الوصف بالجود إلى الوصف بالشجاعة، وإلا فنفس المعنى في الموضعين تشبيه الإنسان بالريح، غير أن السيد أخذ المعنى نثرًا، فعقده بالوزن شعرًا فله هذه الفضيلة لا فضيلة الاختراع، وعلى هذا يكون
باب حسن الإتباع أحق بهذا الشعر من باب سلامة الاختراع، ومن الجب كيف ذهب ذلك على الحاتمي مع تقدمه في الأدب وحذقه بالنقد هذا على أننا جعلنا تشبيه الحميري نفس الإمام علي ﵁ بالريح مجازًا، والحقيقة في ذلك غير هذا، لأن لفظ البيت يدل على أنه شبه بإنامة الإمام محاربيه بإنامة الرياح عادًا، فالشاعر إنما شبه إنامة بإنامة، لأنفس المنيم بنفس الريح، ومن اختراعات المحدثين قول ابن الرومي في تشبيه الرقاقة حين يبسطها الخباز في القطعة المشهورة التي أولها بسيط
لا أنس ما أنس خبازًا مررت به يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر
إلى قوله:
إلا بمقدار ما تنداح دائرة في صفحة الماء يرمي فيه بالحجر
وإذا وصلت إلى قول ابن حجاج في هذا البيت وصلت إلى الغاية التي لا تلحق، حيث يقول في رئيس كان قريبًا من قلبه، بعيدًا من رفده طويل:
وإني والمولى الذي أنا عبده طريفان في أمر له طرفان
[ ٤٧٣ ]
بعيدًا تراني منه أقرب ما ترى كأني يوم العيد من رمضان
ومتى شئت أن تتلاشى في هذه المعاني عندك قديمها وحديثها فتدبر ما جاء من هذا الباب في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " فانظر إلى غرابة هذا التمثيل الذي يتضمن هذا الإفراط في المبالغة مع كونه جاريًا على الحق خارجًا مخرج الصدق، إذا اقتصر فيه على ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلبًا لما تسلبه، وتعجيز كل من دون الله سبحانه كائنًا من كان عن خلق مثله، ثم نزل بهم في التمثيل عن رتبة الخلق إذ هي مما يعجز عن مثلها كل قادر غير الله ﷿ إلى استنقاذ النزر التفه الذي تسلبه الذباب على ضعفها، لأن الظفر بنفسها أيسر من الظفر بما تسلبه، ولم يسمع مثل هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول القرآن العزيز، ولم يتناوله متناول كما فعل في أكثر المعاني إلى الآن، ولو تتبع ذلك في الكتاب الكريم لوجد لهذا الموضع أمثال شتى كقول رسول الله ﷺ " حمى الوطيس " و" مات حتف أنفه " " ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين "، " والسعيد من وعظ بغيره " في أشياء كثيرة مما اخترعه النبي ﷺ ولم يتبع فيه إلى الآن.
[ ٤٧٤ ]
باب حسن الإتباع
وهو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن إتباعه فيه، بحيث يستحقه بوجه من وجوه الزيادات التي وجب للمتأخر استحقاق معنى المتقدم إما باختصار لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة قافيته وتمكنها، أو تتميم لنقصه، أو تكميل لتمامه، أو تحليته بحلية من البديع يحسن بمثلها النظم، ويوجب الاستحقاق كقول جاهلي في وصف جمل له طويل:
وعود قليل الذنب عاودت ضربه إذا هاد شوقي من معاهدها ذكر
وقلت له ذلفاء ويحك سببت لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر
فأحسن ابن المعتز ابتاعه في هذا المعنى حيث قال يصف خبله طويل:
[ ٤٧٥ ]
وخيل طواها القود حتى كأنها أنابيب سمر من قنا الخط ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنا فطارت بنا أيد سراع وأرجل
فإن ابن المعتز عمد إلى معنى البيتين المتقدمين فعمله في صدر بيته الثاني، وذلك أن حاصل قول الجاهلي في بيته: إن هذا الجمل لا ذنب له. وإنما ضربته مرة بعد أخرى لما هيج لي ذكر معاهد هذه المعشوقة من الشوق، فتوهمت أنه بالضرب يخرج عن حد الاستطاعة، ويأتي من السير بما ليس في الطاقة، وأكد كون هذا العود لا ذنب له بقوله في البيت الثاني:
وقلت له ذلفاء ويحك سببت لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر
يعني أنك لولا اشتياقي لذلفاء لم تكن محتاجًا إلى الضرب جملة، وأكد هذا التأكيد بكونه شهد له أن عادته الصبر فإن قيل: ظاهر قوله: قليل الذنب يدل على ذنب قليل، ولذلك قال عاودت ضربه أي أنه أذنب فضربته بها ثم لما اشتقت عاودت ضربه، فالضرب الأول، استحقاقًا، والثاني ظلمًا.
