حال الفعل مع المفعول كحاله مع الفاعل٢؛ فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه، لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا عدّيته إلى المفعول كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه، لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم التباسه بهما؛ فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. أما إذا أُريد الإخبار بوقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعلم ممن وقع في نفسه٣ أو على من وقع، فالعبارة عنه أن يقال: كان ضرب، أو وقع ضرب، أو وُجد، أو نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد.
أغراض حذف المفعول به: وإذا تقرر هذا فنقول:
الفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله ولم يُذكَر له مفعول فهو على ضربين:
_________________
(١) ١ يُلحق بالفعل ما في معناه؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول، ونحوهما. ٢ يريد بهذا أن يمهد للكلام على المفعول به. وقد ذكر في هذا الباب ثلاثة أحوال لمتعلقات الفعل: أولها حذف المفعول به، ومثله في ذلك باقي المتعلقات من المفعولات والحال والتمييز وغيرها، وثانيها تقديم المفعول ونحوه من المتعلقات على الفعل، وثالثها تقديم بعض معمولات الفعل على بعض. وقد ترك الكلام على غير هذه الأحوال الثلاثة اكتفاء بما ذكره في التنبيه الواقع في آخر القول في أحوال المسند؛ فقد ذكروا فيه أن أمرها يجري في غير المسند إليه والمسند كما يجري فيهما. ٣ لا داعي إلى لفظ "في نفسه" هنا؛ ولهذا حذفها السعد في شرحه على التلخيص.
[ ١ / ١٩٦ ]
الأول: أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل على الإطلاق، أو نفيه عنه كذلك، وقولنا: "على الإطلاق" أي: من غير اعتبار عمومه وخصوصه، ولا اعتبار تعلقه بمن وقع عليه، فيكون المتعدي حينئذ بمنزلة اللازم، فلا يُذكر له مفعول؛ لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار به باعتبار تعلقه بالمفعول١، ولا يقدر أيضا؛ لأن المقدر في حكم المذكور٢.
وهذا الضرب قسمان٣؛ لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا كناية٤ عن الفعل، متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه قرينة، أو لا٥.
الثاني٦: كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أي: من يحدث له معنى العلم ومن لا يحدث.
قال السكاكي٧: ثم إذا كان المقام خطابيا لا استدلاليا٨ أفاد العموم في أفراد
_________________
(١) ١ مع أنه في هذا الضرب يقصد إثباته في نفسه من غير اعتبار تعلقه بمفعول، ولكل منهما مقام خاص به، فإذا قيل: فلان يعطي؛ كان هذا لمن يجهل إعطاءه، وإذا قيل: فلان يعطي الدنانير، كان هذا لمن يعلم إعطاءه ويجهل أنه يعطي الدنانير. ٢ قيل: إنه في هذه الحالة لا يسمى المفعول محذوفا، ولكن هذه نظرة نحوية، أما هنا فيعد محذوفا، ويبحث عن نكتته، بدليل أنه لا يبحث عن مثل هذا في اللازم. ٣ جرى عبد القاهر على حصر هذا الضرب في القسم الثاني، وجعل القسم الأول من الضرب الثاني الآتي؛ لأن له عنده مفعولا مقصودا محذوفا لدلالة الحال ونحوه عليه، ولا يؤثر في ذلك محاولة المتكلم أن ينسيه نفسه لغرض من الأغراض الآتية، فلا يرى عبد القاهر فيه من الكناية ما يراه الخطيب، كما يأتي. ٤ الكناية في هذا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم على سبيل الادعاء؛ لأن المقيد لا يكون لازما للمطلق إلا على هذا التقدير. ٥ يعني أو لا يجعل الفعل كذلك. ٦ أي: القسم الثاني من الضرب الأول، وهو الذي لا يجعل الفعل فيه مطلقا كناية عن الفعل، متعلقا بمفعول مخصوص. ٧ المفتاح ص١١٦ و١٢٣. ٨ المقام الخطابي هو الذي يكتفي بالظن؛ كالمدح والفخر ونحوهما، والاستدلالي هو الذي يطلب فيه اليقين.
[ ١ / ١٩٧ ]
الفعل بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون فرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما تحكّم، ثم جعل قولهم في المبالغة: "فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع" محتملا لذلك١، ولتعميم المفعول٢ كما سيأتي.
وعده الشيخ عبد القاهر٣ مما يفيد أصل المعنى على الإطلاق من غير إشعار بشيء من ذلك٤.
والأول٥ كقول البحتري يمدح المعتز ويعرّض بالمستعين بالله "من الخفيف":
شجو حساده وغيظ عِدَاه أن يرى مبصر ويسمع واعي٦
أي: أن يكون ذا رؤية وذا سمع، يقول: محاسن الممدوح وآثاره لم تخف على من له بصر؛ لكثرتها واشتهارها، ويكفي في معرفة أنها سبب لاستحقاقه الإمامة دون غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع؛ لظهور دلالتها على ذلك لكل أحد، فحسّاده وأعداؤه يتمنون ألا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يسمع بها كي يخفى استحقاقه للإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها. فجعل كما ترى مطلق الرؤية كناية عن رؤية محاسنه وآثاره، ومطلق السماع كناية عن سماع
_________________
(١) ١ أي: لتعميم أفراد الفعل، فيكون المعنى: يفعل كل إعطاء وكل منع وكل صلة وكل قطع. ٢ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] من الضرب الثاني، أي: كل أحد، فيكون المعنى عليه في ذلك: يعطي كل أحد إلخ. ٣ دلائل الإعجاز ص١٠١، ١٠٢. ٤ أي: من شمول أفراد الفعل أو المفعول، وهذا هو المختار؛ لأنه المفهوم فيما بين الناس، وما ذكره السكاكي تكلف لا وجه له. ٥ أي: القسم الأول من الضرب الأول، وهو الذي يُجعل الفعل فيه مطلقا، كناية عن الفعل، متعلقا بمفعول مخصوص. ٦ هو للوليد بن عبيد المعروف بالبحتري، والشجو: الحزن، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل ليصح حمل الخبر عليه.
