ومنها تسمية السبب باسم المسبب؛ كقولهم: "أمطرت السماء نباتا"، وعليه قولهم: "كما تدين تدان" أي: كما تفعل تجازى١، وكذا لفظ "الأسنمة" في قوله يصف غيثا:
أقبل في المستنّ من ريابه أسنمة الآبال في سحابه٢
وكذا تفسير إنزال أزواج الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ٣ بإنزال الماء على وجه٤؛ لأنها لا تعيش إلا بالنبات، والنبات لا يقوم إلا بالماء؛ وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها، ويؤيده ما ورد أن كل ما في الأرض من السماء يُنزله الله تعالى إلى الصخرة ثم يقسمه. قيل: وهذا٥ معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٦. وقيل: معناه: وقضى لكم؛ لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء، حيث كُتب في اللوح كل كائن يكون. وقيل: خلقها في الجنة ثم أنزلها، وكذا قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ٧.
[ ٣ / ٤٦٨ ]
أي: مطرا هو سبب الرزق، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ ١، وقولهم: "فلان أكل الدم" أي: الدية التي هي مسببة عن الدم٢، قال:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر٣
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ٤ أي: أردت القراءة بقرينة الفاء٥ مع استفاضة السنة بتقديم الاستعاذة، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ ٦ أي: أراد؛ بقرينة ﴿فَقَالَ رَبِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ ٧ أي: أردنا إهلاكها؛ بقرينة ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ . وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ ٨؛ بقرينة ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾، وفيه دلالة واضحة على الوعيد بالإهلاك؛ إذ لا يقع الإنكار٩ في ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ في المحز إلا بتقدير: "ونحن على أن نهلكهم"١٠.
[ ٣ / ٤٦٩ ]