والمجاز ضربان: مرسل، واستعارة؛ لأن العلاقة المصححة إن كانت تشبيه معناه بما هو موضوع له فهو استعارة، وإلا فهو مرسل، وكثيرا ما تطلق الاستعارة على استعمال اسم المشبه به في المشبه١، فيسمى المشبه به مستعارا منه، والمشبه مستعارا له، واللفظ مستعارا٢، وعلى الأول لا يشتق منه؛ لكونه اسما للفظ لا للحدث٣.
المجاز المرسل وعلاقاته: علاقة السببية والمجاورة:
الضرب الأول: المرسل، وهو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه٤؛ كاليد إذا استعملت في النعمة؛ لأن من شأنها أن تصدر عن
[ ٣ / ٤٦٢ ]
الجارحة، ومنها تصل إلى المقصود بها١. ويشترط أن يكون في الكلام إشارة إلى المولي لها٢؛ فلا يقال: "اتسعت اليد في البلد"، أو"اقتنيت يدا" كما يقال: "اتسعت النعمة في البلد"، أو "اقتنيت نعمة"، وإنما يقال: "جلت يده عندي، وكثرت أياديه لدي" ونحو ذلك.
ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل: "إن له عليها إصبعا"٣. أرادوا أن يقولوا: "له عليها أثر حذق" فدلوا عليه بإصبع؛ لأنه ما من حذق في عمل يد إلا وهو مستفاد
[ ٣ / ٤٦٣ ]
من حسن تصريف الأصابع، واللطف في رفعها ووضعها، كما في الخط والنقش.
وعلى ذلك قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ١ أي: نجعلها كخف البعير، فلا يتمكن من الأعمال اللطيفة، فأرادوا بالإصبع الأثر الحسن، حيث يقصد الإشارة إلى حذق في الصنعة لا مطلقا، حتى يقال٢: "رأيت أصابع الدار، وله إصبع حسنة، وإصبع قبيحة" على معنى: له أثر حسن، وأثر قبيح، ونحو ذلك.
وينظر إلى هذا قولهم: "ضربته سوطا"؛ لأنهم عبروا عن الضربة الواقعة بالسوط باسم السوط، فجعلوا أثر السوط سوطا. وتفسيرهم له بقولهم: "المعنى ضربته ضربة بالسوط" بيان لما كان الكلام عليه في أصله.
ونظير قولنا: "له علي يد" قول النبي -ﷺ- لأزواجه: "أسرعكن لحوقا -ويروى لحاقا- بي أطولكن يدا"، وقوله: "أطولكن" نظير ترشيح الاستعارة، ولا بأس أن يسمى ترشيح المجاز، والمعنى٣: بسط اليد بالعطاء، وقيل: قوله: "أطولكن" من الطَّوْل بمعنى الفضل؛ يقال: "لفلان على فلان طَوْل" أي: فضل؛ فاليد على هذين الوجهين٤ بمعنى النعمة، ويحتمل أن يريد: أطولكن يدا بالعطاء؛ أي: أمدكن، فحذف قوله: "بالعطاء" للعلم به٥.
وكاليد أيضا إذا استعملت في القدرة؛ لأن أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وبها يكون البطش، والضرب، والقطع، والأخذ، والدفع، والوضع، والرفع، وغير ذلك من الأفعال التي تنبئ عن وجود القدرة ومكانها. وأما اليد في قول النبي ﷺ:
[ ٣ / ٤٦٤ ]
"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" فهو استعارة١، والمعنى أن مَثَلَهم مع كثرتهم في وجوب الاتفاق مثل اليد الواحدة، فكما لا يتصور أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضا، وأن تختلف بها الجهة في التصرف، كذلك سبيل المؤمنين في تعاضدهم على المشركين؛ لأن كلمة التوحيد جامعة لهم.
وكالرواية للمَزادة مع كونها للبعير الحامل لها؛ لحمله إياها٢، وكالخفض في البعير، مع كونه لمتاع البيت لحمله إياه. وكالسماء في الغيث، كقوله: "أصابتنا السماء" لكونه من جهة المظلة. وكالإكاف في قول الشاعر:
يأكلن كل ليلة إكافا٣ أي: علفا بثمن الإكاف٤.
[ ٣ / ٤٦٥ ]