[ ١ / ١٩٨ ]
أخباره١. وكقول عمرو بن معديكرب "من الطويل":
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرّت٢
لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسن عن النطق بمدحهم والافتخار بهم؛ حتى يلزم منه بطريق الكناية مطلوبه وهو أنها أجرّته٣.
وكقول طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب "من الطويل":
جزى الله عنا جعفرا حين أُزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
أبوا أن يَمَلونا ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى حجرات أدفأت وأظلت٤
فإن الأصل: "لملتنا، وأدفأتنا، وأظلتنا" إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ليدل على مطلوبه بطريق الكناية٥. فإن قلت: لا شك أن قوله: "ألجئوا" أصله: "ألجئونا" فلأي معنى حُذف المفعول منه؟ قلت: الظاهر أن حذفه لمجرد الاختصار؛
_________________
(١) ١ هذا بادعاء الملازمة بينهما كما سبق، وفائدة ذلك الإشارة إلى شهرة محاسنه مبالغة في مدحه، ومثل هذا يفوت بالتصريح بالمفعول وترك الكناية بذلك عنه، وعلى مذهب عبد القاهر في هذا القسم لا يكون في البيت كناية، وإنما يكون قصده من أول الأمر أن يرى مبصر محاسنه، ولكنه حذفها ادعاء لشهرتها، وأن رؤية القصر لا تقع إلى عليها، وهو معنى حسن أيضا. ٢ قوله: "أجرت" من الإجرار، وهو في الأصل شق لسان الفصيل لئلا يرضع، والمراد أنها حبست لسانه عن مدحهم على سبيل الاستعارة، وإنما حبست لسانه عن مدحهم؛ لأنها لم تبل في الحرب بلاء حسنا. ٣ قال عبد القاهر في بيان معناه على مذهبه: إنه يقصد أجرتني، ولكنه حذف المفعول لتتوافر العناية على إثبات الفعل للفاعل، ويوهم أن إجرارها كان عاما له ولغيره. ٤ هي لطفيل بن عوف الغنوي يمدح بني جعفر، وقوله: "أزلقت" بمعنى زلت ولم تثبت، وعلى هذا يتحد معناه ومعنى قوله: فزلت. ويجوز أن يكون المراد زلق ما تحتها، فيتغايران، وكلاهما كناية عن سوء حالهم. ٥ جعل عبد القاهر حذف المفعول في ذلك؛ لتتوفر الغاية على إثبات الفعل للفاعل.
[ ١ / ١٩٩ ]
لأن حكمه حكم ما عُطف عليه، وهو قوله: "خلطونا"١.
الضرب الثاني٢: أن يكون الغرض إفادة تعلقه بمفعول، فيجب تقديره بحسب القرائن٣.
ثم حذفه من اللفظ: إما للبيان بعد الإبهام، كما في فعل المشيئة إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله غرابة٤ كقولك: لو شئت جئت، أو لم أجئ؛ أي: لو شئت المجيء أو عدم المجيء؛ فإنك متى قلت "لو شئت" علم السامع أنك علقتَ المشيئة بشيء، فيقع في نفسه أن هنا شيئا تعلقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: "جئت أو لم أجئ" عرف ذلك الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] . وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الأنعام: ٣٩] وقول طرفة "من الطويل":
فإن شئت لم تُرقِل، وإن شئت أرقلت مخافة ملوي من القِدّ محصد٥
وقول البحتري "من الكامل":
لو شئت عدت بلاد نجد عودة فحللت بين عقيقه وزَرُوده٦
_________________
(١) ١ جعله عبد القاهر مثل الحذف في "وأدفأت وأظلت"، وما ذهب إليه الخطيب أقوى وأدق. ٢ أي: من الفعل المتعدي الذي لم يُذكر له مفعول. ٣ يشير بهذا إلى أن حذف المفعول لا بد فيه من قرينة تدل عليه. ٤ مثله فعل الإرادة والمحبة ونحوهما، نحو: "لو أحب لأعطاكم". ولا يلزم أن يكون شرطا كما ذكر في هذه الأمثلة، ومن مجيئه غير شرط قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولكن الظاهر أن الحذف في الآية ليس للبيان بعد الإبهام. ٥ هو لعمرو بن العبد المعروف بطرفة. وقوله: لم ترقل بمعنى: لم تسرع، والضمير لناقته، والملوي: السوط المفتول، والقد: الجلد المشقوق، والمحصد: المفتول المحكَم. ٦ هو للوليد بن عبيد المعروف بالبحتري، وقوله: عدت بلاد نجد بمعنى عدت إليها، وعقيق نجد وزروده: موضعان به. وخطابه للسحاب الوارد في قوله قبل هذا البيت في مطلع القصيدة: يا عارضا متلفعا ببروده يختال بين بروقه ورعوده
[ ١ / ٢٠٠ ]
وقوله "من الكامل":
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم كرما ولم تهدم مآثر خالد١
فإن كان في تعلق الفعل به غرابة ذكرت المفعول لتقرره في نفس السامع وتؤنسه به، يقول الرجل يخبر عن عزه: لو شئت أن أرد على الأمير رددت، وإن شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيته. وعليه قول الشاعر "من الطويل":
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع٢
فأما قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري أحد شعراء الصاحب ابن عباد "من الطويل":
فلم يبق مني الشوق غير تفكري فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا
فليس منه؛ لأنه لم يرد أن يقول: فلو شئت أن أبكي تفكرا بكيت تفكرا، ولكنه أراد أن يقول: أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، حتى لو شئت البكاء فمريت جفوني، وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج منها بدل الدمع التفكر؛ فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي، وفي الثاني غير الحقيقي، فالثاني لا يصلح لأن يكون تفسيرا للأول٣.