قلت: لو انفرد البيت الأول من الثاني ساغ هذا التأويل حملًا على الظاهر لكنه، مع انضمامه إلى البيت الثاني لا يسوغ، فإنه قال فيه:
وقلت له ذلفاء ويحك سببت لك الضرب
[ ٤٧٦ ]
وآلة التعريف في الضرب للجنس، لأن ذلفاء هي التي سببت لك الضرب أولًا وأخرًا، فإنك لولاها ما هاج لي من شوقي لمعاهدها فأذهلني حتى توهمت أن الضرب يخرج بك عن الحد الذي لم تكن محتاجًا إليه، ويدل على صحة ذلك شهادته له بالصبر مطلقًا في كل حال، إذ الألف واللام فيه للجنس أيضًا، وإذا كان صابرًا مطلقًا دل صبره على شدة السير ومتابعته يجري ذلك الجري، فلا يقع ضربه إلا ظلمًا، وأما قوله: قليل الذنب، فعلى عادة العرب في استعمال هذه اللفظة، وهي تريد مطلق النفي في قولهم: فلان قليل الخير وهم يريدون نفي الخبر عنه كثيره وقليله، وكل هذا حاصل في قول ابن المعتز " صببنا عليها ظالمين سياطنا " فإن قوله: صببنا هو عين قول العرب " عاودت ضربه " وما دل عليه لفظه من كون الضرب كان ظلمًا هو عين قول ابن المعتز: ظالمين بلفظ الإيجاز، فحسن البيان في كلام ابن المعتز بخلاف كلام الأول، لأن دلالة اللفظ في كلام ابن المعتز دلالة مطابقة، ودلالة الأول دلالة التزام، ولم يعوز ابن المعتز من معنى الأول إلا التعليل، فإنه ذكر العلة التي لأجلها ضرب جملة ظلمًا كما أعوز الأول من معنى ابن المعتز ذكر ثمرة الضرب وفائدته، فإن ابن المعتز لما قال:
صببنا عليها ظالمين سياطنا
قال عقيب ذلك: فطارت، وأدمج في ضمن هذه المبالغة التي هي ثمرة الضرب وصف الخيل بعدوها من موجبات الضرب، وحقق ظلمه لهن أنها لما خرجت من الوحشية إلى الطيرية فقد أحسن ابن المعتز الإتباع غاية الإحسان.
[ ٤٧٧ ]
ومن حسن الإتباع اتباع أبي نواس جريرًا في قوله " الوافر ":
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابًا
حيث قال ونقل المعنى من الفخر إلى المديح: سريع
ليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
فزاد على جرير زيادات: منها أن جريرًا أخرج كلامه مخرج الظن حيث قال: حسبت وإن كانت قد تقع بمعنى العلم خرجت المبالغة إلى حد الغلو، وعيب الكلام بما هو أشد من التقصير.
ومنها أن جريرًا لم يذكر من العالم سوى نوع الإنسان، وأبو نواس زاد على جرير بما يتضمنه ذكر العالم من الملائكة والجن والأفلاك وكل موجود سوى الله سبحانه، وأخرج كلامه مخرج الإسجال، بثبوت دعواه في هذا الممدوح بتعظيم قدرة الله تعالى على الإتيان بهذا الخارق الذي لا يقدر عليه غيره، واتبع أبا نواس في هذا المعنى الوزير المغربي فقال بسيط
حتى إذا ما أراد الله يسعدني رأيته فرأيت الناس في رجل
فإن الوزير أحسن إتباعه لأبي نواس بما وقع له من الزيادات، منها الإيجاز، فإنه عمل معنى عجز بيت أبي نواس في بعض عجز بيته، فنقله من ثمانية عشر حرفًا إلى أربعة عشر حرفًا، والتعليل في كونه جعل العلة في إسعاده رؤية هذا الممدوح، وجعل ذلك مراد الله سبحانه ليحقق
[ ٤٧٨ ]
مدحه بتحقيق وقوعه، وإن كان قد قصر عن أبي نواس في كونه اقتصر من العالم على ذكر الناس، كما فعل جرير، فقد جبر ذلك الوهن بما زاد من المبالغة في المدح فإنه جعل ممدوحه ابتداء سعادته ونقص من اللفظ. على أن ذكر الناس في بيتي جرير والوزير ملائم لذكر جرير بني تميم وذكر الوزير لفظة رجل، ولو لم يكن بيت أبي نواس أخصر وزنًا من بيت جرير لكادا يتساويان.
