الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا، وجعل الخطاب ألوانًا، والصلاة على محمد أولى من نطق بالصواب، وفصل الخطاب، وعلى آله وصحبه خير آل وأصحاب، وبعد: فهذه رسالة مرتبة في بيان تلوين الخطاب، وتفصيل شعبه التي منها الالتفات الذي هو أسلوب متكاثر الفوائد، متناثر الفرائد.
والمراد من الخطاب هنا: توجيه الكلام نحو السامع.
اعلم أنهم يحسنون قرى الأشباح١، فيخالفون٢ فيه بين لون ولون، وطعم وطعم كذلك يحسنون قرى٣ الأرواح، فيخالفون٤ فيه أيضًا بين أسلوب وأسلوب وإيرادٍ وإيراد، بل اعتناؤهم بهذا القرى٥ أكثر، واهتمامهم فيه أوفر٦.
ومرجع٧ التلوين المذكور إلى تغيير الأسلوب، وذلك قد يكون بالعدول عن الخطاب الخاصّ إلى الخطاب العام، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ﴾ ٨ فإنَّ الخطاب فيما قبله وهو قوله تعالى: ﴿واتَّبِع مَا أُوْحِيَ إليْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٩ الآية كان خاصًاّ لرسول الله ﷺ، ولعلّ النكتة فيه التجنب عن مواجهته ﵊ وحده بالنهي عن خلاف ما هو
_________________
(١) ١ في (م) الأسباح. ٢ في (م): فيتخالفون. ٣ في (م) قرر وفي (د) قري. ٤ في (م) فيتخالفون. ٥ في (م) القرر. ٦ من قوله: اعلم إلى هذا الموضع منقول بتصرف عن المفتاح. انظر المفتاح ص١٩٩ بشرح نعيم زرزور. ٧ في (م): ويرجع. ٨ من سورة الأنعام الآية: (١٠٨) . ٩ من سورة الأنعام الاية: (١٠٦) .
[ ٣٣٤ ]
عليه١ من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن ﵊ فحّاشًا ولا سبَّابًا، كما في قوله تعالى٢: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيْرٍ﴾ ٣.
وخصوص الخطاب٤ قد يكون صورة لا معنى، فإنّ الخطاب في قوله
تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ وإن كان خاصًا بحسب الصيغة، لكنه عامّ معنى، فإن المخاطب به كلّ واحد ممن يقدر على الاستدلال من المصنوع على٥ الصانع.
وقد يكون بصرف الخطاب عن مخاطب إلى مخاطب٦، كما في قول جرير٧:
ثِقِيْ بِاللهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكٌ وَمِنْ عِنْدِ الخَلِيْفَةِ بِالنَّجَاحِ
أَغِثْنِيْ يَا فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّيْ بِسَيْبٍ مِنْكَ إِنَّك ذُو ارْتِيَاحِ٨
فإن [المخاطب] ٩ بالبيت الأوّل امرأته، وبالبيت الثاني الخليفة ١٠، وليس هذا
_________________
(١) ١ قوله: ما هو عليه ساقط من (م) . ٢ ساقط من (د) . ٣ من سورة البقرة الآية (١٠٧) وفي م: "وما لكم من دون من ولي ". ٤ من هنا إلى قوله «به كل واحد» ساقط من (م) . ٥ في د: إلى. ٦ قوله: (إلى مخاطب) ساقط من (د) . ٧ هو جرير بن عطية بن الخطفى من أشهر شعراء العصر الأموي، ومن الطبقة الأولى منهم، وكان بعض الناس يفضله على شعراء طبقته، وهو من أحسن الشعراء نسيبًا وأشدهم هجاءً، وقد اشتهر بنقائضه مع الفرزدق والأخطل. انظر: طبقات فحول الشعراء لابن سلام ١/٢٩٧، ٣٧٤-٤٥١ بتحقيق محمود شاكر. والشعر والشعراء لابن قتيبة ١/٣٧٤-٣٨٠. ٨ البيتان في شرح ديوان جرير لمحمد إسماعيل الصاوي: ٩٨. ٩ في النسختين: الخطاب. والصواب ما أثبتّه لأن السياق يقتضيه. ١٠ انظر: شروح سقط الزند ٥/١٩٠٢، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب الناشر الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة ١٣٨٣هـ ١٩٦٤م فإن صدر الأفاضل يرى هذا الرأي. وقد أورد التفتازاني رأي صدر الأفاضل في عدم وجود الالتفات في هذين البيتين، ثم عقّب ذلك بقوله "فهذا أخصّ من تفسير الجمهور" المطوّل: ١٣٣ فكأنّه يرى أنّ هذا زيادة وتشدّد في شرط الالتفات لم يذكره الجمهور ولذا قال التفتازاني: "فقول أبي العلا: هل تزجرنّكم رسالة مرسل أم ليس ينفع أولاك ألوك فيه التفات عند الجمهور من الخطاب في (يزجرنكم) إلى الغيبة في (أولاك) بمعنى أولئك، وهو قال إنه إضراب عن خطاب بني كنانة إلى الإخبار عنهم » المطول ١٣٣ -١٣٤ وهذا الرأي تابعه المؤلف هنا في هذين البيتين، وأرى أنه وهم فالالتفات ظاهر في هذين البيتين لأنه قال في البيت الأول (من عند الخليفة) والاسم الظاهر بمنزلة الغيبة، ثم قال: (أغثني) فخاطبه، فهنا التفات من الغيبة إلى الخطاب، وإن كان الشاعر وجه الخطاب في البيت الأول إلى زوجته. فهذا لا يلغي الالتفات، لأن الخطاب موجّه في الحقيقة إلى الخليفة وليس إلى الزوجة. وإنّما هو يعرض أمام الخليفة ما قاله لزوجته وفي هذا تصوير لمدى الحاجة والعوز التي يحياها الشاعر هو وأهل بيته.
[ ٣٣٥ ]
من قبيل الالتفات، كما سبق إلى بعض الأوهام١؛ لأنّ من٢ شرطه أن يكون الخطاب في الحالين لواحد، فلا يوجد فيه صرف الخطاب حقيقة وإن وجد ظاهرًا، بسبب العدول عن صيغة إلى أخرى، صرّح بذلك صدر الأفاضل٣ حيث قال في شرح سقط الزّند: «قوله: (سقيت الغيث) بمعزل عن الالتفات، لأن قوله:
_________________
(١) ١ واضح أن التفتازاني يرى أن فيهما التفاتًا، ويفهم ذلك من معارضته لرأي صدر الأفاضل في الالتفات كما مرّ. ٢ ساقطة من (م) . ٣ هو القاسم بن الحسين بن محمد الخوارزمي الملقب بصدر الأفاضل من أهل خوارزم فقيه وعالم بالعربية ألّف في النحو والأدب. ولد عام ٥٥٥هـ وتوفي ٦١٧هـ - انظر بغية الوعاة ٢/٢٥٢ - ٢٥٣. -الأعلام ٥/١٧٥.