وإما لدفع أن يتوهم السامع في أول الأمر إرادة شيء غير المراد؛ كقول البحتري:
وكم ذدت عني من تحامل حادث وسَوْرة أيام حَزَزْن إلى العظم٤
_________________
(١) ١ هو للبحتري أيضا. والمراد بحاتم: حاتم الطائي، وبخالد: خالد بن إصبع النبهاني الذي نزل عليه امرؤ القيس الشاعر. ٢ هو لأبي يعقوب إسحاق بن حسان الخريمي "بالراء" في رثاء أبي الهيذام عامر بن عمارة الخريمي كما في "البيان والتبيين" و"نهاية الأرب"، وهو من قصيدة له مطلعها "من الكامل": قضى وطرا منك الحبيب المودع وحل الذي لا يستطاع فيدفع والشاهد في قوله: "لو شئت أن أبكي دما"؛ لأن بكاء الدم غريب. ٣ لهذا ذكر الأول ولم يحذف. ٤ هو للوليد بن عبيد المعروف بالبحتري يمدح أبا الصقر الشيباني. وقوله ذدت: بمعنى دفعت، وكم: خبرية في موضع نصب مفعول به مقدم، ومميزها "من تحامل حادث". وقيل: إن التقدير كم مرة، فتكون "من" زائدة في الإثبات على قول بعض النحاة، والسورة: الشدة والصولة.
[ ١ / ٢٠١ ]
إذ لو قال: "حززن اللحم" لجاز أن يتوهم السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم ولم ينته إلى العظم، فترك ذكر اللحم ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم١.
وإما لأنه أريد ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه؛ إظهارا لكمال العناية بوقوعه عليه٢؛ كقول البحتري أيضا "من المنسرح":
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ دد والمجد والمكارم مِثْلا٣
أي: قد طلبنا لك مثلا في السؤدد والمجد والمكارم، فحذف المثل؛ إذ كان غرضه أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل٤، ولأجل هذا المعنى بعينه عكس ذو الرمة في قوله "من الوافر":
ولم أمدح لأرضيه بشعري لئيما أن يكون أصاب مالا٥
فإنه أعمل الفعل الأول الذي هو "أمدح" في لفظ اللئيم، والثاني الذي هو "أرضي" في ضميره؛ إذ كان غرضه إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا دون
_________________
(١) ١ لا شك أنه يمكن تأدية هذا الغرض بتأخير المفعول، بأن يقول: حززن إلى العظم اللحم، ولكن تأخير المفعول لا يجعل لذكره فائدة. ٢ هذه نكتة الإتيان بصريح اسم المفعول ثانيا، وأما نكتة حذفه أولا فهي لزوم التكرار مع ذكره ثانيا. ٣ المثل: الشبيه والنظير، والبيت من قصيدة له في مدح المعتز. ٤ إنما كان هذا غرضه؛ لأنه آكَد في كمال المدح، ولو عكس فصرح أولا وأضمر ثانيا لفات هذا الغرض؛ لأنه قد يتوهم عود الضمير على غيره. ٥ هو لغيلان بن عقبة المعروف بذي الرمة يمدح بلال بن أبي بردة، وبعده "من الوافر": ولكن الكرام لهم ثنائي فلا أجزي إلى ما قيل قالا والضمير في قوله: "لأرضيه" يعود إلى "لئيما"، وقوله: "أن يكون" في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المحذوفة.
[ ١ / ٢٠٢ ]
الإرضاء. ويجوز أن يكون سبب الحذف في بيت البحتري قصد المبالغة في التأدب مع الممدوح، بترك مواجهته بالتصريح بما يدل على تجويز أن يكون له مثل؛ فإن العاقل لا يطلب إلا ما يجوز وجوده١.
وإما للقصد إلى التعميم٢ في المفعول، والامتناع عن أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره، مع الاختصار، كما تقول: "قد كان منك ما يؤلم" أي: ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان٣، وعليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] أي: يدعو كل أحد٤.
وإما للرعاية على الفاصلة٥ كقوله ﷾: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١، ٣] أي: وما قلاك٦.
وإما لاستهجان ذكره، كما روي عن عائشة -﵂- أنها قالت:
"ما رأيت منه، ولا رأى مني"٧ تعني: العورة.
وإما لمجرد الاختصار؛ كقولك: "أصغيت إليه" أي: أُذُني، "وأغضيت عليه" أي: بَصَري. ومنه قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: ذاتك. وقوله تعالى:
_________________
(١) ١ يجوز أيضا أن يكون الحذف فيه لقصد البيان بعد الإبهام. ٢ التعميم يؤخذ في الحقيقة من قرينة المقام، ولا يؤخذ من الحذف؛ لوجوده مع الذكر، ولكن الحذف له فيه تأثير في الجملة؛ لأن تقدير مفعول خاصٍ فيه دون آخر ترجيحٌ بلا مرجح، وبهذا يحمل على العموم، وهذا إلى ما فيه من الاختصار كما ذكره بعد. ٣ بقرينة أن المقام مقام مبالغة. ٤ الآية تفيد العموم تحقيقا، والمثال يفيده مبالغة. ٥ لا يخفى أن رعاية الفاصلة يُقصد لمحسن بديعي فيكون مطلوبا من أجله، ويقدر في البلاغة بقدره. ٦ سيأتي أنه حذف أيضا لصونه عن نسبة ﴿قَلَى﴾ إليه، وهذا إلى أن ذكره في ﴿وَدَّعَكَ﴾ يغني عن ذكره في ﴿قَلَى﴾ فلا يكون حذفه لمجرد ذلك المحسن البديعي. ٧ هو من قولها: "كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد، فما رأيت منه ولا رأى مني".
