واعلم أنه قد تقع بعد أداة التشبيه أمور يظن أن المقصود أمر منتزع من بعضها، فيقع الخطأ؛ لكونه أمرا منتزعا من جميعها؛ كقوله:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة فلما رأوها أقشعت وتجلت١
فإنه ربما يظن أن الشطر الأول منه تشبيه مستقل بنفسه لا حاجة به إلى الثاني، على أن المقصود به ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة إليه٢، ولكن بالتأمل يظهر أن مغزى الشاعر في التشبيه أن يثبت ابتداء مُطمعا متصلا بانتهاء مؤيس، وذلك يتوقف على البيت كله.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون بعض التشبيهات المجتمعة كقولنا: "زيد يصفو ويكدر" تشبيها واحدا٣؛ لأن الاقتصار على أحد الخبرين يُبطل الغرض من
[ ٣ / ٤٠٩ ]
الكلام؛ لأن الغرض منه وصف المخبر عنه بأنه يجمع بين الصفتين، وأن إحداهما لا تدوم.
قلنا: الفرق بينهما أن الغرض في البيت أن يُثبَت ابتداء مطمع متصل بانتهاء مؤيس كما مر، وكون الشيء ابتداء لآخر زائد على الجمع بينهما، وليس في قولنا: "يصفو ويكدر" أكثر من الجمع بين الصفتين، ونظير البيت قولنا: "يصفو ثم يكدر"؛ لإفادة "ثم" الترتيب المقتضي ربط أحد الوصفين بالآخر. وقد ظهر مما ذكرنا أن التشبيهات المجتمعة تفارق التشبيه المركب في مثل ما ذكرنا بأمرين:
أحدهما: أنه لا يجب فيها ترتيب، والثاني: أنه إذا حُذف بعضها لا يتغير حال الباقي في إفادة ما كان يفيده قبل الحذف، فإذا قلنا: "زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء" لا يجب أن يكون لهذه التشبيهات نسق مخصوص، بل لو قدم التشبيه بالبحر أو التشبيه بالسيف جاز، ولو أسقط واحد من الثلاثة لم يتغير حال غيره في إفادة معناه١، بخلاف المركب؛ فإن المقصود منه يختل بإسقاط بعض الأمور.
[ ٣ / ٤١٠ ]