[ ٣٣٦ ]
بيانه. فلا التفات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تولَّيْتُمْ إلاّ قَلِيْلًا مِنْكُمْ﴾ ١ لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته، ولذلك قال صاحب الكشاف٢: " ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات"٣ فإن قلت: هلاّ يجدي نفعًا اعتبار التغلب الذي ذكره البيضاوي٤ حيث قال في تفسيره: "ولعلّ الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومن قبلهم على التغليب"٥؟ قلت:
_________________
(١) ١ من سورة البقرة آية: (٨٣) والآية بتمامها ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ . ٢ هو: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري، عالم مشهور، له تصانيف كثيرة في علوم مختلفة، وكان معتزليًا مجاهرًا باعتزاله. ولد عام ٤٦٧هـ وتوفي عام ٥٣٨هـ. لقّب بجار الله - لمجاورته بمكة المكرمة. من تصانيفه: (المفصل في النحو) و(المستقصى في الأمثال) و(الكشاف في التفسير) و(الفائق في غريب الحديث) و(أساس البلاغة) وغير ذلك. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ٥/١٦٨- ١٧٤ وبغية الوعاة ٢/٢٧٩- ٢٨٠. ٣ الكشاف: ١/٢٩٣. ٤ ساقط من (م): والبيضاوي هو: ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي كنيته: أبو سعيد أو أبو الخير، علامة، مفسر، قاضٍ، له التفسير المشهور أنوار التنزيل وأسرار التأويل، وكتاب "منهاج الوصول إلى علم الأصول" وغير ذلك من المؤلفات توفي سنة ٦٨٥هـ. - بغية الوعاة: ٢/٥٠ - ٥١ والأعلام: ٤/١١٠. ٥ أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي: (١/٦٧) ط (٢) ١٣٨٨هـ مطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر. وقد وضّح الطيبي هذا الأمر حين قال ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات وهو من الغيبة في قوله ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ إلى الخطاب، والفائدة التأنيب والتوبيخ، استحضرهم فوبّخهم قال القاضي: لعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد الرسول ﷺ ومن قبلهم على التغليب. وقلت فالأوفق أن يقال: إن أصل الكلام ثم تولوا وهم معرضون، لقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ أي اذكر وقت أخذنا ميثاق بني إسرائيل وتوليهم وإعراضهم عن ذلك، فعدل إلى خطاب الموجودين منهم تغليبًا وإشعارًا بأن التولي الذي حصل منهم في عهد النبي ﷺ ليس ببدع منهم لأنه دأبهم ودأب أسلافهم، فلا يكون في الكلام التفات". فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب للطيبي (٥٧٩) رسالة دكتوراة بمكتبة كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية من إعداد الباحث: صالح عبد الرحمن الفائز وذكر محمد أبو الحسن أيضًا أنّ توجيه الخطاب إليهم على طريقة الالتفات، انظر: تيسير البيضاوي تعليقات وشروح على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (١/١٠٠) ط (٤) ١٣٩٩ دار الأنصار - مصر.
[ ٣٣٧ ]
بيانه. فلا التفات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تولَّيْتُمْ إلاّ قَلِيْلًا مِنْكُمْ﴾ ١ لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته، ولذلك قال صاحب الكشاف٢: " ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات"٣ فإن قلت: هلاّ يجدي نفعًا اعتبار التغلب الذي ذكره البيضاوي٤ حيث قال في تفسيره: "ولعلّ الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومن قبلهم على التغليب"٥؟ قلت:
_________________
(١) ١ من سورة البقرة آية: (٨٣) والآية بتمامها ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ . ٢ هو: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري، عالم مشهور، له تصانيف كثيرة في علوم مختلفة، وكان معتزليًا مجاهرًا باعتزاله. ولد عام ٤٦٧هـ وتوفي عام ٥٣٨هـ. لقّب بجار الله - لمجاورته بمكة المكرمة. من تصانيفه: (المفصل في النحو) و(المستقصى في الأمثال) و(الكشاف في التفسير) و(الفائق في غريب الحديث) و(أساس البلاغة) وغير ذلك. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ٥/١٦٨- ١٧٤ وبغية الوعاة ٢/٢٧٩- ٢٨٠. ٣ الكشاف: ١/٢٩٣. ٤ ساقط من (م): والبيضاوي هو: ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي كنيته: أبو سعيد أو أبو الخير، علامة، مفسر، قاضٍ، له التفسير المشهور أنوار التنزيل وأسرار التأويل، وكتاب "منهاج الوصول إلى علم الأصول" وغير ذلك من المؤلفات توفي سنة ٦٨٥هـ. - بغية الوعاة: ٢/٥٠ - ٥١ والأعلام: ٤/١١٠. ٥ أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي: (١/٦٧) ط (٢) ١٣٨٨هـ مطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر. وقد وضّح الطيبي هذا الأمر حين قال ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات وهو من الغيبة في قوله ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ إلى الخطاب، والفائدة التأنيب والتوبيخ، استحضرهم فوبّخهم قال القاضي: لعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد الرسول ﷺ ومن قبلهم على التغليب. وقلت فالأوفق أن يقال: إن أصل الكلام ثم تولوا وهم معرضون، لقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ أي اذكر وقت أخذنا ميثاق بني إسرائيل وتوليهم وإعراضهم عن ذلك، فعدل إلى خطاب الموجودين منهم تغليبًا وإشعارًا بأن التولي الذي حصل منهم في عهد النبي ﷺ ليس ببدع منهم لأنه دأبهم ودأب أسلافهم، فلا يكون في الكلام التفات". فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب للطيبي (٥٧٩) رسالة دكتوراة بمكتبة كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية من إعداد الباحث: صالح عبد الرحمن الفائز وذكر محمد أبو الحسن أيضًا أنّ توجيه الخطاب إليهم على طريقة الالتفات، انظر: تيسير البيضاوي تعليقات وشروح على أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (١/١٠٠) ط (٤) ١٣٩٩ دار الأنصار - مصر.
[ ٣٣٨ ]
لا، لأنّ اعتباره لا يحقق الشرط المذكور، لأنّ الكلام قبل النّقل مع البعض، وبعده مع الكل حينئذٍ١، والكلّ غير البعض.
وقد نبّه على هذا صاحب الكشف٢، حيث قال في شرح القول المذكور لصاحب الكشاف: "وهو كذلك سواء حمل على تغليب الموجودين في عصره ﵊، أو لا"٣ وكلام صاحب المفتاح٤ خلو عن اعتبار هذا الشرط في الالتفات٥، والشارح الفاضل لم يتعرض له في شرحه.