[ ١ / ٢٠٣ ]
﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] أي: بعثه الله. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] أي: إنه لا يماثل، "تعلمون" أو ما بينه وبينها من التفاوت، أو أنها لا تفعل كفعله، كقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ [الروم: ٤٠] ويحتمل أن يكون المقصود نفس الفعل من غير تعميم، أي: وأنتم من أهل العلم والمعرفة٢. ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم -من جعل الأصنام لله أندادا- غاية الجهل.
ومما عد السكاكي٣ الحذف فيه لمجرد الاختصار قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا﴾ ٤ [القصص: ٢٣، ٢٤] والأولى أن يجعل لإثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق كما مر٥، وهو ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: تُرك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، ألا ترى أنه رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلا؟ وكذلك قولهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ المقصود منه السقي لا المسقيّ.
واعلم أنه قد يشتبه الحال في أمر الحذف وعدمه لعدم تحصل معنى الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
_________________
(١) ١ والكاف للتنظير للوجه الأخير، وهو أنها لا تفعل كفعله. ٢ فيكون من القسم الثاني من الضرب الأول. ٣ المفتاح ص١٣٣. ٤ ومحل الشاهد فيه: "يسقون، تذودان، نسقي". ٥ فيكون من القسم الثاني من الضرب الأول، وجعله عبد القاهر مما قصد فيه إلى مفعول خاص ثم حُذف لتتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل.
[ ١ / ٢٠٤ ]
[الإسراء: ١١٠] فإنه يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء، فلا يقدّر في الكلام محذوف، وليس بمعناه؛ لأنه لو كان بمعناه لزم إما الإشراك أو عطف الشيء على نفسه؛ لأنه إن كان مسمى أحدهما غير مسمى الآخر لزم الأول، وإن كان مسماهما واحدا لزم الثاني، وكلاهما باطل، تعالى كلام الله ﷿ عن ذلك؛ فالدعاء في الآية بمعنى التسمية التي تتعدى إلى مفعولين، أي: سموه الله أو الرحمن أيا ما تسموه فله الأسماء الحسنى١ كما يقال: "فلان يدعى الأمير" أي: يسمى الأمير. وكما في قراءة من قرأ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] ٢ بغير تنوين، على القول بأن سقوط التنوين لكون الابن صفة واقعة بين علمين، كما في قولنا: "زيد بن عمرو قائم" فإنه قد يُظن أن فعل القول فيه لحكاية الجملة كما هو أصله٣. فقيل: تقدير الكلام: "عزير ابن الله معبودنا"، وهذا باطل؛ لأن التصديق والتكذيب إنما ينصرفان إلى الإسناد لا إلى وصف ما يقع في الكلام موصوفا بصفة، كما إذا حكيت عن إنسان أنه قال: "زيد بن عمرو سيد" ثم كذبته فيه، ولم يكن تكذيبك أن يكون زيدٌ ابنَ عمرو، ولكن أن يكون زيد سيدا، فلو كان التقدير ما ذكره، لكان الإنكار راجعا إلى أنه معبودهم، وفيه تقرير أن عزيرا ابن الله، تعالى الله عن ذلك، فالقول في الآية بمعنى الذكر٤؛ لأن الغرض الدلالة على أن اليهود قد بلغوا في الرسوخ في الجهل والشرك إلى أنهم كانوا يذكرون عزيرا هذا الذكر، كما تقول في قوم تريد أن تصفهم بالغلو في أمر صاحبهم وتعظيمه: "إني أراهم قد اعتقدوا أمرا عظيما؛ فهم يقولون أبدا: زيد الأمير" تريد أنه كذلك يكون
_________________
(١) ١ الحذف فيه لمجرد الاختصار. ٢ وهذا من باب التنظير في اشتباه الحال في أمر الحذف وعدمه؛ لأن ما هنا ليس من حذف المفعول به. ٣ أي: كما هو الأصل في القول؛ لأن الأصل فيه أن يكون لحكاية الجملة. ٤ أي: على قراءة "ابن" بغير تنوين، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف في ذلك ليكون جملة.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ذكرهم له إذا ذكروه.
واعلم أن لحذف التنوين من "عزير" في الآية وجهين١:
أحدهما: أن يكون لمنعه من الصرف لعُجمته وتعريفه كعازَرَ٢.
والثاني: أن يكون لالتقاء الساكنين؛ كقراءة من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] بحذف التنوين من ﴿أَحَدٌ﴾، وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] بحذف التنوين من "سابق" ونصب "النهار" فقيل له: وما تريد؟ فقال: "سابقٌ النهارَ". فالمعنى على هذين الوجهين كالمعنى على إثبات التنوين، فعزير مبتدأ "وابن الله خبره"، و"قال" على أصله٣، والله أعلم.
_________________
(١) ١ أي: غير الوجه السابق، وهو أن حذف تنوينه لكون الابن صفة واقعة بين عَلَمين، فيحذف تنوين العلم قبله، فتكون الوجوه في ذلك ثلاثة. ٢ من يصرف "عزيرا" مع عجمته وتعريفه يرى أن خفته عارضت ذلك فصرفته. ٣ من الدخول على الجملة، ولا حاجة إلى تأويله بمعنى الذكر، كما أُوِّل به في الوجه السابق الذي جُعل فيه الابن صفة لا خبرا. هذا، وقد يكون حذف المفعول لأغراض أخرى: منها إخفاؤه خوفا عليه، ومنها تعينه حقيقة أو ادعاء، ومنها صونه عن اللسان، أو صون اللسان عنه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]: إنه يجوز أن يكون حذف مفعول "قلى" لصونه -ﷺ- عن التصريح بتعلقه به وإن كان على جهة النفي، وهذا بخلاف "ودعك" لأنه يدل على الترك فقط، ولا يدل على البغض كما يدل عليه "قلى"، وقد تقول: "نحمد ونشكر" أي: الله، فتحذفه لتعينه، وتقول: "لعن الله وأخزى" أي: الشيطان، فتحذفه لصون لسانك عنه.
