التشبيه: الدلالة على مشاركة أمر لآخر في معنًى١.
والمراد بالتشبيه ههنا٢ ما لم يكن على وجه الاستعارة التحقيقية، ولا الاستعارة بالكناية، ولا التجريد٣؛ فدخل فيه ما يسمى تشبيها بلا خلاف؛ وهو ما ذُكرت فيه أداة التشبيه؛ كقولنا: "زيد كالأسد"، أو "كالأسد" بحذف "زيد" لقيام قرينة، وما يسمى تشبيها -على المختار- كما سيأتي٤ وهو ما حذفت فيه أداة التشبيه وكان اسم المشبه به خبرا للمشبه، أو في حكم الخبر٥ كقولنا: "زيد أسد"، وكقوله تعالى:
[ ٣ / ٣٨٤ ]
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ١ أي: هم. ونحوه قول من يخاطب الحجَّاج:
أسد علي وفي الحروب نعامة فَتْخَاء تنفر من صفير الصافر٢
وكقولنا: "رأيت زيدا بحرا".
تأثير التشبيه:
وإذ قد عرفتَ معنى التشبيه في الاصطلاح؛ فاعلم أنه مما اتفق العقلاء على شرف قدره وفخامة أمره في فن البلاغة٣، وأن تعقيب المعاني به -لا سيما قسم التمثيل منه- يضاعف قواها في تحريك النفوس إلى المقصود بها، مدحا كانت أو ذما أو افتخارا أو غير ذلك، وإن أردت تحقيق هذا، فانظر إلى قول البحتري:
دانٍ على أيدي العفاة وشاسع عن كل ند في الندى وضَرِيب٤
كالبدر أفرط في العلو وضوءه للعصبة السارين جد قريب٥
أو قول ابن لَنْكَك:
إذا أخو الحسن أضحى فعله سَمِجا رأيت صورته من أقبح الصور٦
[ ٣ / ٣٨٥ ]
وهبه كالشمس في حسن ألم ترنا نفر منها إذا مالت إلى الضرر١
أو قول ابن الرومي:
بذل الوعد للأخلاء سمحا وأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يُورِق للعَيْـ ـن ويأبى الإثمار كل الإباء٢
أو قول أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود٣
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يُعرَف طيب عَرْف العود٤
وقوله أيضا:
وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه فاغترب يتجدد٥
فإني رأيت الشمس زِيدت محبة إلى الناس أن ليست عليهم بسَرْمَد٦
وقس حالك -وأنت في البيت الأول ولم تنتهِ إلى الثاني- على حالك وأنت قد انتهيتَ إليه ووقفتَ عليه، تعلم بُعد ما بين حالتيك في تمكن المعنى لديك، وكذا تَعَهَّدِ الفرق بين أن تقول: "الدنيا لا تدون" وتسكت وأنت تذكر عقيبه ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من في الدنيا ضيف، وما في يده عارية، والضيف مرتحل والعارية مؤداة"، أو تنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوما أن ترد الودائع٧
وبين أن تقول: "أرى قوما لهم منظر، وليس لهم مخبر" وتقطع الكلام، وأن تُتبعه نحو قول ابن لنكك:
في شجر السَّرْو منهم مَثَل له رُواء وما له ثمر٨
وانظر في جميع ذلك إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يتزايد شرفه عليه في الحالة الأولى.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
أسباب تأثير التشبيه:
ولذلك أسباب؛ منها: ما يحصل للنفس من الأُنس بإخراجها من خفي إلى جلي؛ كالانتقال مما يحصل لها بالفكرة إلى ما يُعلم بالفطرة، أو بإخراجها مما لم تألفه إلى ما ألفته. كما قيل:
ما الحُبّ إلا للحبيب الأول٣
أو مما تعلمه إلى ما هي به أعلم؛ كالانتقال من المعقول إلى المحسوس؛ فإنك قد
[ ٣ / ٣٨٧ ]
تعبر عن المعنى بعبارة تؤديه وتبالغ، نحو أن تقول وأنت تصف اليوم بالقِصَر: "يوم كأقصر ما يُتصور"، فلا يجد السامع له من الأنس ما يجده لنحو قولهم: "أيام كأباهيم القَطَا"١، وقول الشاعر:
ظللنا عند باب أبي نعيم بيوم مثل سالفة الذباب٢
وكذا تقول: "فلان إذا همّ بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره، وقصر خواطره على إمضاء عزمه فيه، ولم يشغله عنه شيء" فلا يصادف السامع له أريحية، حتى إذا قلت:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه٣
امتلأت نفسه سرورا، وأدركته هزة لا يمكن دفعها عنه. ومن الدليل على أن للإحساس من التحريك للنفس وتمكين المعنى ما ليس لغيره، أنك إذا كنت أنت
[ ٣ / ٣٨٨ ]
وصاحب لك يسعى في أمر على طرف نهر، وأنت تريد أن تقرر له أنه لا يحصل من سعيه على طائل، فأدخلت يدك في الماء ثم قلت له: "انظر: هل حصل في كفي من الماء شيء؟ فكذلك أنت في أمرك" كان لذلك ضرب من التأثير في النفس وتمكين المعنى في القلب زائد على القول المجرد.