_________________
(١) ١ في النسختين: ح. ولعله رمز لهذه الكلمة التي أثبتّها. ٢ هو سراج الدين عمر بن عبد الرحمن بن عمر البهبهائي الكناني القزويني، كان له حظ وافر من العلوم لاسيما العربية، ولكن المنية لم تمهله فقد مات وهو شاب عن سبع أو ثمان وثلاثين سنة في عام ٧٤٥هـ وله حاشية على كشاف الزمخشري بعنوان (الكشف على الكشاف) مخطوط منه نسخة في مغنِسا رقم (٣٤٦٨) وفي الظاهرية، وفي الإسكندرية وفي خزانة الرباط. - انظر شذرات الذهب / ٦: ١٤٣- ١٤٤ والأعلام ٥/٤٩. ٣ انظر /حاشية الشهاب الخفاجي المسماة بعناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ٢/١٩٤. فقد ذكر أنه لا التفات فيه على التغليب، والشهاب الخفاجي يكثر من النقل عن صاحب الكشف. ٤ هو أبو يعقوب، يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكّي الخوارزمي - سراج الدين. من الأئمة الأعلام في اللغة والبيان، له كتاب مشهور في البلاغة يسمّى (مفتاح العلوم) ولد بخوارزم عام ٥٥٥هـ وتوفي بها في عام ٦٢٦هـ، انظر: بغية الوعاة ٢/٣٦٤ والأعلام: ٨/٢٢٢. ٥ انظر: المفتاح بشرح نعيم زرزور، ١٩٩ وما بعدها. وشروح التلخيص:/ ٤٦٤- ٤٦٥، ٤٦٧.
[ ٣٣٩ ]
وأمّا الشرط الآخر المذكور في كتب القوم، وهو أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر١، واعتباره كيلا يدخل في حدّ الالتفات أشياء ليست منه، منها: أنا زيد وأنت عمرو٢، ونحن رجال وأنتم رجال، وأنت الذي فعل كذا، و:
نَحْنُ اللَّذُوْنَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا٣
ونحو ذلك ممّا عبّر عن معنى واحد، تارة بضمير المتكلم٤ أو المخاطب، وتارة بالاسم المظهر أو ضمير الغائب.
ومنها: يا زيد قم. ويا رجلًا له بصر٥ خذ بيدي، لأن الاسم المظهر طريق غيبته فلا حاجة إلى ذكره، واعتباره شرطًا زائدًا على ما ذكرنا، لأن أسلوب الكلام لا يتغيّر إلاّ إذا كان كذلك، بناءً على أن المراد من مقتضى ظاهر الكلام،لا مقتضى ظاهر المقام، ولذلك صرّح الإمام البيضاوي
_________________
(١) ١ انظر المطوّل على التلخيص: ١٣١، وشروح التلخيص: ١/٤٦٥، ٤٦٦. ٢ ورد في حاشية الدسوقي على شرح السعد: «وإن كان يصدق على كلّ منهما أنه قد عبر فيه عن معنى وهو الذات بطريق الغيبة بعد التعبير عنه بطريق آخر وهو التكلم في الأول والخطاب في الثاني إلا أن التعبير الثاني يقتضيه ظاهر الكلام ويترقبه السامع، لأن المتكلم إذا قال: أنا وأنت، ترقب السامع أن يأتي بعده باسم ظاهر خبرًا عنه، لأن الإخبار عن الضمير إنما يكون بالاسم الظاهر، فالإخبار بالاسم الظاهر وإن كان من قبيل الغيبة عن ضمير المتكلم أو المخاطب، إلا أنّه جار على ظاهر ما يستعمل في الكلام" شروح التلخيص: ١/٤٦٥. ٣ هذا الشاهد أورده أبو زيد الأنصاري في النوادر: ٤٧ ونسبه إلى أبي حرب بن الأعلم وهو جاهلي ونقله عنه البغدادي في الخزانة ٦/٢٣ ثم أورد في موضع آخر أنه لليلى الأخيلية ناقلًا ذلك عن العييني انظر الخزانة ٦/٢٤ بلفظ: قومي الذين صبحوا الصباحا. وهو من الشواهد البلاغية التي وردت في شروح التلخيص ١/٤٦٦ ولكن دون نسبة إلى صاحبه. ٤ في (م) المتكلم والمخاطب. ٥ في (م) نصر.
[ ٣٤٠ ]
على وفق إشارة١ صاحب الكشاف٢، بوجود الالتفات في قوله تعالى٣: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ٤ فإنَّ العدول فيه عن مقتضى٥ ظاهر الكلام، حيث كان سباقه، وهو قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ ٦ على صيغة الغيبة، لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأن مقتضاه٧ الخطاب في الموضعين، ونكتة العدول عن مقتضى الظاهر بحسب المقام، التعظيم للنبي ﵊، والتلطيف في تأديبه بالعدول عن الخطاب في مقام العتاب، والإباء عن المواجهة بما فيه الكراهة.
وأمّا ما قيل: "في الإخبار عمّا فرط منه، ثم الإقبال عليه دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانيًا جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجهًا له بالتوبيخ، وإلزام الحجة"٨ فوهم، لا ينبغي أن يذهب إليه فهم.
_________________
(١) ١ في (م) شأن. ٢ انظر إشارة صاحب الكشاف في ٤/٢١٨ حيث قال: (وفي الإخبار عما فرط منه ثم الإقبال عليه بالخطاب..) . ٣ ليس في (د) . ٤ آية (٣) من سورة عبس. انظر أنوار التنزيل وأسرار التأويل (٢/٥٤٠) فقد صرح البيضاوي بوجود الالفتات في هذه الآية وذلك لمجيئها بعد قوله تعالى ﴿عبَسَ وَتَوَلّى﴾ وهو واضح. ٥ سقط من هنا إلى قوله لا عن مقتضى ظاهر المقام من (م) . ٦ آية (١-٢) من سورة عبس. ٧ في (م) مقتضاء. ٨ في (د) الجهة، وهذا القول ورد عند الزمخشري في تفسيره ٤/٢١٨.
[ ٣٤١ ]
ومن تأمل في طريق عتابه تعالى إياه ﵊ في مواضع العتاب - كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ١ فإنْ فيه ما لا يخفى من لطف الكناية عن خطئه ﵊ في الإذن تعظيمًا لشأنه - لا يخطر بباله مثل ذلك الوهم، وإنّما قلنا على ما ذكرنا، إذ لابدّ من اعتباره شرطًا زائدًا على ما ذكروا في تفسير الالتفات٢.
قال صاحب التلخيص٣: والمشهور أن الالتفات هو التعبير عن٤ معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها٥. وقال الفاضل التفتازاني٦ - في شرحه، "بشرط أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر"٧ وفي المفتاح:
"ويسمّى هذا النقل التفاتًا عند علماء علم المعاني"٨.
_________________
(١) ١ من آية (٤٣) من سورة التوبة. ٢ في (د) الالتفاب. ٣ هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد، أبو المعالي، جلال الدين القزويني، المعروف بخطيب دمشق، من العلماء الفقهاء، ولي القضاء في ناحية الروم ثم دمشق ثم مصر، ولد ٦٦٦هـ وتوفي سنة ٧٣٩هـ من تصانيفه: (تلخيص المفتاح) و(الإيضاح) وهو شرح للتلخيص. - بغية الوعاة ١/١٥٦- ١٥٧.- الأعلام ٦/١٩٢. ٤ هنا سقط في (م) من قوله: التعبير عن إلى قوله (الثاني) . ٥ التلخيص: ٨٦. ٦ هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين، من أئمة العربية والبيان، ولد بتفتازان سنة ٧١٢هـ، وأجاد في علوم كثيرة وصنف فيها ومنها: النحو والصرف والمنطق والبلاغة والأصول، من أشهر تصانيفه: (المطوّل) وهو شرح لكتاب التلخيص، مات بسمرقند سنة ٧٩١هـ. - بغية الوعاة ٢/٢٨٥ والأعلام ٧/٢١٩. ٧ المطوّل على التلخيص (١٣١) شرح التلخيص المعروف بمختصر المعاني مطبوع بها من التلخيص (٨٧) . ٨ المفتاح: ١٩٩ بشرح نعيم زرزور.