[ ١ / ٢٠٦ ]
تمرينات على الذكر والحذف:
تمرين١:
١- لماذا حُذف المفعول في قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢]؟
٢- من أي ضربَيْ حذف المفعول قول الشاعر:
بَرِّدْ حشاي إن استطعت بلفظة فلقد تضر إذا تشاء وتنفع؟
تمرين٢:
١- لماذا ذُكر الحال في قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]؟
٢- من أي ضربي حذف المفعول حذفه أولا، وثانيا في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]؟
تمرين٣:
١- لماذا ذكر المفعول المطلق في قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]؟
٢- لماذا حذف وصف المضاف إلى المفعول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]؟
٣- لماذا حذف المفعول في قول الشاعر:
إذا بعدت أبلت وإن قرُبت شَفَت فهجرانها يُبلي ولُقيانها يَشفي؟
تمرين٤:
١- من أي ضربي حذف المفعول حذفه في قول الشاعر:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع؟
٢- لماذا حذف المفعول في قول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يُفقر والإقدام قتال؟
[ ١ / ٢٠٧ ]
أغراض تقديم المتعلقات:
أغراض تقديم المتعلقات على الفعل: وأما تقديم مفعوله ونحوه١ عليه؛ فلرد الخطأ في التعيين٢، كقولك: "زيدًا عرفتُ" لمن اعتقد أنك عرفتَ إنسانا وأنه غير زيد، وأصاب في الأول دون الثاني، وتقول لتأكيده وتقريره: "زيدا عرفت لا غيره"؛ ولذلك لا يصح أن يقال: "ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس"؛ لتناقض دلالتي الأول والثاني٣، ولا أن تُعقب الفعل المنفي بإثبات ضده، كقولك: "ما زيدا ضربت ولكن أكرمته"؛ لأن مبنى الكلام ليس على أن الخطأ في الضرب فتردّه إلى الصواب في الإكرام، وإنما هو على أن الخطأ في المضروب حين اعتُقد أنه زيد، فرده إلى الصواب أن تقول: ولكن عمرا٤.
وأما نحو قولك: "زيدا عرفته"٥ فإن قُدر المفسَّر المحذوف قبل المنصوب؛ أي: عرفت زيدا عرفته، فهو من باب التوكيد؛ أعني تكرير اللفظ، وإن قدر بعده، أي: "زيدا عرفت عرفته" أفاد التخصيص. وأما٦ نحو قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾
_________________
(١) ١ أي: نحوه من كل متعلقات الفعل التي يجوز تقديمها عليه، وذلك كالظرف، والجار والمجرور، والحال، ونحوها. ٢ أو في اعتقاد الشركة، وذلك كقولك: "زيدا عرفتُ وحده" كما سبق في تقديم المسند إليه. ٣ يريد بالأول "ما زيدا ضربت"، وبالثاني "ولا أحدا من الناس"؛ لأن الثاني يناقض ما يفيده الأول من ضرب غير زيد من الناس، وإنما لا يصح أن يقال إذا كان التقديم للتخصيص لا لمجرد الاهتمام. ٤ هذا أيضا على أن التقديم للتخصيص، لا لمجرد الاهتمام. ٥ نحوه كل ما يكون التقديم فيه من باب الاشتغال، وقد ذهب الزمخشري إلى أن التقديم فيه للتخصيص مطلقا، وإني أرى أنه لا يفيد إلا التوكيد؛ لأنه يفيد التخصيص من غير الاشتغال، فالعدول إليه لا يكون إلا لغرض غير التخصيص، ولأنه يجب تقدير الفعل قبل الاسم الظاهر ليوافق مفسِّره في تقدمه على الضمير. ٦ يريد بهذا تقييد ما ذكره من حكم التقديم في الاشتغال.
[ ١ / ٢٠٨ ]
[فصلت: ١٧] فيمن قرأ بالنصب١ فلا يفيد إلا التخصيص؛ لامتناع تقدير: أما فهدينا ثمود٢.
وكذلك إذا قلت: "بزيد مررت" أفاد أن سامعك كان يعتقد مرورك بغير زيد، فأزلت عنه الخطأ مخصصا مرورك بزيد دون غيره٣.
والتخصيص في غالب الأمر لازم للتقديم؛ ولذلك يقال في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]: معناه نخصك بالعبادة، لا نعبد غيرك، ونخصك بالاستعانة، لا نستعين غيرك، وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]: معناه إن كنتم تخصونه بالعبادة، وفي قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: أخرت صلة الشهادة في الأول وقدمت في الثاني؛ لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الثاني اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم، وفي قوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]: معناه إليه لا إلى غيره، ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]: معناه لجميع الناس من العرب والعجم؛ على أن التعريف للاستغراق، لا لبعضهم المعين على أنه للعهد؛ أي: للعرب، ولا لمسمى الناس على أنه للجنس؛ لئلا يلزم من الأول٤
_________________
(١) ١ يعني: نصب "ثمود". ٢ لوجوب الفصل بين "أما" والفاء، وإنما التقدير: أما ثمود فهدينا هديناهم، وقد يقال: إن هذا إنما يقتضي امتناع ذكره لامتناع تقديره؛ لأن كثيرا مما يقدر يمتنع ذكره ولا يمنع تقديره؛ كالضمير المستتر وجوبا ونحوه. والحق أن التقدير في ذلك لإصلاح اللفظ لا للتخصيص؛ لأن غير ثمود مثلها في ذلك الحكم. ٣ مثل تقديم الجار والمجرور في ذلك تقديم غيره، كقولك: يوم الجمعة سرت، وتأديبا ضربت، وماشيا حججت. ومن تقديم الجار والمجرور للتخصيص قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠] . ٤ كونه للعهد.
