وهو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة من بيت، أو من آية، أو معنى مجردًا من كلام، أو مثلًا سائرًا أو جملة مفيدة، أو فقرة من حكمة كقول علي ﵇ في جواب كتاب لمعاوية: " وما الطلقاء وأبناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين الأولين وتبيين درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، هيهات لقد حن قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها " فضمن كلامه هذا المثل العربي وهو قوله: " لقد حن قدح ليس منها " وكقوله في آخر هذا الكتاب: وإني مرقل نحوك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية،
[ ١٤٠ ]
وسيوف هاشمية عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك " وما هي من الظالمين ببعيد " فضمن كلامه هذه الآية.
ومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب سريع:
عوذ لما بت ضيفًا له أقراصه مني بياسين
فبت والأرض فراشي وقد غنت قفا نبك مصارينى
فضمن هذا الشاعر بيته الأول كلمة من السورة، وبيته الثاني جملة من البيت الذي هو أول القصيدة المشهورة.
وقد وقع من ذلك في الكتاب العزيز ما تضمنه من التوراة كقوله سبحانه: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " الآية.
ومن لطيف التضمين في الشعر قول أبي تمام طويل:
لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي أرق وأحفى منك في ساعة الكرب
فضمن بيته كلمات من البيت المشهور وهو بسيط
المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
وفي الكتاب العزيز من هذا الباب ما حكاه فيه سبحانه من صفة النبي ﷺ وأصحابه، وذلك قوله: " محمد رسول الله " إلى
[ ١٤١ ]
قوله: " ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل " فضمن كتابنا صفتهم من الكتابين الأولين، والفرق بين التضمين والإيداع والاستعانة والعنوان أن التضمين يقع في النظم والنثر ولا يكون إلا بالنثر ويكون من المحاسن ومن العيوب، ولكنه لا يكون من العيوب إلا إذا وقع في النظم بالنظم، والإيداع والاستعانة وإن وقعا معًا في النظم والنثر فلا يكونان إلا بالنظم دون النثر.
وأما العنوان فإنه يقع في النظم والنثر ولا يقع بالنثر، وهو بخلاف التضمين لا يكون إلا من المحاسن دون العيوب، والتضمين منهما معًا وسيأتي بيان ذلك في موضعه، والله أعلم.
[ ١٤٢ ]