[ ٣٤٢ ]
وقال الفاضل الشريف١ في شرحه: "ثم إن الالتفات من إحدى٢ الطرق الثلاثة إلى آخر٣ منها إنما يسمّى التفاتًا إذا كان على خلاف مقتضى الظاهر، كما يشعر به لفظ النقل، وإيراده في الإخراج لا على مقتضاه، وما ذكر من فائدته العامة"٤ ويردّ عليه أن النقل الذي أشير إليه، هو النقل من صيغة إلى أخرى، وهذا ظاهر عن التأمّل في سياق الكلام المنقول، فلا إشعار فيه بما ذكر، وتعليله على ما نقل عنه في الحاشية "بأن الجاري على مقتضى الظاهر لا يقال فيه: نقل٥" مردود٦ أيضًا، لأنه [إن] أريد: أنه لا يقال فيه نقل على الإطلاق، فمسلّم ولكن لا يجدي نفعًا، لأن الواقع ههنا النقل المقرون بالإشارة٧ الصارفة عن المتبادر عند الإطلاق فلا صحة له كما لا يخفى، ثم إن قوله: "يتحقق الإشعار في إيراد الالتفات في الإخراج لا على مقتضى الظاهر بما
_________________
(١) ١ هو: علي بن محمد بن علي، ويعرف بالشريف الجرجاني، عالم بالعربية له مصنفات عدّة فيها وفي غيرها من الفنون مثل: الفرائض والحديث والمنطق، من مؤلفاته "التعريفات" و"شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم" وله "حاشية على المطوّل" وحاشية على الكشاف لم يتمها. وغير ذلك. توفي بشيراز سنة ٨١٦هـ. - بغية الوعاة ٢/١٩٦- ١٩٧ - الأعلام: ٥/٧. ٢ في (د) أحد. ٣ في (م) الآخر. ٤ شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي للسيد الشريف. مخطوط بمكتبة عارف حكمت تحت رقم (٨٦/٤١٦) بلاغة. والنصّ فيه: "ثم إن الانتقال من طريق من الطرق الثلاثة " لوحة: (٣٨/أ) . ٥ هذا الكلام موجود على حاشية المخطوط السابق وفي اللوحة نفسها، وللنّص الموجود "والإخراج على مقتضى الظاهر ". ٦ سقط من (م) من قوله: مردود أيضًا إلى فيه نقل. ٧ في (م) بالإشارة وإن أريد أنه لا يقال فيه نقل مطلقًا، كان أو مقرونًا بالإشارة الصارفة عن المصادر.
[ ٣٤٣ ]
ذكر"١ مبناه عدم الفرق بين ظاهر المقام وظاهر٢ الكلام؛ فإنّ صاحب المفتاح قد أورد الالتفات في الإخراج على خلاف الظاهر٣ بحسب اقتضاء أسلوب الكلام، وقد نبّهت فيما تقدّم على هذا وعلى الفرق بين الإخراجين. فإن قلت: قد أثبت صاحب المفتاح في أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىقول امرئ القيس٤:
تَطَاوَلَ لَيلُكَ بِالأَثْمُدِ
التفاتًا، وهذا بناءً على أنّ كلًا من المتكلم٥ والخطاب والغيبة، إذا كان مقتضى الظاهر فعدل عنه ٦ إلى الآخر فهو التفات٧ عنده، قلت: نعم، أثبت فيه التفاتًا٨ على خلاف ما عليه الجمهور٩، ومع ذلك لم ينكر
_________________
(١) ١ هذا مما يفهم من كلام السيد الشريف، انظر لوحة (٣٨/أوب) من المخطوط السابق وفي حاشيته على المطوّل أيضًا (١٣١) . ٢ في (د) والظاهر الكلام. ٣ ساقطة من (م) . ٤ امرؤ القيس بن حُجْر بن الحارث، الكندي رأس الطبقة الأولى من الشعراء الجاهليين وهو من أصحاب المعلقات، ومن أوائل شعراء الجاهلية، سبق إلى أشياء ابتدعها، وتبعه الشعراء فيها، انظر: طبقات فحول الشعراء لابن سلام ١/٥١- ٥٥ بتحقيق محمود محمد شاكر. والشعر والشعراء لابن قتيبة ١/٥٠- ٥٧. وهذا شطر من بيت تمامه مع بقية الأبيات كما في ديوانه بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم (١٨٥): تطاول ليلك بالأثمدِ ونام الخليّ ولم ترقدِ وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءني وأنبئته عن أبي الأسود ٥ في (د) المتكلم. ٦ في (د): عند. ٧ في (م) الالتفات. ٨ انظر المفتاح: ٢٠٠ و٢٠٢- ٢٠٤ وانظر شروح التلخيص ٤٦٩- ٤٧١. ٩ وفي هذا البيت: تطاول ليلك بالأثمد ونام الخليّ ولم ترقُد التفات على مذهب السكاكي. وفي رأي الجمهور لا يوجد التفات، انظر شروح التلخيص ١/٤٧٠.
[ ٣٤٤ ]
قد يكون مخالفًا للقديم، كما إذا كان المقام مقام الخطاب، وشرع١ في الكلام على أسلوب الغيبة، وقد مرّ مثاله من التنزيل، فلو اعتبر في مثل ذلك الحادث بعد الشروع يلزم أن يكون الكلام على مقتضى الظاهر من وجه وعلى خلافه من وجه، ولا وجه لترجيح الحادث على القديم، وإسقاطه على٢ حيّز الاعتبار بالكليّة؛ إذ يلزم حينئذٍ٣ أن لا يتحقق مقتضى المقام من جهة الكلام قبل الشروع بل عنده أيضًا، ما لم يتقرر أسلوبه، ولا مجال لأن يقال: أنهم اعتبروا القديم قبل حدوث ٤ المعارض، وأسقطوا [ما] بعده، إذ لا مستند لهذا التفصيل من جهة السلف، كما لا يخفى على من تتبّع وأنصف، وبالتجنب عن التعسف٥ اتّصف.
ثمّ إنّ ما زعمه من الإشعار فيما ذكره٦ من الفائدة العامة للالتفات بكونه على مقتضى الظاهر -مردود أيضًا؛ لأن مدار تلك الفائدة على العدول من أسلوب إلى آخر سواء كان العدول عنه على مقتضى الظاهر أو لا، على ما تقف على ذلك بإذن الله تعالى.
لا يُقال: المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص، وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه٧، وما ذكرته٨ تفسير
_________________
(١) ١ في م: (وشروع) . ٢ في د: عن. ٣ في النسختين (ح) . ٤ في د: فيه حدوث المعارض وأسقطوه بعده. ٥ في م: (التعصب) . ٦ في د: ذكر. ٧ ورد في التلخيص: (٨٦) "والمشهور أن الالتفات هو التبعير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير بآخر منها". وذكر التفتازاني أن هذا هو المشهور عند الجمهور. (شرح التلخيص المعروف بمختصر المعاني) بهامش التلخيص: (٨٦) وكذا في المطوّل على التلخيص (١٣٠- ١٣١) . ٨ في (م) وما ذكر.
