الواحد الحسي: كالحمرة، والخفاء، وطِيب الرائحة، ولذة الطعم، ولين الملمس في تشبيه الخد بالورد، والصوت الضعيف بالهمس، والنكهة بالعنبر، والريق بالخمر، والجلد الناعم بالحرير، كما سبق١.
الواحد العقلي:
والواحد العقلي: كالعَراء عن الفائدة في تشبيه وجود الشيء العديم النفع بعدمه، وجهة الإدراك في تشبيه العلم بالحياة -فيما طرفاه معقولان- والجراءة في تشبيه الرجل الشجاع بالأسد، ومطلق الاهتداء في تشبيه أصحاب النبي -ﷺ، ورضي عنهم- بالنجوم٢ فيما طرفاه محسوسان، والهداية في تشبيه العلم بالنور٣، وتحصيل ما بين الزيادة والنقصان في تشبيه العدل بالقسطاس، فيما المشبه فيه معقول والمشبه به محسوس، واستطابة النفس في تشبيه العطر بخُلُق كريم٤، وعدم الخفاء في تشبيه النجوم بالسنن٥ فيما المشبه به فيه محسوس والمشبه به معقول.
قال الشيخ صاحب المفتاح٦: "وفي أكثر هذه الأمثلة في معنى وحدتها تسامح"٧.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
المركب الحسي:
والمركب الحسي طرفاه إما مفردان: كالهيئة الحاصلة من الحمرة والشكل الكُرّي، والمقدار المخصوص في قول ذي الرمة:
وسِقْط كعين الديك عاورت صاحبي أباها وهيأنا لموقعها وكرا٧
[ ٣ / ٤٠١ ]
وكالهيئة الحاصلة من تقارن الصور البِيض المستديرة الصغار المقادير في المرأى على كيفية مخصوصة إلى مقدار مخصوص في قول أحيحة بن الجلاح، أو أبي قيس بن الأسلت:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى كعنقود مُلَّاحية حين نوَّرا١
وإما مركبان؛ كالهيئة الحاصلة من هَوِيّ أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شيء مظلم، في قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه٢
وكالهيئة الحاصلة من تفرق أجرام متلألئة مستديرة صغار المقادير في المرأى على سطح جسم أزرق صافي الزرقة في قول أبي طالب الرقي:
وكأن أجرام النجوم لوامعا٣ درر نثرن على بساط
وإما مختلفان، كما في تشبيه الشاة الجبليّ٤ بحمار أبتر مشقوق الشفة والحوافر
[ ٣ / ٤٠٢ ]
نابت على رأسه شجرتا غَضَا، وكما مر في تشبيه الشقيق والنيلوفر١.
ومن بديع هذا النوع -أعني المركب الحسي- ما يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركة، ويكون على وجهين: أحدهما: أن يقرن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم؛ كالشكل، واللون؛ كما في قوله:
والشمس كالمرآة في كف الأشل٢
من الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق والحركة السريعة المتصلة، وما يحصل من الإشراق بسبب تلك الحركة من التموج والاضطراب، حتى يُرَى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له فيرجع من الانبساط الذي بدا له إلى الانقباض، كأنه يجتمع من الجوانب إلى الوسط؛ فإن الشمس إذا أحدّ الإنسان النظر إليها ليتبين جِرْمها، وجدها مؤدية لهذه الهيئة، وكذا المرآة التي كانت في يد الأشل.
ومثله قول المهلبي الوزير:
والشمس من مشرقها قد بدت مشرقة ليس لها حاجب٣
كأنها بوتقة أحميت يجول فيها ذهب ذائب٤
فإن البوتقة إذا أُحميت وذاب فيها الذهب، تشكل بشكلها في الاستدارة، وأخذ
[ ٣ / ٤٠٣ ]
يتحرك فيها بجملته تلك الحركة العجيبة، كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها؛ لما في طبعه من النعومة، ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض؛ لما بين أجزائه من شدة الاتصال والتلاحم؛ ولذلك لا يقع فيه غليان على الصفة التي تكون في الماء ونحوه مما يتخلله الهواء. وكما في قول الصنوبري:
كأن في غدرانها حواجبا ظلت تمط١
أراد ما يبدو في صفحة الماء من أشكال كأنصاف دوائر صغار، ثم تمتد امتدادا يُنقِص من انحنائها، فينقلها من التقوس إلى الاستواء، وذلك أشبه شيء بالحواجب إذا امتدت؛ لأن للحاجب كما لا يخفى تقويسا، ومده يُنقِص من تقويسه.