ومن أحسن ما سمعت في حسن الإتباع إتباع منصور الفقيه المصري رحمه الله تعالى عنترة في قوله كامل:
إني أمرؤ من خير عبس منصبا شطري، وأحمي سائري بالمنصل
فإن الفقيه قال في شريف سبه وكان شريفًا من جهة أبيه دون أمه " مجتث ":
من فاتني بأبيه ولم يفتني بأمه
ورام شتمي ظلمًا سكت عن نصف شتمه
فإن هذا الفقيه رحمه الله تعالى أحسن غاية الإحسان من وجوه: أحدها الإيجاز، فإنه عمل معنى عنترة الذي جاء به بيت من تام الكامل، المركب من اثنين وأربعين حرفًا في بيت من المجتث مركب من ستة وعشرين حرفًا.
والمطابقة المعنوية حيث قال بأبيه وأمه، فإنه طابق في ذلك بين الذكر والأنثى.
[ ٤٧٩ ]
هذا وبيته الذي أتى فيه على معنى غيره وزاد ما أبديناه من الزيادة بيت توطئه، كبيت وقع فيه من الإغراب والطرفة ما لم يقع في مثله، وهو قوله:
سكت عن نصف شتمه
ومن هذا الباب قول ابن الرومي طويل:
تخذتكم درعًا حصينًا لتدفعوا نبال العدا عني فكنتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير ناصر على حين خذلان اليمين شمالها
فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي ذمامًا فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا وقفة المعذور عني بمعزل وخلوا نبالي للعدا ونبالها
فاتبعه ابن سنان الخفاجي الحلبي فقال كامل:
أعددتكم لدفاع كل ملمة عونًا فكنتم عون كل ملمة
وتخذتكم لي جنة فكأنما نظر العدو مقاتلي من جنتي
فلأنفضن يدي يأسًا منكم نفض الأنامل من تراب الميت
وألطف ما قيل في هذا المعنى قول القائل وافر:
وإخوان تخذتهمو دروعًا فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهامًا صائبات فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقد تقدمت هذه الأبيات، وإنما أتيت بها هاهنا ليظهر لطفها بالنسبة إلى ما تقدمها في معناها.
[ ٤٨٠ ]
ومن مليح حسن الإتباع ما وقع بي ابن الرومي وبين أبي حية النميري فيما قاله في زينب أخت الحجاج حيث قال طويل:
تضوع مسكًا بطن نعمان إذ مشت به زينب في نسوة عطرات
يخمرن أطراف البنان من التقى ويبرزن شطر الليل معتجرات
فهن اللواتي إن برزن قتلنني وإن غبن قطعن الحشا حسرات
والبيت الأخير أردت، فإن ابن الرومي اتبعه فيه فقال وأتى بمعنى البيت كاملًا في نصف بيت: كامل:
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت وقع السهام ونزعهن أليم
وغير السعيد ابن سناء الملك ﵀ من وجوه قائلي هذا المعنى قديمًا وحديثًا حيث قال طويل:
إذا هجرتني شيبتني بهجرها وإن واصلتني شيبتني بطيبها
ومن محاسن هذا الباب أيضًا إتباع المعري أبا عبادة البحتري في قوله كامل:
أخجلتني بندى يديك فسودت ما بيننا تلك اليد البيضاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة عجب وبر راح وهو جفاء
فقال المعري بسيط
[ ٤٨١ ]
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم والعذب يهجر للإفراط في الخصر
لأنه استوعب معنى البيتين في صدر بيته، وأخرج العجز مخرج المثل السائر الصحيح، وعوض عما فاته من بديع الألفاظ مثل المطابقة المقابلة بالتجنيس والتمثيل، ففي بيت أبي عابدة من الإغراب والطرفة معنى لم يفت أبا العلاء، فإن كون الصلة بعينها قطيعة، والبر بنفسه جفاء، من الغريب الظريف، ولا جرم أنه أتى بذكر التعجب من ذلك، وكذلك طلب الاختصار من الإنسان، وجعل ما هو من أقوى أسباب الزيادة سببا في قطع الزيادة من الغريب الطريف أيضًا، وإذا نظرت إلى ما في بيت المعري من كونه يسد في التمثيل به مسد البيتين مع إيضاح معناه وما فيه من حسن البيان، وكون ما فيه من التجنيس والتصدير ليكون صلة بين المعنى والزيادة، وأسًا لقافيته المستجادة، ثبت الفضل لبيت المعري.