[ ٣٤٥ ]
قد يكون مخالفًا للقديم، كما إذا كان المقام مقام الخطاب، وشرع١ في الكلام على أسلوب الغيبة، وقد مرّ مثاله من التنزيل، فلو اعتبر في مثل ذلك الحادث بعد الشروع يلزم أن يكون الكلام على مقتضى الظاهر من وجه وعلى خلافه من وجه، ولا وجه لترجيح الحادث على القديم، وإسقاطه على٢ حيّز الاعتبار بالكليّة؛ إذ يلزم حينئذٍ٣ أن لا يتحقق مقتضى المقام من جهة الكلام قبل الشروع بل عنده أيضًا، ما لم يتقرر أسلوبه، ولا مجال لأن يقال: أنهم اعتبروا القديم قبل حدوث ٤ المعارض، وأسقطوا [ما] بعده، إذ لا مستند لهذا التفصيل من جهة السلف، كما لا يخفى على من تتبّع وأنصف، وبالتجنب عن التعسف٥ اتّصف.
ثمّ إنّ ما زعمه من الإشعار فيما ذكره٦ من الفائدة العامة للالتفات بكونه على مقتضى الظاهر -مردود أيضًا؛ لأن مدار تلك الفائدة على العدول من أسلوب إلى آخر سواء كان العدول عنه على مقتضى الظاهر أو لا، على ما تقف على ذلك بإذن الله تعالى.
لا يُقال: المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص، وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه٧، وما ذكرته٨ تفسير
_________________
(١) ١ في م: (وشروع) . ٢ في د: عن. ٣ في النسختين (ح) . ٤ في د: فيه حدوث المعارض وأسقطوه بعده. ٥ في م: (التعصب) . ٦ في د: ذكر. ٧ ورد في التلخيص: (٨٦) "والمشهور أن الالتفات هو التبعير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير بآخر منها". وذكر التفتازاني أن هذا هو المشهور عند الجمهور. (شرح التلخيص المعروف بمختصر المعاني) بهامش التلخيص: (٨٦) وكذا في المطوّل على التلخيص (١٣٠- ١٣١) . ٨ في (م) وما ذكر.
[ ٣٤٦ ]
محدث له، قلت: بل ما١ ذكرته على وفق إشارة صاحب المفتاح حيث قال: «والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرئة لنشاطه٢، وأملأ٣ باستدرار إصغائه» ٤ ويوافقه ما في الكشّاف٥، وكفى بنا ذانك الشيخان قدوةً، وقد وقفت فيما سبق على أن ما ذكر في التلخيص لا يطّرد إلا باعتبار شرط من الخارج، وذلك خارج٦ عن قانون الحدّ، وما ذكرنا سالم عن المحذور المذكور، وذلك لأن الاختلاف في الأسلوب أخصّ من الاختلاف في التعبير؛ فإنّ الثاني يتحقّق في نحو٧ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِيْن آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاة﴾ ٨ دون الأوّل؛ لأن حق الضمير العائد إلى الموصول أن يكون غائبًا، فلا يتغيّر به الأسلوب وإن تغيّر٩ التعبير حتى احتيج إلى اعتبار قيد زايد للاحتراز عن مثله.
وبما قررناه١٠ تبيّن أن الجمهور لا يرتضي تحديد١١ الالتفات بما ذكر في التلخيص، وأن ما ذكر١٢ في شرحه من نسبته إليهم فرية ما فيها مرية.
ومما يظنّ أنّه من قبيل الالتفات وليس منه قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
_________________
(١) ١ ساقطة من (م) . ٢ في (د) نشاط. ٣ في (م) وإملاءً. ٤ المفتاح بشرح نعيم زرزور: ١٩٩. ٥ انظر الكشاف ١/٦٤. ٦ وذلك خارج ساقط من (م) . ٧ ساقطة من (م) . ٨ آية (٦) من سورة المائدة. ٩ في (د) تغتر. ١٠ في (م): قرّرنا. ١١ في (د) تجديد. ١٢ ساقط من (م)
[ ٣٤٧ ]
تَجْهَلُونَ﴾ ١ أما وجه الظنّ فهو أن الاسم الظاهر غائب فلما عدل عنه إلى الخطاب في تجهلون تحقق الالتفات، وأمّا أنه ليس منه فلأنّ في عبارة القوم [جهتا غيبة] ٢ وخطاب؛ وذلك لأنّها اسم ظاهر غائب وقد حمل على ﴿أَنْتُمْ﴾ فصار عبارة عن المخاطب، ثم إنّه٣ وصف ﴿تَجْهَلُوْنَ﴾ اعتبارًا لجانب خطابه المستفاد من حمله على ﴿أَنْتُمْ﴾ ٤ وترجيحًا له على جانب غيبته الثابت في نفسه؛ لأن الخطاب أشرف وأدل وجانب المعنى أقوى وأكمل٥، فهو بالحقيقة اعتبار لجانب المعنى، وتغليب له على جهة اللفظ، فإنّ الغيبة في لفظ (القوم) ومعناه الخطاب٦، وبهذا القدر من الاعتبار لا يتغير٧ الأسلوب، ولا يتحقق النقل من طريق إلى آخر، وعلى هذا القياس قول علي ﵁: "أنا الَّذي سمّتْنِي أمِّي حَيْدَرَة"٨.
_________________
(١) ١ آية: ٥٥ من سورة النمل. وورد في النسختين (وأنتم) وهو خطأ. ٢ في (د) جها عينة وخطاب. وفي (م) جهتا فيه غيبة وخطاب. وما أثبتّه يقتضيه السياق. ٣ في (م): إنّ. ٤ ساقط من (د) . ٥ في (د) وكمل. ٦ في (د) المخاطب. ٧ في (م) لا يتغير به. في (م) خلط واضح وسقط فقد ورد: "لا يتغير به الأسلوب وإن تغيّر التعبير حتى احتيج إلى اعتبار قيد زائد للاحتراز عن مثله وبما قررناه تبين. وعلى هذا القياس قول علي ﵁. ٨ هذا الرجز لعلي بن أبي طالب ﵁ كما في اللسان مادة (حدر) ٤/١٧٤ وفيه: أنا الّذي سمّتني أمِّي الحيدره كليث غاباتٍ غليظِ القَصَره أكليلكم بالسيف كيل السَّندره والحيدرة: الأسد. وورد في شرح الحماسة للمرزوقي (١/١١٥) ولكن دون نسبة. وفي ص (٤٠٧) أشار إلى أنه منسوب إلى علي ﵁ ولم يجزم بذلك. اللسان:
[ ٣٤٨ ]
قال المرزوقي١ في شرح قول٢ الحماسة٣:
[وَإِنَّا] ٤ لَقَوْمٌ مَا نَرَى٥ القَتْلَ سُبَّةً٦ إِذا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ
"كان الوجه أن يقول: ما يرون القتل سبَّةً٧؛ حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تَعْرى منه، لكنّه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى، وقد جاء في الصلة مثل هذا وهو فيه أفظع، قال:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّيْ حَيْدَرَهْ أَكِيْلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
والوجه سمّته حتى لا تعرى٨ الصلة من ضمير الموصول، قال أبو عثمان
_________________
(١) ١ في (د) قال الإمام المرزوقي. والمرزوقي هو: أحمد بن محمد بن الحسن، أبو عليّ، من أهل أصبهان، العالم الأديب، كان حجة في وقته، له عدد من المؤلفات أهمها: (شرح الحماسة) و(شرح أشعار هذيل) و(شرح المفضليات) و(شرح الفصيح) وتوفي سنة ٤٢١هـ. انظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة: ١/١٤١، وبغية الوعاة: ١/٣٦٥. ٢ في (م): قوله. ٣ هذا البيت لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي. أو للسّموأل بن عاديا كما في شرح الحماسة ١/١١٠، ١١٤. ٤ في النسختين: وإنّي. وما أثبته من الحماسة. والسياق يتطلّبه. ٥في (م) ما ترى. ٦ في (م) سيئة. ٧ في (م) سيئة. ٨ في (م) نعرى.
