هذا النوع استنبطه أبو العلاء المعري عند نظره في شعر أبي الطيب المتنبي وشرحه له من قوله طويل:
يرد يدًا عن ثوبها وهو قادر ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
وسماه الطاعة والعصيان، أعني المعري، وفسره بأن قال: وهو أن يريد المتكلم معنى من معاني البديع، فيستعصي عليه لتعذر دخوله في الوزن الذي هو آخذ فيه، فيأتي موضعه بكلام غيره يتضمن معنى كلامه، ويقوم به وزنه، ويحصل به معنى من البديع غير المعنى الذي قصده، كهذا البيت الذي ذكرته للمتنبي، فإنه أراد أن يكون في البيت مطابقة، فيحتاج لأجلها أن يقول:
يرد يدا عن ثوبها وهو مستيقظ
حتى إذا قال:
ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
يكون في البيت مطابقة فلم يطعه الوزن فأتى بقادر مكان مستيقظ. لتضمنه معناه، فإن القادر لا يكون إلا مستيقظًا، وزيادة فقد عصاه في البيت الطباق، وأطاعه الجناس، لأن بين قادر وراقد تجنيس عكس. هذا كلام المعري على هذا البيت، وهذا المعنى من البديع،
[ ٢٩٠ ]
ولم يأت بشاهد غيره، وتبعه الناس بعد، فأثبتوا هذا الباب وتكلموا فيه بمثل هذا الكلام، واستشهدوا بهذا البيت، ولم يأت أحد منهم بغيره، وأضربوا جميعهم عن النظر فيه، إما لحسن ظنهم بالمعري وموضعه من الأدب، واعتقادهم فيه العصمة من الخطإ والسهو فيه، وإما أن يكونوا قد مر عليهم ما مر عليه في هذا البيت.
والذي ذهب عليهم أن البيت ليس فيه شيء أطاع الشاعر، ولا شيء عصاه، ودليل ذلك أن قول المعري إن المتنبي أراد مستيقظًا، ليحصل منها ومن لفظة راقد طباق، فعصته لفظة مستيقظ لامتناعها من الدخول في هذا الوزن، فيحكم على المتنبي، لأنه لو أراد أن يكون في بيته طباق فحسب، كان له أن يقول: يرد يدًا عن ثوبها وهو ساهر أو ساهد، ويحصل له غرضه من الطباق بالجمع بين ساهر وراقد، ولا يكون عصاه شيء وأطاعه غيره وإنما المتنبي قصد أن يكون في بيته طباق وجناس، فعدل عن لفظة ساهر وساهد إلى لفظة قادر، لأن القادر ساهر وزيادة، إذ ليس كل ساهر قادرًا، والقادر لا بد أن يكون ساهرًا، ليحصل بين قادر وراقد طباق معنوي، وجناس عكس، لأن الطباق أنواع: منه المعنوي، كما أن الجناس أنواع: منه جناس العكس، وكما لم يأت بأول نوع من الجناس، كذلك يم يأت بأول نوع من الطباق، وهو الطباق اللفظي، وأتى بالطباق المعنوي، لأن مذهبه ترجيح المعاني على الألفاظ، لا سيما وبالعدول عن الطباق اللفظي حصل في البيت الطباق والجناس معًا، وما كان فيه طباق وجناس أفضل مما ليس فيه سوى الطباق فقط، ولو عدل المتنبي إلى
[ ٢٩١ ]
ما ذكره المعري من الإتيان بشاهد مثلًا لفاته هذا الفضل، وأتى في بيته ما دل على عدم تدقيق النقد، إذ يأتي فيه بأول نوع من الطباق، ولم يقابله بأول نوع من الجناس، مع ثبوت نيته الجمع بنيهما، والله أعلم.
فقد تبين من هذا البحث أن بيت المتنبي هذا لا يصلح أن يكون شاهدًا على هذا الباب، لأنه لم يعصه فيه شيء ولم يطعه غيره، ولا بد إذ قد أثبت هذا الباب لرشاقة تسمية من الإتيان بشاهد يليق به؛ والذي يليق به من الشواهد قول عوف بن محلم السعدي سريع:
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
لأنا نعلم أن أول ما يقصده المتكلم إخراج معناه في لفظ مساو له، إذ هو خير ضروب البلاغة لكونه وسطها، وخير الأمور أوسطها، ولذلك وصف به كلام رسول الله ﷺ.
قال هند بن أبي هالة في صفته: ويتكلم بجوامع الكلم قولًا فصلًا، لا فضلًا ولا تقصيرًا؛ وقالت أم معبد في صفة كلامه أيضًا: حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خزرات نظم يتحدرن، وهذا المعنى بلفظه أخذه ذو الرمة فقال طويل:
[ ٢٩٢ ]
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
فإذا اضطر الوزن إلى الزيادة على اللفظ أو النقص منه اضطرارًا، فقد عصته المساواة وأطاعه غيرها مما يأتي في كلامه من البديع بعد الزيادة والنقص الذي استقام بهما الوزن، بشرط أن يكون عدوله عن المساواة إلى غيرها من البديع اضطرارًا لا اختيارًا.
وقد يعدل المتكلم عن المساواة اختيارًا، ولا تكون المساواة عصته إلا في ظن من يرى ظاهر كلامه فيجد فيه ما يوهم بأنه زيادة، ويكون عدوله لمعنى أجل من المساواة، فيكون قد أطاعه ذلك المعنى، ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " قل رب احكم بالحق " فإن ظاهر اللفظ يوهم أن لفظة بالحق مستغنى عنها، للعلم بأن الله سبحانه لا يحكم إلا بالحق، فإنه قد ثبت أنه موصوف بالعدل بالدليل العقلي، فعدل عن المساواة، وأتى بهذه الزيادة ليضمن الكلام ضربًا من المحاسن يسمى الافتنان، فإن المراد تعجيل ما يستحقه الكفار من العذاب، ولذلك حصل في الكلام افتنان، وهو الجمع بين الأدب والهجاء، لأن من يستحق الدعاء عليه بالعقوبة ملوم، والله أعلم.
وقد أفردت لهذه الآية الكريمة تأليفًا استخرجت منها ستة عشر ضربًا من البديع، خفت من سياقتها في هذا الكتاب من الإطالة، فعلى هذا يكون مراد عوف في بيته الذي قدمناه عند ما وقع المعنى في نفسه،
[ ٢٩٣ ]
وقصد إخراجه من القوة إلى الفعل أن يقول: إن الثمانين قد أحوجت سمعي إلى ترجمان، وعلم أن الوزن لا يستقيم إلا بزيادة كلمة على ذا اللفظ المساوي معناه، فأتى بها متضمنة معنى الدعاء للمدوح، ليحصل بها في الكلام ضرب من البديع، وهو التتميم، نظرًا إلى نقص الوزن، والتكميل نظرًا إلى كون المعنى تامًا، وليكون عوضًا مما فاته من المساواة حذقًا منه، ولو أتى بها لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب، كانت عيبًا فليسوغ أن يقال: إن في هذا البيت طاعة وعصيانًا، لكون الشاعر عصته فيه المساواة التي قصدها وقت الشروع في سبكه وبنيته، وأطاعه التتميم، وعلى هذا يكون كل بيت من شواهد التتميم، وقع التتميم الذي فيه زائدًا على معناه غير متمم لنقصه شاهدًا للطاعة والعصيان، ومثل هذا هو تتميم الوزن لا تتميم المعنى، والله أعلم.
[ ٢٩٤ ]