وهو أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه دخل، فيفطن له، فيأتي بما يخلصه من ذلك، والفرق بين الاحتراس، والتكميل، والتتميم أن المعنى قبل التكميل صحيح تام، ثم يأتي التكميل بزيادة يكمل بها حسنه إما بفن زائد أو بمعنى، والتتميم يأتي ليتمم نقص المعنى ونقص الوزن معًا والاحتراس لاحتمال دخل على المعنى، وإن كان تامًا كاملًا، ووزن الكلام صحيحًا، وقد جعل ابن رشيق الاحتراس نوعًا من التتميم، وسوى بينهما، وقد ظهر الفرق بينهما، فجعلهما في باب واحد غير سائغ.
والفرق بينه وبين المواربة بالراء المهملة أيضًا، أن الاحتراس يؤتى به وقت العمل عند ما يتفطن المتكلم لموضع الدخل، والمواربة يؤتى بها وقت العمل، وبعد صيرورة الكلام، والمواربة بالراء المهملة، تكون بالتصحيف والتحريف واهتدام الكلمة، والزيادة والنقص، والاحتراس بزيادة الجمل المفيدة المتضمنة معنى الانفصال عما يحتمله الكلام من الدخل، والمواربة تكون في نفس الكلام وتكون منفصلة عنه.
[ ٢٤٥ ]
والاحتراس لا يكون إلا في نفس الكلام، وسيأتي بيان المواربة وأمثلتها في بابها.
والفرق بين الاحتراس، والمناقضة والانفصال، أن الاحتراس هو ما فطن له الشاعر أو الناثر وقت العمل فاحترس منه. والانفصال ما لم يفطن له حتى يدخل عليه، فيأتي بجملة من الكلام، أو بيت من الشعر ينفصل به عنه ذلك الدخل.
والفرق بين المواربة والانفصال، أن المواربة تكون كما تقدم في كلمة من الكلام، أو في كلام منفصل عنه، والانفصال لا يكون إلا ببيت مستقل، أو جملة منفردة، عن سياق الكلام متعلقة به، داخلة فيه.
من أمثلة الاحتراس في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وقيل بعدًا للقوم الظالمين " فإنه تعالى لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان، أعقبه بالدعاء على الهالكين ووصفهم بالظلم ليعمل أن جميعهم كان مستحقًا للعذاب احتراسًا من ضعيف بتوهم أن الهلاك ربما شمل من لا يستحق العذاب، فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم، وحل بساحتهم وظهر من ذلك صدق وعده لنبيه نوح ﵇، وأعملنا أنه قد أنجزه وعده الذي قال فيه: " ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون "، وأعجب احتراس وقع في كتاب الله الكريم قوله سبحانه: " ما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر "، فإنه ﵎ لما نفى عن حبيبه ورسوله
[ ٢٤٦ ]
ﷺ أن يكون بالمكان الذي قضى فيه لموسى ﵇ الأمر، عرف المكان بالجانب الغربي، ولم يقل في هذا الموضع، كما قال في الإخبار عن موسى ﵇: " وناديناه من جانب الطور الأيمن " أدبًا مع نبيه وحبيبه محمد ﷺ أن ينفي عنه كونه بالجانب الأيمن، ولما أخبر عن موسى ﵇ ذكر الجانب الأيمن تشريفًا لموسى ﵇ فالمح لطيف هذا الاحتراس من بلاغة الكتاب العزيز جل المتكلم به.
ومثال الاحتراس من السنة قول رسول الله ﷺ على لسان إحدى النسوة من حديث أم زرع، حيث وصفت زوجها فقالت: " المس مس أرنب، والريح ريح زرنب، وأغلبه والناس يغلب " فقولها: والناس يغلب احتراس حسن، لأنها لو سكتت على قولها: وأغلبه، لقيل لها: إن رجلًا تغلبه امرأة لمغلب ضعيف، فاحترست من ذلك فقالت: والناس يغلب، فناسبت بين قرائنها بجملة تتضمن معنى الاحتراس مما يتوجه على معنى المدح من الدخل الذي ينقص به المعنى، فحصل في الكلام احتراس مدمج في موضع إيغال. ومتى وقع الاحتراس والتتميم في موضع الإيغال أوهم أنه إيغال، فيجب أن نعرف أن الإيغال
[ ٢٤٧ ]
كون القافية تفيد الكلام معنى زائدًا بعد تمام معناه وصحته، والإيغال يفارق التكميل بأمرين: مجيئه في القافية فقط، واختصاصه بالمعاني دون الفنون.
ومن أمثال هذا الباب الشعرية قول الخنساء في أخيها صخر وافر:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
ثم تخيلت أن قائلًا قال لها: لقد ساويت أخاك بالهالكين من إخوان الناس، فيكف أفرطت في الجزع عليه دونهم؟ فاحترست من ذلك بقولها وافر:
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي
[ ٢٤٨ ]