[ ٣٤٩ ]
المازني١: لولا صحة مورده وتكرره لرددته» ٢ والشريف الفاضل٣ لغفوله عمّا قررناه قال٤ في شرحه للمفتاح: «لا يبعد أن يجعل مثل٥: أنا الذي سمّتني أُمِّي حيدرة، وأنت الذي أخلفتني، ونحن قوم فعلنا، وأنتم قوم تجهلون - من باب الالتفات من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب"٦.
وممّا يشبه الالتفات وليس منه: ما في قوله تعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ٧ من تغيُّر٨ الأسلوب والعدول عن مقتضى ظاهر الكلام؛ وذلك أن موجب طرد الكلام على أسلوب ما سبق من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيْعُوا الله وَأَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ﴾ ٩ وسوقه١٠ على مقتضى الظاهر هو أن يقال: فإن تولّوا١١ فإنّما١٢ عليهم ما حمّلوا وعليك ما حمّلت، وإنّما قلنا إنّه
_________________
(١) ١ هو: بكر بن محمد بن بقية، وقيل بكر بن بقية، أبو عثمان المازني، من بني مازن بن شيبان، نزل في بني مازن فنسب إليهم، وهو عالم نحوي بصري من مشاهير العلماء، له من التصانيف: (ما يلحن فيه العامة) و(الألف واللام) و(الديباج) وغير ذلك توفي سنة ٢٤٨، وقيل سنة ٢٤٩هـ. انظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة ١/٢٨١- ٢٩١. وبغية الوعاة ١/٤٦٣- ٤٦٦. ٢ شرح الحماسة (١/١١٤- ١١٥) وفيه: "كان وجه الكلام أن يقول..". ٣ في (م) والفاضل الشريف. ٤ ساقط من (م) . ٥ ساقط من (م) . ٦ شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي لوحة (٣٨/أ) . ٧ آية ٥٤ من سورة النور. ٨ في (م) تغيير. ٩ آية (٥٤) من سورة النور: والآية تامة: ﴿قُلْ أَطِيْعُوا الله وأَطِيْعُوا الرَّسُول فإن توَلَّوا فَإِنَّما عليه ما حُمِّل وعلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تطيعُوه تهتدوا وما على الرَّسُول إلا البلاغُ المُبِيْن﴾ . ١٠ في (م) ويسوقه. ١١ في (م): تتولوا. ١٢ ساقط من (م) .
[ ٣٥٠ ]
ليس منه؛ لعدم النقل عن أحد الطرق الثلاثة إلى الآخر منها؛ فإن المتحقق١ في قوله تعالى٢: ﴿قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ﴾ تنزيلهم منزلة الغائبين٣، لا سوق الكلام٤ معهم على طريق الغائبة، والفرق واضح وإن خفي على صاحب الكشف حيث قال: "هو٥ التفات حقيقي؛ لأنّه٦ جعلهم غُيّبًا، حيث أمر الرسول [ﷺ] بخطابهم في٧ قوله ﴿قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ﴾ ثم خاطبهم بقوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ٨. وقد نبّه صاحب الكشاف٩ على ما ذكرنا من عدم الالتفات حقيقة فيما ذكر لفقد شرط النقل حيث قال: "صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات"١٠ يعني أن مقتضى الظاهر نظم الكلام على الغيبة، ولما صرف عنها كان على طريقة الالتفات وإن لم يكن منه لعدم تحقّق النّقل عن الغيبة، حيث لم يوجب١١ سوق الكلام على صيغتها١٢، ففي إقحام عبارة الطريقة وذكر الصرف دون النّقل تنبيه على ما ذكرنا، فافهم.
_________________
(١) ١ في (م): التحقيق. ٢ ساقط من (د) . ٣ ساقط من (د) . ٤ حدث في (م) خلط هنا فقد ورد: لا سوق الكلام عن أحد الطرق الثلاث منها فإن المتحقق في قوله تعالى معهم على طريق الغائبة والفرق.. ٥ ساقط من (م) . ٦ في (م): لأنهم. ٧ في (م) قل قوله. ٨ انظر حاشية الشهاب الخفاجي ٦/٣٩٦ فقد ذكر هذا الرأي ثم عقب عليه بقوله: "وقيل إنه من تلوين الخطاب إذ عدل عن خطاب الرسول ﵊ إلى خطابهم بالذات فليس مندرجًا تحت القول". ٩ في (م) الكشف. ١٠ الكشاف: ٣/٧٣. ١١ في (م) يوجد. ١٢ في (م): صيغها.
[ ٣٥١ ]
ومن ههنا وما١ تقدم بيانه تبيّن أنّ كلًا من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة٢ إلى أخرى - أعمّ من الآخر من وجهٍ؛ ولذلك جمعنا بينهما في تفسير٣ الالتفات، وظهر لك شعبة أخرى لتلوين الخطاب، وهي: ما يوجد فيه تغيير الأسلوب دون النّقل.
فاعلم أن أنواع الالتفات بحسب النّقل من كل واحدة من الصيغ الثلاث٤ إلى إحدى الأخريين ستّة٥، وقد أفصح عن هذا صاحب المفتاح بقوله: "بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل٦ كل واحد منها إلى الآخر، ويسمّى هذا النقل التفاتًا عند علماء علم المعاني٧" وإن قصر عنه بيان صاحب الكشاف بقوله: "هذا يسمّى الالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم"٨ حيث اقتصر على٩ ذكر أنواعه الثلاثة، وقوله: "في علم البيان" لا ينافي قول صاحب المفتاح "عند علماء المعاني" لأنه أراد بالبيان علم البلاغة الشامل١٠ للمعاني والبيان١١،
_________________
(١) ١ ساقط من (م) . ٢ في (م) صيغة أخرى. وفي (د): صيغة وإلى أخرى. ٣ في (د): تغيير. ٤ في (د) الثلاثة. ٥ في (د) سنة. ٦ في (د) نقل. ٧ المفتاح بشرح نعيم زرزور: ١٩٩. ٨ الكشاف: ١/٦٢. ٩ في (م): على الأنواع الثلاثة. ١٠ في (م): الشاملة. ١١ ساقط من (م) . وقد ذكر السيد الشريف في حاشية على الكشاف أن الزمخشري أراد بعلم البيان العلوم الثلاثة: انظر حاشية الكشاف ١/٦٣.
