والثاني ما يكون الجامع فيه غير داخل في مفهوم الطرفين؛ كقولك: "رأيت شمسا"، وتريد إنسانا يتهلل وجهه؛ فالجامع بينهما التلألؤ، وهو غير داخل في مفهومهما١.
الاستعارة العامية والخاصية:
وتنقسم باعتبار الجامع أيضا إلى عامية وخاصية٢؛ فالعامية: المبتذَلة؛ لظهور الجامع فيها؛ كقولك: "رأيت أسدا ووردت بحرا". والخاصية: الغريبة، التي لا يظفر بها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، كما سيأتي في الاستعارات الواردة في التنزيل، وكقول طفيل الغنوي:
وجعلت كُوري فوق ناجية يقتات شحم سنامها الرحل٤
وموضع اللطف والغرابة منه: أنه استعار الاقتيات لإذهاب الرحل شحم السنام؛ مع أن الشحم مما يقتات. وقول ابن المعتز:
[ ٣ / ٤٩٤ ]
حتى إذا ما عرف الصيد الضار وأذن الصبح لنا في الإبصار١
ولما كان تعذر الإبصار منعا من الليل جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا منه.
وقول الآخر:
بعُرْض تنوفة للريح فيه نسيم لا يروع في التراب٢
وقوله:
يناجيني الإخلاف من تحت مطله فتختصم الآمال واليأس في صدري٣
ثم الغرابة قد تكون في الشبه نفسه٤، كما في تشبيه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج بهيئة الثوب في موقعه من ركبة المحتبي، في قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له بأنه مؤدب:
وإذا احتبى قَرْبُوسه بعَنانه عَلَكَ الشكيم إلى انصراف الزائر٥
[ ٣ / ٤٩٥ ]
وقد تحصل بتصرف في العامية؛ كما في قول الآخر:
وسالت بأعناق المطي الأباطح١
أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة حتى كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرَتْ بها.
ومثلها في الحسن وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها، قول ابن المعتز:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير٢
أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لخطب إلا أتوه وكثروا عليه وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء من ههنا وههنا، وتنصبّ من هذا المسيل وذاك، حتى يَغَصّ بها الوادي ويطفح منها، وهذا شبه معروف ظاهر، ولكن حسن التصرف فيه أفاد اللطف والغرابة، وذلك أن أسند الفعل إلى الأباطح والشعاب٣ دون المطي أو أعناقها، والأنصار أو وجوههم، حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل، والشعاب من الرجال على ما تقدم٤ في
[ ٣ / ٤٩٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١، وفي كل واحد منهما شيء غير الذي في الآخر يؤكد أمر الدقة والغرابة؛ أما الذي في الأول فهو أنه أدخل الأعناق في السير؛ فإن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في أعناقها على ما مر، وأما الذي في الثاني فهو أنه قال: "عليه"؛ فعدى الفعل إلى ضمير الممدوح بـ "على"، فأكد مقصوده من كونه مطاعا في الحي.
وكما في قوله:
فرعاء إن نهضت لحاجتها عَجِلَ القضيب وأبطأ الدِّعْص٢
إذ وصف القضيب بالعجلة، والدعص بالبطء٣.
وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل؛ كقول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكَلْكَل٤
أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبا يتمطى به؛ إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيء، وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره والضغط لمكابده؛ فاستعار له كلكلا ينوء به؛ أي: يثقل به. وقال الشيخ عبد القاهر٥: "لما جعل لليل صلبا قد تمطى به، ثنّى ذلك، فجعل له أعجازا قد أردف بها الصلب، وثلَّث فجعل له كلكلا قد ناء به، فاستوفى له جملة أركان الشخص، وراعى ما يراه الناظر من سواده إذا نظر قدامه، وإذا نظر خلفه، وإذا رفع البصر ومده في عُرْض الجو"٦.
[ ٣ / ٤٩٧ ]