ومنها عكس ذلك١ نحو: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ٢ أي: في الجنة.
علاقة الآلية:
ومنها تسمية الشيء باسم آلته٣ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ٤ أي: بلغة قومه، وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ ٥ أي: ذكرا جميلا وثناء حسنا.
وكذا غير ذلك مما بين معنى اللفظ وما هو موضوع له تعلق سوى التشبيه٦.
قال صاحب المفتاح٧: "وللتعلق بين الصارف عن فعل الشيء والداعي إلى تركه٨ يحتمل عندي أن يكون المراد بـ "منعك" في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
[ ٣ / ٤٧١ ]
إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١؛ دعاك، و"لا" غير صلة قرينة المجاز٢. وكذا ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ ٣.
وقال الراغب ﵀: "قال بعض المفسرين: إن معنى ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ما حماك وجعلك في منعة مني في ترك السجود؛ أي: في معاقبة تركه. وقد استبعد ذلك بعضهم بأن قال: لو كان كذا لم يكن يجيب بأن يقول: "أنا خير منه" فإن ذلك ليس بجواب السؤال على ذلك الوجه، وإنما هو جواب من قيل له: ما منعك أن تسجد؟ ويمكن أن يقال في جواب ذلك: إن إبليس لما كان أُلزم ما لم يجد سبيلا إلى الجواب عنه -إذ لم يكن له من كالئ يحرسه ويحميه- عدل عما كان جوابا، كما يفعل المأخوذ بكظمه في المناظرة". انتهى كلامه٤.
المجاز المرسل الخالي عن الفائدة والمفيد:
وقسم الشيخ صاحب المفتاح٥ المجاز المرسل إلى خالٍ عن الفائدة، ومفيد، وجعل الخالي عن الفائدة ما استعمل في أعم مما هو موضوع له؛ كالمرسن في قول العجا
وفاحما ومرسنا مسرجا٦
[ ٣ / ٤٧٢ ]
فإنه مستعمل في الأنف لا بقيد كونه المِرْسون١ مع كونه موضوعا له بهذا القيد لا مطلقا، وكالمشفر٢ في نحو قولنا: "فلان غليظ المشافر" إذا قامت قرينة على أن المراد هو الشفة لا غير، وقال: سمي هذا الضرب غير مفيد لقيامه مقام أحد المترادفين من نحو: "ليث وأسد، وحبس ومنع" عند المصير إلى المراد منه٣.
وأراد بالمفيد ما عدا الخالي عن الفائدة والاستعارة كما مر.
والشيخ عبد القاهر -رحمه الله٤- جعل الخالي عن الفائدة ما استعمل في شيء بقيد، مع كونه موضوعا لذلك الشيء بقيد آخر من غير قصد التشبيه، ومثّله ببعض ما مثّله الشيخ صاحب المفتاح ونحوه؛ مصرحا بأن الشفة والأنف موضوعان للعضوين المخصوصين من الإنسان٥ فإن قصد التشبيه صار اللفظ استعارة٦؛ كقولهم في مواضع الذم: "غليظ المشفر"، فإنه بمنزلة أن يقال: "كأن شفته في الغِلَظ مشفر البعير". وعليه قول الفرزدق:
فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي ولكن زنجي غليظ المشافر٧
[ ٣ / ٤٧٣ ]
أي: ولكنك زنجي كأنه جمل لا يهتدي لشرفي.
وكذا قول الحطيئة يخاطب الزبرقان:
قروا جارك العَيْمان لما جفوته وقلص عن برد الشراب مشافره١
فإنه وإن عنى نفسه بالجار، جاز أن يقصد إلى وصف نفسه بنوع من سوء الحال؛ ليزيد في التهكم بالزبرقان، ويؤكد ما قصده من رميه بإضاعة الضيف وإسلامه للضر والبؤس. وكذا قول الآخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها إلى ملك أظلافه لم تشقَّق٢
[ ٣ / ٤٧٤ ]