[ ٣٥٢ ]
وإنما كان الالتفات من علم المعاني لأن ما يترتب١ عليه من الفوائد من جملة خواصّ التراكيب التي يبحث عنها في العلم المذكور.
وأمّا ما قيل: "يُبحث عنه في علمي٢ البلاغة والبديع، أمّا في المعاني فباعتبار كونه على خلاف مقتضى الظاهر، وأمّا في البيان فباعتبار أنَّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء، [وخفاء] ٣ وبهذين الاعتبارين يفيد الكلام حسنًا ذاتيًا للبلاغة، وأمّا في البديع فمن حيث إنّ فيه جمعًا بين صورٍ متقابلة في معنى واحد فكان من محسّناته المعنوية٤" - ففيه نظر؛ أمّا أوّلًا: فلأن مجرد كونه على خلاف مقتضى الظاهر لا يكفي في دخوله في علم المعاني، وهذا ظاهر٥ عند من له أدنى تأمل في حدّ العلم المذكور.
وأمّا ثانيًا: فلأن اعتبار أنّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء [وخفاء]، غير كافٍ في دخوله في علم البيان؛ بل لابدّ معه أن يكون ذلك الاختلاف بحسب الدلالة العقلية، وهو مفقود٦ في الالتفات، ولذلك لم يورده صاحب المفتاح في البيان واقتصر على إيراده في٧ المعاني والبديع ٨.
_________________
(١) ١ في (د): ما يترب. ٢ في (د): علم. ٣ هذه الزيادة من حاشية السيد الشريف على الكشاف. ٤ هذا الكلام موجود بنصه في حاشية السيد الشريف على الكشاف ١/٦٣ وقد نقله هو أيضًا حيث قال: "قال بعض الأفاضل". ٥ ساقط من (م) . ٦ في (م) وهو مفقود في الدلالة العقلية الالتفات. ٧ في (م) في علم المعاني والبيان. ٨ انظر المفتاح بشرح نعيم زرزور: ١٩٩ وما بعدها (في علم المعاني) وأورده في البديع المعنوي: أيضًا ص: ٤٢٩.
[ ٣٥٣ ]
وعدّه خلاف مقتضى الظاهر من الكناية١ لا يجدي نفعًا في كونه من البيان؛ لأنه ليس منها حقيقة؛ كيف وهي من أقسام اللفظ، والخلاف المذكور ليس من جنس اللفظ، وكذا إخراج الكلام عليه ليس منه، وإنّما عدّه من الكناية لما بينهما من المشابهة، والشريف الفاضل لغفوله عن هذا قال في شرح المفتاح في حاشيته "وكونه من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر المندرج تحت الكناية؛ لا يوجب كونه من مباحث البيان كسائر الجزئيات المندرجة تحت ٢ قواعده؛ لأن الأحكام الجزئية المندرجة تحت٣ قواعد علم [البيان٤] فروعٌ وثمراتٌ لمسائله، إذ ليست مبحوثًا عنها بخصوصيّاتها"٥.
ثم إن موجب تعليله بقوله: "لأن الأحكام" الخ. على تقدير تمامه هو إيجاب ما ذكر من الاندراج عدم كونه من مباحث البيان لا عدم إيجاب كونه منها، وإنّما قلنا: "على تقدير تمامه" لأنه محل نظر، فتدبّر.
وهذا الكلام قد وقع في البيان٦ استطرادًا٧، فلنعد إلى ما كنّا فيه من تفصيل أنواع الالتفات الحاصلة من ضرب الثلاث في الاثنين٨، فنقول: أحدها:
_________________
(١) ١ ذكر السيد الشريف في حاشيته على الكشاف "إن صاحب المفتاح أورده تارة في المعاني وأخرى في البديع، وفي عده خلاف مقتضى الظاهر كناية إيماء إلى أنّه من البيان أيضًا" ١/٦٣. ٢ في (د): في. ٣ في (د): في. ٤ هذه الزيادة من شرح السيد الشريف للمفتاح. ٥ شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي: (٣٨/ب) . ٦ في (د): البين. ٧ في (د): استطراد. ٨ المراد بالثلاث: التكلم والخطاب والغيبة ينقل كل واحد منها إلى الآخرين. فيكون المجموع ستة التفاتات.
[ ٣٥٤ ]
الالتفات من التكلم إلى الخطاب: ومثاله من التنزيل ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ ١ وذلك أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ المخاطبون، والمعنى: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم فالمعبّر عنه في الجميع هو المخاطبون، ولمّا عبّر عنهم بصيغة التكلم كان مقتضى٢ الظاهر أن لا يغيّر أسلوب الكلام، بل يجري اللاحق على سنن السابق، ويقال: وإليه٣ أرجع، فلمّا عدل عنه إلى ما٤ ذكر تحقق الالتفات٥.
ومن الشعر:
تَذَكَّرْتَ والذِّكْرَى تَهِيْجُكَ زَيْنَبَا وَأَصْبَحَ باقِي وَصْلِها قَدْ تَقضَّبا٦
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة يس والآية من شواهد المصباح في المعاني والبيان والبديع لابن الناظم: ٣١، والتلخيص (٨٧) والإيضاح (١٥٨) . ٢ في (م): المقتضى. ٣ ساقط: من (م) . ٤ ساقط: من (د) . ٥ انظر الكشاف ٣/٣١٩ فقد قال عند تفسير هذه الآية: «ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم، يتلطف بهم ويداريهم، ولأنّه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه، ولقد وضع قوله ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ مكان قوله: "وما لكم لا تعبدون الذي فطركم. ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾؟ ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع". - وقد أورد ابن الأثير الآية وجعلها مثالًا (للرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة وذكر مثل كلام الزمخشري السابق في تحليل الالتفات. (المثل السائر ٢/١٧٣) . ٦ البيت لربيعة بن مقروم الضبِّي شاعر مخضرم شهد القادسية وجلولاء، وهو من شعراء مضر المعدودين. (الشعر والشعراء ١/١٥٧) . والبيت مطلع قصيدة للشاعر في الأصمعيات (٢٢٤) . وفي المفضيليات (٣٧٥) . وضبط في المفضليات بضم تاء (تذكرتُ) وبفتحها في الأصمعيات. وفي الاختيارين (٥٨١) ضبط بالفتح أيضًا والبيت من شواهد المفتاح (١١٩) والمصباح (٣٢) والإيضاح (١/١٥٧) .
[ ٣٥٥ ]
إن قُرئ (تذكرتَ) بالفتح كما هو الرواية، فالالتفات فيه على رأي صاحب المفتاح؛ حيث كان الظاهر ضمّها على التكلم ١ فعدل عنه إلى الخطاب، وإن قُرِئ بالضمّ فالالتفات في (يهيجك) وهذا باتفاق٢.