ولقد أحسن البحتري في إتباع الحزين الكناني في قوله بسيط
يغضي حياء ويغضي من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
فإن البحتري قال بسيط
[ ٤٨٢ ]
إن أطرق استوحشت للخوف أفئدة ويملأ الأرض من أنس إذا ابتسما
ومن حسن الإتباع اتباع ابن المعتز بشار في قول بشار طويل:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فإن ابن المعتز قال: طويل:
إذا شئت أوقرت البلاد حوافرا وسارت ورائي هاشم ونزار
وعم السماء النقع حتى كأنه دخان وأطراف الرماح شرار
فإن بشارًا قال فوق رءوسنا والليل لا يخص رءوسهم لعموم ظلمته الآفاق، وابن المعتز تخلص من هذا الدخل بقوله: وعم السماء النقع دليل على كثرة الجيش وانتشاره، ولذلك قال في بيت التوطئة: أوقرت البلاد حوافرًا، وكان مثل هذا لائقًا به لمكانه من الملك.
ومن حسن الإتباع إتباعي ابن الرومي في قوله بسيط
سد السداد فمى عما يريبكم لكن فم الحال مني غير مسدود
فإني اتبعته في هذا المعنى فقلت كامل:
هبني سكت أما لسان ضرورتي أهجى لكل مقصر عن منطقي
فإن بيت ابن الرومي وقع فيه من المحاسن أربعة عشر ضربًا، وهي التجنيس في قوله سد السداد، والتفسير في قوله عما يريبكم، والاستدراك
[ ٤٨٣ ]
في قوله: لكن وما بعدها، والاستعارة في قوله: فم الحال، والتصدير فيما بين القافية وأول البيت، والتمثيل، فإن البيت خرج مخرج المثل، والمساواة، لأن لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف، لأن كل لفظة من مفردات ألفاظه لا يصلح مكانها غيرها، والإرداف في قوله: لكن فم الحال، العجز كله: فإنه أراد أن يقول: سوء حالي ينطق بذمكم، فعبر عن المعنى بلفظ هو ردفه حيث قال:
لكن فم الحال مني غير مسدود
فرارًا من التصريح بالذم والافتنان لأنه أشار إلى فن الفخر بوصف نفسه بالسداد، والبيت من فن العتاب، والتعليق لأن فن الفخر متعلق بفن العتاب، والإدماج لأن الإشارة فيه مندمجة في التفسير في قوله: عما يريبكم، لأن كل ما يريب لو عدد بلفظه الموضوع له لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة، والتعطف في ذكر الفم في صدر البيت مع ذكره في عجزه، والتهذيب لمجيء جملة صدره على ترتيب الوضع اللغوي البليغ، من تقديم الفعل على الفاعل، وتقديم الفاعل على المفعول، وتقديم المفعول الذي تعدى الفعل بنفسه إليه على الفعل الذي تعدى إليه بالحرف، وكذلك رتب العجز من تقديم حرف الاستدراك على الجملة الابتدائية، وتقديم المبتدإ على الخبر.
