المآخذ على الرسالة:
الرّسالة في مجملها عمل جادّ، وجهد مثمر من عالمٍ متمكن، وقد مرّ معنا مزايا كثيرة لها، من خلال تلك الأمثلة التي عرضت جهد المؤلف، ومناقشاته، ولكن البشر مهما بلغوا في درجات الترقي والتجويد، فإنه لابد لهم من كبوة تنبئ عن بشريّتهم، وعدم عصمتهم من الخطأ والزّلل، ومن رحمة الله أن جعل أجرًا على ذلك الخطأ من العالم إذا اجتهد قدر طاعته وتحرّى الحق والعدل، وأرجو أن يكون ابن كمال باشا ممّن ينال الأجر والمثوبة من الله فيما اجتهد فيه، وحسبت أن فيه تقصيرًا أو خطأ، ومن ذلك:
١- عدم تعريفه تلوين الخطاب، فالرسالة تحمل هذا العنوان، ومع ذلك فهو لا يحدّده تحديدًا دقيقًا، كما صنع في الالتفات، ولعلّ السبب في ذلك، أن تلوين الخطاب باب واسع، يشمل أنواعًا كثيرة من الأساليب، ومع ذلك لم يتناوله العلماء من قبل، أمّا الالتفات فقد وجد السبيل فيه ممهّدًا، ولذا فقد أطال في تناوله، وناقش ما وجد من آراء قيلت فيه.
٢- ومما يؤخذ عليه: أنه لم يمثِّل لبعض أنواع تلوين الخطاب فقد ذكر أنه يقع في خمسة أضرب، ومثّل لثلاثةٍ منها فقط وأهمل ضربين.
٣- أنه كان يأتي ببعض الأمثلة غير تامّة، فلا يتبيّن القارئ موضع الشاهد، ومن الأمثلة على ذلك، إيراده لقوله تعالى ﴿ثمَّ توليتُم إلا قليلًا مِنْكُم﴾ شاهدًا على عدم وجود الالتفات، فقال: "فلا التفات في قوله تعالى: ﴿ثمَّ توليتُم إلا قليلًا مِنْكُم﴾ لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه
[ ٣٢٢ ]
وطريقته.."١.
وإيراده لهذا المثال لا يبيّن موطن الالتفات أو عدمه، بل لابدّ من إيراد الآية تامّة، وعند ذلك يتضح ما قاله فيوافقه القارئ أو يخالفه فيما ذهب إليه، والآية تامّة هي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٢.
٤- وقد وهم المؤلف حين تابع التفتازاني، فألحق بالالتفات أمرين فقال: "وقد يطلق الالتفات على معنيين آخرين؛ أحدهما: أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شيءٌ فتلتفت إلى ما يزيل اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك كقول ابن ميّادة:
فلا صَرْمُهُ يبدو وفي اليأس راحةٌ
ولا وصلُهُ يصفو لنا فنكارمُه٣
فإنه لمّا قال: (فلا صرمه يبدو) واستشعر أن يقول السامع: وما نصنع به؟ فأجاب بقوله: (وفي اليأس راحة) ثم عاد إلى المقصود.
والثاني: تعقيب الكلام بجملة مستأنفة متلاقية له في المعنى، على طريق المثل أو الدعاء، أو نحوهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٥ وفي قول جرير:
_________________
(١) ١ النصّ المحقق: ٥٠. ٢ سورة البقرة آية (٨٣) . ٣ انظر توثيق البيت في النصّ المحقق: ٩٤. ٤ سورة المائدة آية: ٦٤. ٥ سورة التوبة آية: ١٢٧.
[ ٣٢٣ ]
مَتَى كَانَ الخِيَامُ بِذِي طُلُوحٍ سُقِيْتِ الْغَيْثَ أَيَّتُهَا الخِيَامُ
أَتَنْسَى يَوْمَ تَصْقُلُ عَارِضَيْها بِفَرْعِ بشامةٍ سُقِيَ البَشَامُ١
وهذا الذي ذكره يكاد يكون مطابقًا لما ذكره التفتازاني في المطوّل٢.
وأمّا وهمه هنا، فإن هذه الأمثلة التي أوردها ليست من الالتفات، ولا ينطبق عليها شرطه الذي حدّده في الرسالة، وإن كان قد ورد بيت ابن ميّادة وبيت جرير الثاني عند العلماء القدامى، وجعلوهما من الالتفات٣، فإن المؤلف جاء متأخرًا فكان الأجدر به ألا يخلط بين المصطلحات، خاصة أنه سار على نهج السكّاكي ومن تابعه في الالتفات بعد أن تحدّد مفهومه، وأولئك الأقدمون لهم عذرهم، إذ لم تكن المصطلحات قد حدّدت، ولكن المؤلف لا يعذر في هذا، وقد قال د/نزيه عبد الحميد بعد أن أورد بيت جرير الثاني:
"ومن المعروف أن المتأخرين من البلاغيين جعلوا هذا النوع من التذييل، وهو نوع من الإطناب، وهو تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها للتوكيد، وهو الصواب"٤ كما قال بعد أن أورد بيت ابن ميّادة «وهذا من الاعتراض، يذكره قدامة في الالتفات والاعتراض نوع من أنواع الإطناب أيضًا، مثله في ذلك مثل التذييل، وعرفه البلاغيون ب: أن يؤتى في أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنى؛ بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب، لنكتة"٥.
