وأما وجهه: فهو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان تحقيقا أو تخييلا، والمراد بالتخييل ألا يُمكن وجوده في المشبه به إلا على تأويل١؛ كما في قول القاضي التنوخي:
وكأن النجوم بين دجاها سنن لاح بينهن ابتداع٢
فإن وجه الشبه فيه الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بِيض في جوانب شيء مظلم أسود؛ فهي غير موجودة في المشبه به إلا على طريق التخييل، وذلك أنه لما كانت البدعة والضلالة وكل ما هو جهل يجعل صاحبها في حكم من يمشي في الظلمة، فلا يهتدي إلى الطريق، ولا يفصل الشيء من غيره؛ فلا يأمَن أن يتردّى في مَهْوَاة؛ أو يعثر على عدو قاتل، أو آفة مهلكة، شبهت بالظلمة، ولزم -على عكس ذلك- أن تشبه السنة والهدى وكل ما هو علم بالنور، وعليهما قوله تعالى:
[ ٣ / ٣٩٤ ]
﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ١ وشاع ذلك حتى وُصف الصنف الأول بالسواد، كما في قول القائل: "شاهدت سواد الكفر من جبين فلان" والصنف الثاني بالبياض؛ كما في قول النبي ﷺ: "أتيتكم بالحنيفية البيضاء" وذلك لتخييل أن السنن ونحوها من الجنس الذي هو إشراق أو ابيضاض في العين، وأن البدعة ونحوها على خلاف ذلك، فصار تشبيه النجوم ما بين الدياجي بالسنن ما بين الابتداع كتشبيه النجوم في الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب، وبالأنوار٢ مؤتلقة بين النبات الشديد الخضرة؛ فالتأويل فيه أنه تخيّل ما ليس بمتلون متلونا، ويحتمل وجها آخر وهو أن يُتأول بأنه أراد معنى قولهم: "إن سواد الظلام يزيد النجوم حسنا" فإنه لما كان وقوف العاقل على عوار الباطل يزيد الحق نبلا في نفسه وحسنا في مرآة عقله؛ جُعل هذا الأصل من المعقول مثالا للمشاهد المبصر هناك، غير أنه لا يخرج -مع هذا- عن كونه على خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر أن يُمثَّل المعقول في ذلك بالمحسوس٣؛ كما فعل البحتري في قوله:
وقد زادها إفراط حسن جوارها خلائق أصفار من المجد خُيِّب٤
وحسن دراريّ الكواكب أن ترى طوالع في داجٍ من الليل غَيْهب٥
[ ٣ / ٣٩٥ ]
ومن التشبيه التخييلي قول أبي طالب الرقي:
ولقد ذكرتُكِ والظلام كأنه يوم النوى وفؤاد من لم يعشق١
فإنه لما كانت أيام المكاره توصف بالسواد توسعا؛ فيقال: "اسودّ النهار في عيني، وأظلمت الدنيا عليَّ"، وكان الغَزِل يدعي القسوة على من لم يعشق، والقلب القاسي يوصف بالسواد توسعا، تخيل يوم النوى وفؤاد من لم يعشق شيئين لهما سواد، وجعلهما أعرف به، وأشهر من الظلام، فشبّهه بهما.
وكذا قول ابن بَابَك:
وأرض كأخلاق الكرام قطعتها وقد كحّل الليل السماك فأبصرا٢
فإن الأخلاق لما كانت توصف بالسعة والضيق تشبيها لها بالأماكن الواسعة والضيقة، تخيل أخلاق الكرام شيئا له سعة، وجُعل أصلا فيها، فشبه الأرض الواسعة بها. وكذا قول التنوخي:
فانهض بنار إلى فحم كأنهما في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا٣
فإنه لما كان يقال في الحق: "إنه منير واضح"، فيستعار له صفة الأجسام المنيرة، وفي الظلم خلاف ذلك، تخيلهما شيئين لهما إنارة وإظلام، فشبه النار والفحم مجتمعَين بهما مجتمعين.
وكذا ما كتب به الصاحب إلى القاضي أبي الحسن٤، وقد أهدى له الصاحب عطر القُطْر:
وقال له: هل سمعت هذا المعنى؟ فقال ابن رشيق: سمعته، وأخذتَه أنتَ وأفسدتَه؛ أما الأخذ فمن النابغة الذبياني حيث يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثَمْن ذو إمّة وهو طائع٥
لكلفْتني ذنب امرئ وتركته كذي العُرّ يُكوَى غيره وهو راتع٦
وأما الإفساد؛ فلأن سبابة المتندم أول شيء يتألم منه؛ فلا يكون المعاقَب غير الجاني، وهذا بخلاف بيت النابغة؛ فإن المكوي من الإبل يألم وما به عُرّ البتة، وصاحب العر لا يألم جملة٧.
[ ٣ / ٣٩٦ ]