واتفق في بيتي سبعة عشر ضربًا من البديع، وهي المطابقة في السكوت النطق، واستعارة اللسان للضرورة، والمبالغة في قولي: أهجى والتكميل
[ ٤٨٤ ]
في قولي: لكل مقصر، والتفسير في قولي: من منطقي، والتمكين من أجل أن القافية مستقرة في مكانها، والمساواة في كون لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف في أن كل لفظة لا يقوم غيرها مقامها، والإيجاز في تفاصيل البيت وجملته بالنسبة إلى البيت الذي قبله، فإن قولي هبني سكت أوجز من قول ابن الرومي: سد السداد فمى، لأن ملخص كلامي سكت، وملخص كلامه: سد فمي. وقولي: لسان ضرورتي، أوجز من قوله فم الحال مني، وقولي: أهجي، أوجز من قوله غير مسدود، فهذا إيجاز تفاصيل البيت، وأما إيجاز جملته فلأن حروف بيتي اثنان وأربعون حرفًا، وبيت ابن الرومي خمسة وأربعون حرفًا، مع أنهما قد استويا في عدة المتحركات، إذ كل بيت منهما سبعة وعشرون متحركًا والانسجام بالنسبة، لأن بيتي جاء عريًا عن الكلفة بخلاف بيته، والإيضاح لأن المعنى المراد في ألفاظ بيتي أشد وضوحًا من معناه، فإن بيتي لا يفتقر في دلالته على معناه لشيء مقدر بخلاف بيته، ومفردات ألفاظي أشد وضوحًا لمعانيها من مفردات بيته، لأن قولي: أهجى، أدل على معنى الهجاء بظاهره من قوله: عما يريبكم، وكلا البيتين المراد به التهديد بصريح الهجاء نطقًا دون هيئة، وفي قولي هبني سكت، إشارة إلى أني لا أسكت، ثم قلت على حكم التنزل الجدلي: وهبني سكت أيسكت لسان ضرورتي؟ وفي قول ابن الرومي:
سد السداد فمى عما يريبكم
إسجال على نفسه بالسكوت عن هجوهم، وهذا غير مراده الذي أراده من التهديد، وإذا وضح معنى الكلام هذا الوضوح في لفظ قد انتخبت
[ ٤٨٥ ]
مفرداته وحسن تركيبه وسهل فهمه، كان موصوفًا بحسن البيان دون غيره، ومنعوتًا بالتهذيب دون سواه، وإذا استوى البيتان في المعنى وكان أحدهما أخصر وزنًا وأبلغ معنى وكانت محاسنه أكثر، وعرى مما وقع في أخيه من العيوب، كان قائل موصوفًا بحسن الإتباع، وبيتي كذلك، لا سيما وقد وقع فيه مع هذا الإبداع، وهو تضمن كل لفظة بديعًا أو بديعين، مثل تضمن هبني سكت، الترشيح للاستعارة التي في لسان ضرورتي، وفيها بعدها الضرب الجدلي الذي سماه أهل الصناعة المذهب الكلامي، وفي الضرب تفسير وتمكين، وفي جملة البيت ما تقدم، فحصل في البيت سبعة عشر ضربًا من البديع قد تقدم ذكرها مفصلة، وسياقها جملة: المطابقة، المذهب الكلامي، الترشيح، الاستعارة، المبالغة، التكميل، التفسير، التمكين، المساواة، الائتلاف، الإيجاز، الإيضاح، حسن البيان، الإبداع، التهذيب، الانسجام، حسن الإتباع، ففضل بيتي بيت ابن الرومي بثلاثة أضرب من البديع، وخلوه من العيب الذي بسببه امتنع به أن يوصف بالانسجام.
ومن حسن الإتباع إتباع الأخطل النابغة الذبياني في قوله طويل:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
فقال طويل:
وإن أمير المؤمنين وفعله لكالدهر لا عار بما صنع الدهر
فهذا من الإتباع الذي ليس بحسن، وإنما ذكرته في هذا الباب لأذكر بعده الإتباع الحسن فيبين فضله:
[ ٤٨٦ ]
والضد يظهر حسنه الضد
ومنه قول علي بن جبلة طويل:
وما لامرئ حاولته منك مهرب ولو رفعته في السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدي لمكانه ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
فإني رأيت أكثر العلماء رجحوا هذا البيت على بيت النابغة، وفي الشعرين عندي بحث يضيق عنه هذا المكان، ومثل هذا المعنى قول سلم الخاسر بسيط
فأنت كالدهر مبتوتًا حبائله والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفها في كل ناحية ما فاتك الطلب
وتناوله البحتري فقال: كامل:
ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن ينجيهم من خوف بأسك مهرب
وكل هذه المعاني متلاشية في جنب قول الله تعالى: " يا معشر الجن الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " وقد جاء من ذلك في السنة النبوية قول رسول الله ﷺ: " نصرت بالرعب، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل ".
ومن حسن الإتباع إتباع نصيب الأعشى في قول الأعشى طويل:
وإن عتاق العيس سوف تزوركم ثناء على أعجازهن معلق
[ ٤٨٧ ]
فقال نصيب طويل:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
ومنه ابتاع أبي تمام عنترة في قول عنترة كامل:
فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحم
فقال: أعني أبا تمام بسيط
لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه لخر يلثم منه موطئ القدم
وابتعه البحتري فقال كامل:
ولو أن مشتاقًا تكلف فوق ما في وسعه لسعى إليك المنبر
واتبعه المتنبي فقال: كامل:
لو تعقل الشجر التي قابلتها مدت محيية إليك الأغصنا
وكل هذا من قوله تعالى: " يوم نقول لجهنم هل امتلأت " الآية، وقوله سبحانه: " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها " الآية وقوله ﷿: " تكاد تميز من الغيظ "، والله أعلم.
[ ٤٨٨ ]