[ ١ / ٢٠٩ ]
اختصاصه بالعرب دون العجم؛ لانحصار الناس في الصنفين، ومن الثاني١ اختصاصه بالإنس دون الجن؛ لانحصار من يُتصوّر الإرسال إليهم من أهل الأرض فيهما. وعلى تقدير الاستغراق لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن التقديم لما كان مفيدا لثبوت الحكم للمقدَّم ونفيه عما يقابله؛ كان تقديم "للناس" على "رسولا" مفيدا لنفي كونه رسولا لبعضهم خاصة٢؛ لأنه هو المقابل لجميع الناس، لا لبعضهم مطلقا ولا لغير جنس الناس٣.
وكذلك يُذْهَب في معنى قوله تعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] إلى أنه تعريض بأن الآخرة التي عليها أهل الكتاب فيما يقولون: "إنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وإنه لا تمسهم النار فيها إلا أياما معدودات، وإن أهل الجنة لا يتلذذون في الجنة إلا بالنسيم والأرواح العَبِقة والسماع اللذيذ"٤ ليست الآخرة٥ وإيقانهم بمثلها ليس من الإيقان بالتي هي الآخرة عند الله في شيء، أي: بالآخرة يوقنون لا بغيرها كأهل الكتاب.
ويفيد التقديم في جميع ذلك -وراء التخصيص- اهتماما بشأن المقدم؛ ولهذا قدر المحذوف في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ مؤخرا، وأورد قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فإن الفعل فيه مقدم، وأجيب بأن تقديم الفعل هناك٦ أهم؛ لأنها أول سورة نزلت. وأجاب السكاكي٧ بأن ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ "اقرأ" الثاني٨، ومعنى الأول: افعل القراءة وأوجِدها، على نحو ما تقدم في قولهم: "فلان يعطي ويمنع"، يعني: إذا لم يُحمَل على العموم٩، وهو بعيد١٠.
_________________
(١) ١ كونه للجنس. ٢ يعني قومه من العرب؛ لأنهم هم الذين يتوهم أنه أُرسل إليهم دون غيرهم. ٣ لأن كلا منهما لا يقابل جميع الناس، وإنما يقابل الأول تعريف العهد، ويقابل الثاني تعريف الجنس. هذا، ويجوز أن يكون "للناس" متعلقا بقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ فلا يكون فيه تقديم، ولا تتعين اللام فيه للاستغراق وإن كان هو الظاهر. ٤ لأنهم ينكرون أن تكون فيها لذائذ جسمانية. ٥ جملة "ليس" واسمها وخبرها خبر "أن" في قوله: "بأن الآخرة إلخ". ٦ أي: في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ . ٧ المفتاح ص١٢٧. ٨ في قوله بعده: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ . ٩ أي: العموم في المفعول؛ فإن السكاكي يجعله محتملا للعموم في المفعول، وللعموم في أفراد الفعل، وعلى هذا يكون "اقرأ" الأول منزلا منزلة اللازم. ١٠ لأنه خلاف ظاهر نظم الآيتين؛ لبعد ما بين "اقرأ" الثاني والجار والمجرور الذي يراد تعليقه به. هذا، وقد يأتي التقديم لأغراض أخرى: منها مجرد الاهتمام، وقصد التبرك، والالتذاذ، وموافقة كلام السامع، ونحو ذلك، كقولك: "العلم طلبت، ومحمدا اتبعت، وليلى أحببت" ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ٨٤] .
[ ١ / ٢١٠ ]
أغراض تقديم بعض المعمولات على بعض:
وأما تقديم بعض معمولاته على بعض فهو:
إما لأن أصله التقديم ولا مقتضي للعدول عنه١؛ كتقديم الفاعل على المفعول٢ نحو: "ضرب زيد عمرا"، وتقديم المفعول الأول على الثاني، نحو: "أعطيت زيدا درهما".
وإما لأن ذكره أهم، والعناية به أتم٣.
_________________
(١) ١ قد سبق أن مثل هذا لا يصح أن يعد في وجوه البلاغة؛ لأن الكلام معه لا يفيد معنى ثانويا يعتد به. ٢ تقديم الفاعل على المفعول لا يدخل في تقديم المعمولات؛ فذكره هنا استطراد، ولبيان اختلاف الغرض عند تقديم كل منهما على الآخر. ٣ لا بد أن يكون هذا لغرض من الأغراض كما سيأتي في الأمثلة؛ لأن لا يكفي -كما ذكر عبد القاهر- أن يقال: قُدّم للعناية من غير معرفة وجهها.
[ ١ / ٢١١ ]
فيقدم المفعول على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه، لا وقوعه ممن وقع منه؛ كما إذا خرج رجل على السلطان وعاث في البلاد وكثر منه الأذى، فقُتل، وأردت أن تخبر بقتله، فتقول: "قَتَلَ الخارجيَّ فلانٌ" بتقديم "الخارجي"؛ إذ ليس للناس فائدة في أن يعرفوا قاتله، وإنما الذي يريدون علمه هو وقوع القتل به ليخلُصوا من شره.
ويقدم الفاعل على المفعول: إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه، لا وقوعه على من وقع عليه، كما إذا كان رجل ليس له بأس ولا يُقدّر فيه أن يَقتل، فقتل رجلا، وأردت أن تخبر بذلك، فتقول "قتل فلان رجلا" بتقديم القاتل؛ لأن الذي يعني الناس من شأن هذا القتل ندوره وبعده من الظن، ومعلوم أنه لم يكن نادرا ولا بعيدا من حيث كان واقعا على من وقع عليه، بل من حيث كان واقعا ممن وقع منه.
وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، قدم المخاطبين١ في الأولى دون الثانية؛ لأن الخطاب في الأولى للفقراء، بدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾، فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء بدليل قوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾؛ فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع؛ فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم؛ لأن حاصل، فكان٢ أهم؛ فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
وإما لأن في التأخير إخلالا ببيان المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ
_________________
(١) ١ يعني غيرهم في قوله: ﴿نَرْزُقُكُمْ﴾ في الأولى، وقوله: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ في الثانية. ٢ أي: رزق أولادهم.
[ ١ / ٢١٢ ]
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] فإنه لو أخّر ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عن ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ لتُوهم أن ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يَكْتُمُ﴾، فلم يفهم أن الرجل من آل فرعون١.
أو التناسب، كرعاية الفاصلة، نحو: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ٢.
وإما لاعتبار آخر مناسب٣.
وقسم السكاكي٤ التقديم للعناية -مطلقا٥- قسمين:
أحدهما: أن يكون أصل ما قدم في الكلام هو التقديم ولا مقتضى للعدول عنه؛ كالمبتدأ المعرَّف٦؛ فإن أصله التقديم على الخبر؛ نحو: "زيد عارف" وكذي الحال المعرف، فإن أصله التقديم على الحال، نحو: "جاء زيد راكبا"، وكالعامل؛ فإن أصله التقديم على معموله، نحو: "عرف زيد عمرا، وكان زيد عارفا، وإن زيدا عارف"، وكالفاعل؛ فإن أصله التقديم على المفعولات وما يُشبهها من الحال والتمييز، نحو: "ضرب زيد الجاني بالسوط يوم الجمعة أمام بكر ضربا شديدا تأديبا له، ممتلئا من الغضب"، و"امتلأ الإناء ماء"، وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب
_________________
(١) ١ فالتقديم في ذلك لدفع اللبس؛ لأن الأصل عند اختلاف النعوت تقديم النعت المفرد ثم الظرف ثم الجملة. ٢ [سورة طه: الآية ٦٧]، وقد سبق أن مثل هذا إنما يفوت به محسن بديعي، فتكون منزلته في البلاغة بقدر الغرض منه، ويمكن أن يكون تقديم ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ على ﴿خِيفَةً﴾؛ لأنه لو أخر عنه لتوهم تعلقه به لا بقوله: ﴿فَأَوْجَسَ﴾ وهو المقصود. ٣ كإفادة التخصيص في نحو: "جاء راكبا زيد"، كما ذهب إليه ابن الأثير، وهو خلاف مذهب الجمهور. ٤ المفتاح ص١٢٧. ٥ أي: في المعمولات وغيرها. ٦ أما المنكر فإنه يتقدم عليه الخبر؛ لتسويغ الابتداء به، وكذلك صاحب الحال المنكر.
[ ١ / ٢١٣ ]
"علمت"١ نحو: "علمت زيدا منطلقا"، أو في حكم الفاعل من مفعولي باب "أعطيت" و"كسوت"٢؛ نحو: "أعطيت زيدا درهما وكسوت عمرا جبة"٣، وكالمفعول المتعدَّى إليه بغير واسطة فإن أصله التقديم على المتعدَّى إليه بواسطة؛ نحو: "ضربت الجاني بالسوط". وكالتوابع، فإن أصلها أن تذكر بعد المتبوعات٤.
ثانيهما: أن تكون العناية بتقديمه والاعتناء بشأنه لكونه في نفسه نُصْبَ عينك، والتفات خاطرك إليه في التزايد، كما تجدك قد مُنيتَ بهجْر حبيبك وقيل لك: ما تتمنى؟ تقول: "وجه الحبيب أتمنى" وعليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أي: على القول٥ بأن ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ مفعولا ﴿وَجَعَلُوا﴾ .
أو لعارض يورثه ذلك٦: كما إذا توهمت أن مخاطَبك ملتفت الخاطر إليه، ينتظر أن تذكر، فيبرز في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فمتى تجد له مجالا للذكر صالحا أوردته، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] قُدم فيه المجرور لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أهل القرية الرسل من إصرارهم على تكذيبهم، فكان مظنة أن يلعن السامع -على مجرى العادة- تلك القرية، ويبقى مُجيلا في فكره: أكانت كلها كذلك أم كان فيها قطر
_________________
(١) ١ بابه كل مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ٢ بابه كل مفعولين أولهما فاعل في المعنى. ٣ فكل من زيد وعمرو في حكم الفاعل؛ لأن زيدا هو الآخذ والدرهم مأخوذ، وعمرا هو اللابس والجبة ملبوسة. ٤ فلا تتقدم عليها، ولا يتقدم عليها غيرها بعدها؛ كالحال في نحو: "جاء زيد الطويل راكبا". ٥ هناك قول في هذه الآية: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ بأن "شركاء الجن" هما المفعولان، والجار والمجرور متعلق بشركاء. ولا يخفى أن الاستشهاد جارٍ عليه أيضا؛ لأن الشاهد في تقديم "الله" لكونه في نفسه مما يُلتفَت إليه. ٦ معطوف على قوله: "لكونه في نفسه" والمقابلة ظاهرة.
[ ١ / ٢١٤ ]
-دانٍ أم قاصٍ- منبت خير؟ منتظرا لإلمام الحديث به، بخلاف ما في سورة القصص١.
