ثم الاستعارة تنقسم باعتبار الطرفين، وباعتبار الجامع، وباعتبار الثلاثة، وباعتبار اللفظ، وباعتبار أمر خارج عن ذلك كله.
أقسام الاستعارة باعتبار الطرفين:
أما باعتبار الطرفين فهي قسمان؛ لأن اجتماعهما في شيء إما ممكن، أو ممتنع، واسم الأولى: وفاقية، والثانية: عنادية.
الوفاقية:
أما الوفاقية فكقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ١ في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ فإن المراد بـ "أحييناه" هديناه؛ أي: أَوَمَن كان ضالا فهديناه. والهداية والحياة لا شك
[ ٣ / ٤٨٩ ]
في جواز اجتماعهما في شيء١.
العنادية:
وأما العنادية: فمنها ما كان وضع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة وإن كانت موجودة؛ لخلوها مما هو ثمرتها والمقصود منها، وما إذا خلت منه لم تستحق الشرف؛ كاستعارة اسم المعدوم للموجود، إذا لم تحصل منه فائدة من الفوائد المطلوبة من مثله، فيكون مشاركا للمعدوم في ذلك٢، أو اسم الموجود للمعدوم إذا كانت الآثار المطلوبة من مثله موجودة حال عدمه، فيكون مشاركا للموجود في ذلك، أو اسم الميت للحي الجاهل؛ لأنه عدم فائدة الحياة والمقصود بها؛ أعني العلم، فيكون مشاركا للميت في ذلك؛ ولذلك جُعل النوم موتا؛ لأن النائم لا يشعر بما بحضرته، كما لا يشعر الميت، أو للحي العاجز؛ لأن العجز كالجهل يحط من قدر الحي٣.
ثم الضدان إن كانا قابلين للشدة والضعف كان استعارة اسم الأشد للأضعف أولى٤، وكل من كان أقل علما وأضعف قوة كان أولى بأن يستعار له اسم الميت،
[ ٣ / ٤٩٠ ]
ولما كان الإدراك أقدم من العقل في كونه خاصة للحيوان؛ كان الأقل علما أولى باسم الميت أو الجماد من الأقل قوة.
وكذا في جانب الأشد؛ فكل من كان أكثر علما كان أولى بأن يقال له: إنه حي، وكذا من كان أشرف علما، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ١ فإن العلم بوحدة الله تعالى وما أنزله على نبيه -ﷺ- أشرف العلوم.
العنادية التهكمية والتمليحية:
ومنها ما استعمل في ضد معناه أو نقيضه؛ بتنزيل التضاد أو التناقض٢ منزلة التناسب، بواسطة تهكم أو تمليح٣ على ما سبق في التشبيه؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤.
ويُخَص هذا النوع باسم "التهكمية" أو "التمليحية"٥.
[ ٣ / ٤٩١ ]