عن الصاحب أن قاضي سجستان دخل عليه، فوجده الصاحب متفننا، فأخذ يمدحه حتى قال:
وعالم يعرف بالسِّجْزي٧
[ ٣ / ٤٢٠ ]
وأشار للندماء أن ينظموا على أسلوبه، ففعلوا واحدا بعد واحد، إلى أن انتهت النوبة إلى شريف في البَيْن١، فقال:
أشهى إلى النفس من الخبز٢ فأمر الصاحب أن تقدم له مائدة.
هذا٣ كله إذا أريد إلحاق الناقص في وجه الشبه حقيقة أو ادعاء٤ بالزائد، فإن أريد مجرد الجمع بين شيئين في أمر٥، فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه٦ ليكون كل واحد من الطرفين مشبها ومشبها به؛ احترازا من ترجيح أحد المتساويين على الآخر؛ كقول أبي إسحاق الصابي:
تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي فمن مثل ما في الكأس عيني تسكُب٧
[ ٣ / ٤٢١ ]
فوالله ما أدري أبالخمر أسبَلَتْ جفوني أم من عَبْرتي كنت أشرب؟ ١
وكقول الآخر:
رَقَّ الزجاج وراقت الخمر فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قَدَح وكأنما قدح ولا خمر٢
ويجوز التشبيه أيضا٣؛ كتشبيه غُرَّة الفرس بالصبح وتشبيه الصبح بغرة الفرس، متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه٤، وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوّة أو الدينار الخارج من السّكَّة، كما قال:
وكأن الشمس المنيرة دينا ر جلته حدائد الضّرَّاب٥
وتشبيه المرآة المجلوة أو الدينار الخارج من السكة بالشمس، متى أريد استدارة متلألئ متضمن لخصوص في اللون، وإن عظم التفاوت بين بياض الصبح وبيان الغرة، وبين نور الشمس ونور المرآة والدينار، وبين الجِرْمين، فإنه ليس شيء من ذلك بمنظور إليه في التشبيه، وعلى هذا ورد تشبيه الصبح في الظلام بعَلَم أبيض على ديباج أسود في قول ابن المعتز:
والليل كالحُلَّة السوداء لاح به من الصباح طراز غير مرقوم١
فإنه تشبيه حسن مقبول، وإن كان التفاوت في المقدار بين الصبح والطراز في الامتداد والانبساط شديدا.
[ ٣ / ٤٢٢ ]