وهو أن يثبت المتكلم شيئًا في ظاهر كلامه وينفي ما هو من سببه مجازًا. والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته كقوله ﷾: " أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها " فإن ظاهر هذا الكلام يقتضي نفي هذه الجوارح، وملزومه يقتضي إثبات الإلهية لمن يكون له مثل هذه الجوارح؛ وباطن الكلام يوجب نفي الإلهية عمن يكون له، فضلًا عمن لا يكون له، لأنه المراد، وكقوله سبحانه: " لا يسألون الناس إلحفًا " فإن ظاهره نفى الإلحاف في المسألة، لا نفي المسألة، والباطن نفي المسألة بتة، وعليه إجماع المفسرين، وهو منقول عن ابن عباس ﵄ وكقوله تعالى: " ولا شفيع يطاع " فالظاهر نفى شفيع يطاع، والمراد نفي الشفيع مطلقًا.
ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول امرئ القيس طويل:
على لاحب لا يهتدي بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا
[ ٣٧٧ ]
وظاهر هذا الكلام يقتضي إثبات منار لهذه الطريق، ونفي الهداية به مجازًا، وباطنه في الحقيقة يقتضي نفي المنار جملة وتقدير المعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار لكان لا يهدي به، فيكفف لا منار لها؟ كما تقول ملن تريد أن تسلبه الخير: ما أقل خيرك، فظاهر كلامك يدل على إثبات خير قليل وباطنه نفي الخير كثيره وقليله.
ومن أمثلة هذا الباب أيضًا قول الزبير بن عبد المطلب يمدح عملية بن عبد الدار، وكان نديمًا له طويل:
صبحت بهم طلقًا يراح إلى الندى إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره
ضعيف يحث الكأس قبض بنانه كليلًا على وجه النديم أظافره
وظاهر البيتين يقتضي أن للممدوح مفاقر لم تحضره إذا انتشى، وأن له أظافر تخمش وجه نديمه خمشًا خفيفًا. وباطن الكلام في الحقيقة نفي المفاقر جملة والأظافر بتة.
ومن هذا الباب قسم يوجب فيه المتكلم لنفسه شيئًا وينفيه بعينه عن غيره، أو ينفي عن موصوف ما صفة يوجبه لموصوف آخر،
[ ٣٧٨ ]
كقول السموءل طويل:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقول
وكقول الآخر طويل:
هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ويملأ منها كل حجل ودملج
[ ٣٧٩ ]