ومنها: الاستطراف كما سيأتي١.
ومن فضائل التشبيه أنه يأتيك من الشيء الواحد بأشياء عدة٢: نحو أن يعطيك من الزند بإيرائه٣: شبه الجواد والذكي والنجح في الأمور، وبإصلاده٤: شبه البخيل والبليد والخيبة في السعي، ومن القمر: الكمال عن النقصان، كما قال أبو تمام:
لهفي على تلك الشواهد فيهما لو أُمهلت حتى تصير شمائلا٥
لغدا سكوتهما حجا وصباهما حلما وتلك الأريحية نائلا٦
ولأعقب النجم المُرِذّ بديمة ولعاد ذاك الطل جَوْدا وابلا٧
[ ٣ / ٣٨٩ ]
إن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيصير بدرا كاملا١
والنقصان عن الكمال؛ كقول أبي العلاء المعري:
وإن كنتَ تبغي العيش فابغِ توسطا فعند التناهي يقصر المتطاول٢
تُوَقَّ البدور النقص وهي أهلة ويدركها النقصان وهي كوامل٣
وتتفرع من حالتي كماله ونقصه فروع لطيفة؛ كقول ابن بابك في الأستاذ أبي علي، وقد استوزره وأبا العباس الضبي فخر الدولة بعد وفاة ابن عبّاد:
وأُعرتَ شطر المُلْك شطر كماله والبدر في شطر المسافة يكمل٤
وقول أبي بكر الخوارزمي:
أراك إذا أيسرت خيمت عندنا مقيما وإن أعسرت زرت لِماما
فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه أغَبَّ وإن زاد الضياء أقاما٥
[ ٣ / ٣٩٠ ]
المعنى لطيف وإن لم تساعده العبارة على ما يجب؛ لأن الإغباب أن يتخلل بين وقتي الحضور وقت يخلو منه، فإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نوره لم يوالِ الطلوع في كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي دون البعض، وليس الأمر كذلك؛ لأنه -على نقصانه- يطلع كل ليلة حتى تكون السِّرار.
وكذا يُنظر إلى بعده وارتفاعه، وقرب ضوئه وشعاعه، في نحو ما مضى من بيتي البحتري١ وإلى ظهوره في كل مكان، كما في قول أبي الطيب:
كالبدر من حيث التفتَّ وجدتَهُ يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا٢
إلى غير ذلك٣.
أركان التشبيه:
ثم النظر في أركان التشبيه، وهي أربعة: "طرفاه، ووجهه، وأداته"، وفي الغرض منه، وفي تقسيمه بهذه الاعتبارات.
[ ٣ / ٣٩١ ]
طرفا التشبيه:
أما طرفاه فهما إما حسيان، كما في تشبيه الخد بالورد، والقَدّ بالرمح، والفيل بالجبل في المبصرات، والصوت الضعيف بالهمس في المسموعات، والنكهة بالعنبر في المشمومات، والريق بالخمر في المذوقات، والجلد الناعم بالحرير في الملموسات١.
وإما عقليان؛ كما في تشبيه العلم بالحياة٢.
وإما مختلفان؛ والمعقول هو المشبه؛ كما في تشبيه المنية بالسبع٣، أو العكس؛ كما في تشبيه العطر بخُلُق كريم٤.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
والمراد بالحسي المدرَك -هو أو مادته- بإحدى الحواس الخمس الظاهرة؛ فدخل فيه الخيالي١ كما في قوله:
وكأن محمر الشقيـ ـق إذا تصوّب أو تصعّد
أعلام ياقوت نُشر ن على رماح من زبرجد٢
وقوله:
كلنا باسط اليد نحو نيلوفر ندي
كدبابيس عسجد قُضْبها من زبرجد٣
والمراد بـ "العقلي" ما عدا ذلك، فدخل فيه الوهمي؛ وهو ما ليس مدركا بشيء من الحواس الخمس الظاهرة، مع أنه لو أُدرك لم يدرك إلا بها٤؛ كما في قول امرئ القيس:
ومسنونة زرق كأنياب أغوال٥
وعليه قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٦، وكذا ما يُدرَك بالوجدان٧؛ كاللذة، والألم، والشبع، والجوع.
[ ٣ / ٣٩٣ ]