ولا أدري كيف غاب عن المؤلف هذا الأمر، مع سعة اطّلاعه، وغزارة
_________________
(١) ١ النص المحقق: ٩٥-٩٦ وفيه توثيق جرير. ٢ انظر المطوّل: ١٣٤. ٣ انظر مثلًا: البديع لابن المعتز /١٠٦. ونقد الشعر لقدامة بن جعفر ١٤٧. والصناعتين لأبي هلال العسكري ٣٩٢. والعمدة لابن رشيق ١/٦٣٩. ٤ أسلوب الالتفات: ٢٠. ٥ المرجع السابق: ٢١.
[ ٣٢٤ ]
علمه، وتدقيقه في المسائل؟.
٥- تخطئته للسابقين مع إمكان قبول ما قالوه:
ومن ذلك أنه لم يقرّ بصحة نسبة تحديد الالتفات إلى الجمهور، كما قرّره الخطيب، وأوضحه التفتازاني، فقد قال الخطيب: "والمشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة، بعد التعبير بآخر منها"١ وقال التفتازاني في شرحه: "هذا هو المشهور عند الجمهور"٢.
فردّ المؤلف هذا وقال: "لا يقال المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه، وما ذكرته تفسير محدث له، قلت: بل ما ذكرته على وفق إشارة صاحب المفتاح ويوافقه ما في الكشاف، وكفى بنا ذانك الشيخان قدوة"٣.
فظهر أنه يتابع الزمخشري والسكّاكي في رأيهما في الالتفات، وأنه لا يشترط فيه تحقّق التعبير بصيغةٍ ما أوّلًا، ثم الانتقال إلى التعبير عنها بصيغة أخرى، بل يكتفي بالعدول عن صيغة يقتضيها أسلوب الكلام إلى أخرى على خلافها.
وهذا اختياره الذي لا ينكره أحد عليه، فله ذلك، ولكن لا ينبغي أن ينفي صحة ما نسبه التفتازاني إلى جمهور البلاغيين في قوله "وبما قررناه تبيّن أن الجمهور لا يرتضي تحديد الالتفات بما ذكر في التلخيص، وأنّ ما ذكر في شرحه من نستبه إليهم فرية ما فيها مرية"٤.
_________________
(١) ١ التلخيص: ٨٦. ٢ شرح التلخيص المعروف بمختصر المعاني: ٨٦، مطبوع بهامش التلخيص. وكذا في المطوّل على التخليص ١٣٠-١٣١. ٣ النصّ المحقق: ٦٠-٦١. ٤ النصّ المحقق: ٦١.
[ ٣٢٥ ]
فإن التفتازاني لم ينفرد بذلك، وإنما هو أحد من نسبه إلى الجمهور١، فمخالفة المؤلف لهم لا يستدعي إنكار نسبة القول إليهم.
إلا إذا كان يرى أنَّ رأي الجمهور قد انتقض بمخالفة الزمخشري والسكاكي لهم، فيكون لاعتراضه وجه.
ومن ذلك - أيضًا - اعتراضه على السيد الشريف في جعله مثل:
أنا الذي سمّتني أمي حيدرة٢، وأنت الذي أخلفتني، ونحن قوم فعلنا، وأنتم قدم تجهلون - من باب الالتفات، حيث يرى أنه لم يتحقق النّقل فيها، ولو تحقّق لكانت منه.
مع أنّنا نجد أن كلام السيد الشريف مقبول، خاصة وأنه لم يجزم بكونها من الالتفات؛ وإنما قال: "لا يبعد أن يجعل مثل: أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة الخ من باب الالتفات من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب"٣.
فيمكن توجيه كلامه، بأن هذا احتمال جائز، وهو وارد لأن فيه عدولًا عن صيغة إلى أخرى. فالصيغة التي هي على الظاهر: أن يقول: أنا الذي سمته أمه حيدرة الخ لأن الاسم الموصول اسم ظاهر، والاسم الظاهر بمنزلة الغائب، فكان مجرى الظاهر أن يأتي بغائب بعده، ولكنه عدل عنه إلى التكلم.
ومذهب السكّاكي يقبل مثل هذه الأمثلة التي أوردها السيد الشريف.
وهنا نجد تذبذبًا في تطبيق المؤلف، لأنه ذكر أنه يرتضي رأي السكّاكي في تفسير الالتفات سابقًا، ثم يشترط تحقق النقل هنا من صيغة إلى أخرى كما هو
_________________
(١) ١ انظر: الإيضاح للخطيب القزويني: ١٥٧. وشروح التلخيص: ١/٤٦٥، ٤٦٧. ٢ انظر تخريج الرجز في النص المحقق: ٦٢-٦٣. ٣ شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي: لوحة (٣٨/أ) . مخطوط بمكتبة عارف حكمت تحت رقم (٨٦/٤١٦) بلاغة.
[ ٣٢٦ ]
رأي الجمهور.
وهذا التناقض ظاهر إذا نظرنا في قوله: "ومن هنا وما تقدم بيانه تبيّن أن كلًاّ من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة إلى أخرى، أعم من الآخر من وجه، ولذلك جمعنا بينهما في تفسير الالتفات"١.
فهو إذن يجمع رأيي السكاّكي والجمهور، ويأخذ بهما جميعًا في الالتفات، فكان من الواجب عليه ألاّ يعترض على السيد الشريف في تلك الأمثلة التي أوردها، وأن يقبل ما قاله فيها، وذلك بناءً على أخذه برأي السكّاكي في الالتفات.
هذه بعض المآخذ التي تبّدت لي من خلال هذه الرِّسالة، وأسأل الله أن يعفو عني وعن المؤلف، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يكتب لنا أجر المجتهد. إنه غفورٌ رحيم.
_________________
(١) ١ النصّ المحقق: ٦٦-٦٧.
[ ٣٢٧ ]