وهو الذي سماه المتأخرون التصدير، وقد قسمه ابن المعتز ثلاثة أقسام الأول ما وافق آخر كلمة في البيت آخر كلمة في صدره، أو كانت مجانسة لها كقول الشاعر: كامل
يلفي إذا ما كان يوم عرمرم في جيش رأى لا يفل عرمرم
والثاني ما وافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه كقول الآخر: طويل
سريع إلى ابن العم يشتم عرضه وليس إلى داعي الندى بسريع
والثالث ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع كان، كقول الشاعر طويل:
سقى الرمل جون مستهل غمامه وما ذاك إلا حب من حل بالرمل
[ ١١٦ ]
هكذا عرف ابن المعتز هذا القسم الثالث من التصدير، وهو عندي مدخول التعريف من أجل قوله: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع كانت، فإنها لو كانت في العجز لم يسم تصديرًا لأن اشتقاق التصدير من صدر البيت، فلا بد من زيادة قيد في التعريف يسلم به من الدخل بحيث يقول: بعض كلمات البيت في أي موضع كانت من حشو صدره. وأظن ابن المعتز اتكل في ذلك على البيت الذي جاء به مثالًا ولا ألوم ابن المعتز. وهذا ابن الخطيب على تأخر زمانه وإطلاعه لأجل التأخر على أكثر ما قيل. وتقدمه في الفضائل قد جاء على بعض أقسام التصدير بقول الشاعر طويل:
وإن لم يكن إلا معرس ساعة قليلًا فإني نافع لي قليلها
ولم يضع ابن المعتز لهذه الأقسام اسمًا يعرف بعضها من بعض، والذي يحسن أن نسمي به القسم الأول تصدير التقفية، والثاني تصدير الطرفين والثالث تصدير الحشو. وقد وقع من التصدير في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون " وقوله تعالى: " وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين " وفي السنة النبوية من ذلك قوله ﵇
[ ١١٧ ]
وقد رأى أبا مسعود البدري يضرب عبدًا له. " أبا مسعود، لله عليك أقدر منك عليه " وهذه الأقسام الثلاثة فيما الكلام فيه موجب. وفي التصدير قسم رابع ذهب عنه ابن المعتز، وهو يأتي فيما الكلام فيه منفي، واعتراض فيه إضراب عن أوله كقول الشاعر: طويل
فإنك لم تبعد على متعهد بلى كل من تحت التراب بعيد
وقد جاء قدامة من التصدير بنوع آخر غير ما ذكرنا، وسماه التبديل وهو أن يصير المتكلم الآخر من كلامه أولًا وبالعكس، كقولهم: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، ولم أقف لهذا القسم على شاهد شعري فقلت: منسرح.
اصبر على خلق من تعاشره واصحب صبورًا على أذى خلقك
ولم يفرد له قدامة بابًا فأذكره في أبوابه. والله أعلم.
[ ١١٨ ]