أو كما إذا وُعدت٢ ما تستبعد وقوعه من جهتين؛ إحداهما أدخل في تبعيده من الأخرى؛ فإنك -حال التفات خاطرك إلى وقوعه باعتبارهما- تجد تفاوتا في إنكارك إياه قوة وضعفا بالنسبة، ولامتناع إنكاره بدون القصد إليه يستتبع تفاوته ذلك تفاوتا في القصد إليه والاعتناء بذكره، فالبلاغة توجب أنك -إذا أنكرت- تقول في الأول٣: شيء حاله في البعد عن الوقوع هذه أنى يكون؟ لقد وُعدت هذا أنا وأبي وجدي، فتقدم المنكر على المرفوع٤. وفي الثاني: لقد وُعدت أنا وأبي وجدي هذا، فتؤخر. وعليه قوله تعالى في سورة النمل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٨]، وقوله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾ [المؤمنون: ٨٣] فإن ما قبل الأولى: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ وما قبل الثانية: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابا، والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابا وعظاما، ولا
_________________
(١) ١ هو قوله تعالى في قصة موسى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠] . وقد جاء الكلام فيها على أصله من تأخير الجار والمجرور؛ لأنه ليس فيها من ذلك ما يقتضي تقديمهما في الآية الأولى لتبكيت أولئك القوم بكون البعيد عمّا شاهدوا ينصح لهم ما لم ينصحوه لأنفسهم. ٢ معطوف على قوله: كما إذا توهمت. ٣ أي: في الحال الأول، وهو ما كانت جهته أدخل في تبعيد ذلك، فتجعل العناية بذكره أهم، والثاني هو ما كانت جهته أضعف في تبعيد ذلك، فلا تكون هناك عناية بذكره قبل غيره. ٤ المنكر هو اسم الإشارة "هذا" لأنه هو المستبعد، والمرفوع هو مؤكِّد نائب الفاعل "أنا" وما عُطف إليه.
[ ١ / ٢١٥ ]
شبهة أن الأول أدخل عندهم في تبعيد البعث١.
أو كما إذا عرفت في التأخير مانعا٢ كما في قوله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] بتقديم المجرور على الوصف٣؛ لأنه لو أُخِّر عنه -وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل في صلة الموصول، وتمامه: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ - لاحتمل أن يكون من صلة الدنيا، واشتبه الأمر في القائلين: إنهم من قومه أم لا، بخلاف قوله تعالى في موضع آخر منها: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فإنه جاء على الأصل٤؛ لعدم المانع، وكان في قوله تعالى في سورة طه: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠] للمحافظة على الفاصلة، بخلاف قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٨] .
وفيما ذكره نظر من وجوه:
أحدها: أنه جعل تقديم ﴿لِلَّهِ﴾ على ﴿شُرَكَاءَ﴾ للعناية والاهتمام، وليس كذلك؛ فإن الآية مسوقة للإنكار التوبيخي، فيمتنع أن يكون تعلق ﴿وَجَعَلُوا﴾ بـ ﴿لِلَّهِ﴾ منكرا من غير اعتبار تعلقه بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾، إذ لا ينكر أن يكون جعل "ما" متعلقا به، فيتعين أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾، وتعلقه بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ كذلك
_________________
(١) ١ لأنهم صاروا فيها إلى تراب، ولم يبق لهم فيها عظام، وقد قيل في سر التقديم والتأخير في الآيتين: إن قوله: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾ جاء على أسلوب ما قبله: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾، فقدم المفعول الثاني لـ "وُعد"، كما قدم خبر "كان" على المعطوف على اسمها، ولا شك أن الخبر كمفعول لها. ٢ معطوف على قوله: "كما إذا وُعدتَ". ٣ المجرور "قومه"، والوصف "الذين". ٤ من تقديم الصفة على الحال، وهو الجار والمجرور؛ لأنه متأخر الرتبة على التابع.
[ ١ / ٢١٦ ]
منكرا باعتبار تعلقه بـ "الله"، فلم يبق فرق بين التلاوة وعكسها١.
وقد عُلم بهذا أن كل فعل متعد إلى مفعولين لم يكن الاعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر؛ إذا قدم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه بالعناية.
وثانيها: أنه جعل التقديم للاحتراز عن الإخلال ببيان المعنى، والتقديم للرعاية على الفاصلة من القسم الثاني، وليسا منه٢.
وثالثها: أن تعلق "من قومه" بـ "الدنيا" على تقدير تأخره غير معقول المعنى إلا على وجه بعيد٣.
_________________
(١) ١ يعني من هذه الجهة، فلا ينافي هذا ما سبق له في الكلام على حذف المسند، وهو أن تقديم "لله" على "شركاء" لإفادة استعظام أن يتخذ له شريك ملكا كان أو جنا أو غيرهما. ويمكن الجواب عن السكاكي بأنه جعل تقديم "الله" لكونه نصب العين، وهذا يوجب تقديمه عنده، وإن كان ما سيقت له الآية من الإنكار التوبيخي يحصل عند تأخيره. ٢ لأن المراد به تقديم ما حقه التأخير، والجار والمجرور في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [المؤمنون: ٣٣] حال من الملأ، واسم الموصول صفة لقومه لا للملأ كما ذهب إليه السكاكي. فلا يكون الحال حقه في التأخير عنها؛ لأنها ليست صفة لصاحبه، وكذلك تقديم هارون على موسى في قوله: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠] لأن المتعاطفين بالواو ليس من حق أحدهما التأخر عن الآخر. وقد أجيب عن السكاكي بأن تقسيمه التقديم للعناية مبني على أن العناية في القسم الأول ترجع إلى مجرد أن التقديم فيه هو الأصل، وفي القسم الثاني ترجع إلى الأمور التي ذكرها، وليس مبنيا على أن التقديم في القسم الأول تقديم ما أصله التقديم، وفي القسم الثاني تقديم ما حقه التأخير حتى يصح الاعتراض عليه بذلك. ٣ أجيب عن هذا بأن احتمال ذلك فيه، ولو كان بعيدا، يكفي في إثبات ما ذكره السكاكي في نكتة تقديمه، ولكن الأوجه من هذا أن يجعل المانع من تأخيره طول الصفة بالصلة وما عطف عليها، فلو أخر عنها لطال الفصل بين ضمير "قومه" ومرجحه.
[ ١ / ٢١٧ ]