والوجه الثاني: أن تُجرَّد هيئة الحركة عن كل وصف غيرها للجسم، فهناك أيضا لا بد من اختلاط حركات كثيرة للجسم إلى جهات مختلفة له؛ كأن يتحرك بعضه إلى اليمين، وبعضه إلى الشمال، وبعضه إلى العلو، وبعضه إلى السفل، فحركة الرحا والدولاب٢ والسهم لا تركيب فيها؛ لاتحاد الحركة، وحركة المصحف في قول ابن المعتز:
وكأن البرق مصحف قار فانطباقا مرة وانفتاحا٣
فيها تركيب؛ لأنه يتحرك في الحالتين إلى جهتين٤؛ في كل حالة إلى جهة.
وكلما كان التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشد، كان
[ ٣ / ٤٠٤ ]
التركيب في هيئة المتحرك أكثر.
ومن لطيف ذلك قول الأعشى١ يصف السفينة في البحر، وتقاذف الأمواج بها:
تَقِصّ السَّفِين بجانبيه كما يَنْزُو الرباح خلا له كَرْع٢
قال الشيخ عبد القاهر٣: الرباح: الفصيل، والكرع: ماء السماء؛ شبّه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه؛ فإنه يكون له حينئذ حركات متفاوتة تصير له أعضاؤه في جهات مختلفة، ويكون هناك تسفل وتصعد على غير ترتيب، وبحيث يكاد يدخل أحدهما في الآخر، فلا يتبينه الطرف مرتفعا حتى يراه متسفلا، وذلك أشبه شيء بحال السفينة وهيئة حركتها حين تتدافعها الأمواج.
ومنه قول الآخر:
حُفّت بسَرْو كالقيان تلحفت خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنها والريح جاء يُميلها تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل٤
فإن فيه تفصيلا دقيقا؛ وذلك أنه راعى الحركتين: حركة التهيؤ للدنوّ والعناق، وحركة الرجوع إلى أصل الافتراق، وأدى ما يكون في الثانية من سرعة زائدة تأدية لطيفة؛ لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع لا محالة من حركتها في حال خروجها عن مكانها من الاعتدال، وكذلك حركة من يدركه الخجل فيرتدع أسرع من حركة من يهم بالدنو؛ لأن إزعاج الخوف أقوى أبدا من
[ ٣ / ٤٠٥ ]
إزعاج الرجاء.
ومما مذهبه السهل الممتنع من هذا الضرب قول امرئ القيس:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من عَلِ١
يقول: إن هذا الفرس لفرط ما فيه من لين الرأس وسرعة الانحراف ترى كَفَله في الحال التي ترى فيها لَبَبه؛ فهو كجلمود صخر دفعه السيل من مكان عالٍ؛ فإن الحجر بطبعه يطلب جهة السفل؛ لأنها مركزه، فكيف إذا أعانته قوة دفع السيل من عل، فهو لسرعة تقلبه يرى أحد وجهيه حين يرى الآخر.
وكما يقع التركيب في هيئة الحركة قد يقع في هيئة السكون؛ فمن لطيف ذلك قول أبي الطيب في صفة الكلب:
يُقعي جلوس البدوي المصطلي٢
وإنما لطف من حيث كان لكل عضو من الكلب في إقعائه موقع خاص، وللمجموع صورة خاصة مؤلفة من تلك المواقع.
ومنه البيت الثاني من قول الآخر في صفة مصلوب:
كأنه عاشق قد مد صفحته يوم الوداع إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته مواصل لتمطيه من الكسل٣
[ ٣ / ٤٠٦ ]
والتفصيل فيه أنه شبّهه بالمتمطي إذا واصل تمطيه مع التعرض لسببه وهو اللوثة والكسل فيه، فنظر إلى هذه الجهات الثلاث١، ولو اقتصر على أنه كالمتمطي كان قريب التناول؛ لأن هذا القدر يقع في نفس الرائي للمصلوب ابتداء؛ لأنه من باب الجملة.
وشبيه بهذا القول قول الآخر:
لم أر صفا مثل صف الزُّط تسعين منهم صُلبوا في خط
من كل عالٍ جذعه بالشط كأنه في جذعه المشتط
أخو نعاس جدّ في التمطي
قد خامر النوم ولم يغط٢
والفرق بين هذا والأول٣: أن الأول صريح في الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها دون بلوغ الصفة غاية ما يمكن أن يكون عليها، والثاني بالعكس.
قال الشيخ عبد القاهر٤: وشبيه بالأول في الاستقصاء قول ابن الرومي في المصلوب أيضا:
كأن له في الجو حبلا يَبُوعه إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل٥
فقوله: "إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل" كقوله: "مواصل لتمطيه من الكسل" في التنبيه على استدامة الشبه؛ لأنه إذا كان لا يزال يبوع حبلا لم يقبض باعه، ولم يرسل يده، وفي ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتصال.
[ ٣ / ٤٠٧ ]