فسر قدامة الالتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذًا في معنى فيعترضه إما شك فيه، أو ظن أن رادًا يرده عليه، أو سائلًا يسأله عن سببه، فيلتفت إليه بعد فراغه منه فإما أن يجلي الشك فيه أو يؤكده، أو يذكر سببه كقول الرماح بن ميادة طويل.
فلا صرمه يبدو ففي اليأس راحة ولا وصله يبدو لنا فنكارمه
فكأن هذا الشاعر توهم أن قائلًا يقول له: وما تصنع بصرمه، فقال: لأن في اليأس راحة.
وأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله من القرآن العزيز قوله تعالى بعد الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين: " إياك نعبد وإياك نستعين " وكقوله سبحانه: " إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " وكقوله
[ ١٢٣ ]
تعالى: " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ومثال ذلك من الشعر قول جرير وافر:
متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيتها الخيام
أو انصراف المتكلم عن الخطاب إلى الإخبار كقوله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة " ومثال ذلك من الشعر قول عنترة كامل:
ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
ثم قال يخبر عن هذه المخاطبة بقوله: كامل
كيف المزار وقد تربع أهلها بعنيزتين وأهلنا بالغيلم
أو انصراف المتكلم من الإخبار إلى التكلم كقوله تعالى: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه أو انصراف المتكلم من التكلم إلى الإخبار كقوله تعالى: " إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز " وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاثة في ثلاثة أبيات متتاليات، وهي قوله: متقارب
تطاول ليلك بالأثمد ونام الخلي ولم ترقد
[ ١٢٤ ]
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني وخبرته عن أبي الأسود
فخاطب في البيت الأول، وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب.
وفي الالتفات نوع غير النوعين المتقدمين، وهو أن يكون المتكلم آخذًا في معنى فيمر فيه إلى أن يفرغ من التعبير عنه على وجه ما، فيعرض له أنه متى اقتصر على هذا المقدار كان معناه مدخولًا من وجه غير الوجه الذي بنى معناه عليه فيلتفت إلى الكلام، فيزيد فيه ما يخلص معناه من ذلك الدخل، كقول شاعر الحماسة: طويل
فإنك لم تبعد على متعهد بلى كل من تحت التراب بعيد
فإن هذا الشاعر بني معناه على أن المقبور قريب من الحي الذي يريد تعاهده بالزيارة، إذ القبور بأفنية البيوت غالبًا، فلما فرغ من العبارة عن معناه الذي قدره على هذا التقدير، عرض له كأن قائلًا يقول له: وأي قرب بين الميت المدفون تحت التراب والحي، فالتفت متلافيًا هذا الغلط بقوله:
بلى كل من تحت التراب بعيد
كأن هذا الشاعر بنى معناه على أن المقبور إلى بعد
[ ١٢٥ ]
والفرق بين الاحتراس والالتفات أن الاعتراض والانفصال يكونان في بيت واحد، وفي بيتين، وفي آية، وفي آيتين، والالتفات لا يكونان فيه إلا في بيت واحد وآية واحدة. والله أعلم.
[ ١٢٦ ]