وثانيها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة: ومثاله من التنزيل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ ٣ كان الظاهر أن يقال: فصلّ لنا. قال الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص: "وقد كثر في الواحد من المتكلم٤ لفظ الجمع تعظيمًا له لعدّهم٥ المعظّم كالجماعة، ولم يجيء ذلك للغائب والمخاطب في الكلام القديم، وإنّما هو استعمال المولّدين كقوله:
بِأَيِّ نَوَاحِي الأَرْضِ أَبْغِي وِصَالَكُمْ وَأَنْتُمْ مُلُوْكٌ مَا لِمَقْصَدِكُمْ نَحْوُ٦
تعظيمًا للمخاطب وتواضعًا من المتكلم٧ وفيه نظر؛ لأنّه قد جاء ذلك للغائب والمخاطب أيضًا في الكلام القديم، أمّا الأول: فقد قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿و٨مَا كَانَ لِمُوْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللهُ ورَسُوْلُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٩ "أي قضى رسول الله [ﷺ]
_________________
(١) ١ في (م): المتكلم. ٢ في (م): بالاتفاق. ٣ الآية (١-٢) من سورة الكوثر، والآية من شواهد: المصباح (٣٣) والتلخيص (١٧) والإيضاح (١٥٨) وشروح التلخيص (١/٤٦٨) . ٤ في (م) التكلم. ٥ في (د): لعدم من. ٦ البيت ورد في المطوّل (١٣٣) دون نسبة إلى قائله. ٧ المطوّل على التلخيص: ١٣٣. ٨ ساقط من (د) . ٩ آية (٣٦) من سروة الأحزاب.
[ ٣٥٦ ]
وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأنّ قضاءَه قضاءُ الله، تعالى١ وجمع الضمير الثاني للتعظيم"٢.
وأمّا الثاني فقد قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَقُوْلُوا٣ رَاعِنَا٤﴾: "وقرأ٥ ابن مسعود: (راعونا٦) على٧ أنهم كانوا٨ [يخاطبونه] ٩ بلفظ الجمع للتوقير"١٠ والفاضل المذكور اعترف١١ بما أنكره ههنا - في بحثه١٢: أن الأمر١٣ للوجوب من التلويح.
ومثال النوع المذكور من الشعر لم يوجد في أشعار الجاهلية، ولذلك لم يورد
_________________
(١) ١ ساقط من (م) . ٢ أنوار التنزيل وأسرار التأويل: ٢/٢٤٦. ٣ في (م): ولا تقولوا. ٤ سورة البقرة من الآية (١٠٤) . ٥ في (م): وقرئ. ٦ في (م): راعونًا (بالتنوين) . و(راعونا) بإسناد الفعل إلى ضمير الجمع، قراءة ابن مسعود وأُبيٍّ، وزِرّ بن حُبيش والأعمش. انظر في ذلك: - مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه: ١٦ مكتبة المتنبي - القاهرة. - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/٤١ دار الكتب العلمية - بيروت ط (١) ١٤٠٨هـ. - والبحر المحيط في التفسير لأبي حيان الأندلسي ١/٥٤٢، المكتبة التجارية-مكة المكرمة. - والدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي ٢/٥١، تحقيق د/أحمد الخراط، دار القلم - دمشق ط (١) ١٤٠٦هـ. ٧ في (د): علم. ٨ في (د): كان. ٩ في النسختين: يخاطبون وما أثبته من الكشاف. ١٠ الكشاف: ١/٣٠٢. ١١ في (م): أعرف. ١٢ في (د): بحث. ١٣ في (د): أمر.
[ ٣٥٧ ]
صاحب المفتاح مثالًا له١ إلاّ أنَّه لم يصب في ذلك، لأن وجود مثاله في التنزيل كان كافيًا، فلا وجه لاقتصاره على إيراد المثال للأقسام الخمسة٢.
وثالثها: الالتفات من الخطاب إلى التكلم، ومثاله لم يوجد في التنزيل، وأمّا مثاله من الشعر فقوله٣:
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوبُ بُعيْدَ٤ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيْبُ٥
يُكَلِّفُنِي لَيْلَى وقد شَطَّ وَلْيُها٦ وَعَادتْ عَوَادٍ بَيْنَناَ وخُطُوبُ
التفت من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم؛ حيث لم يقل يكلّفك، وفاعل يكلفني ضميرُ القلب، وليلى مفعوله الثاني، والمعنى: يكلفني ذلك القلب ليلى ويطالبني بوصلها.
ورابعها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة؛ ومثاله من التنزيل: ﴿حَتَّى إِذَا
_________________
(١) ١ ساقط من (م) . ٢ ساقط من (م) . ٣ البيتان لعلقمة الفحل، شاعر جاهلي معاصر لامرئ القيس: وهما في ديوانه بشرح الأعلم تقديم د. حنّا نصر الحتّي: (٢٣) . وفيه: تُكلفني. بدل: يكلفّني. وذكر ذلك التفتازاني في شرح التلخيص أيضًا فقال: «وروي تكلفني بالتاء الفوقانية على أنه مسند إلى ليلى، والمفعول محذوف: أي شدائد فراقها أو على أنه خطاب للقلب فيكون التفاتًا آخر من الغيبة إلى الخطاب» شرح التلخيص بهامش كتاب التخليص (٨٨) . ووردت رواية تكلفني أيضًا في المصباح: (٣٢) وانظر أيضًا شروح التلخيص ١/٤٦٨- ٤٦٩، فقد ورد فيها تحليل الالتفات على الروايتين وكذلك في معاهد التنصيص على شواهد التلخيص ١/١٧٣- ١٧٤. ٤ في (د) يعيد. ٥ بعد البيت في (د) أضاف: أي: زمان قرب المشيب. ورأيت ألا أدخله في المتن. ٦ بعد هذا ورد في (د): أي: بعد قربها. (ورأيت ألا أدخل هذا التفسير في المتن) وفي (م): أي بعد قربها أي بعد. والوَلْيُ: العهد، وما وَلِيَهُ من قربها وجوارها.
[ ٣٥٨ ]
كنتم الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ١ كان الظاهر أن يقال: وجرين بكم.
ومن الشعر قوله٢:
إنْ تَسْأَلوا الحقَّ نُعطِ٣ الحقَّ سائِلَهُ والدِّرْعُ مُحْقَبَةٌ والسَّيْفُ مَقْرُوبُ٤
التفت في (سائله) من الخطاب إلى الغيبة.
وخامسها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب؛ ومثاله من التنزيل: ﴿مالكِ يومِ الدِّيْن. إيَّاكَ نَعْبُدُ٥﴾ كان الظاهر أن يقول: إيّاه نعبد.
ومن الشعر:
طَرَقَ الخَياَلُ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلجِ سَدِكًا٦ بِأَرْحُلِنَا وَلَمْ يَتَعَرَّجِ
أنَّى اهْتَدَيْتِ٧ وَكُنْتِ [غير] رجِيْلَةٍ٨ والقومُ قَدْ٩ قَطَعُوا متان١٠السَّجْسَجِ١١
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة يونس والآية من شواهد المصباح (٣٤) والتلخيص (٨٨) والإيضاح (١/١٥٨) . ٢ ساقط من (م) . والبيت من الشواهد البلاغية، وهو لعبد الله بن عنمة كما ورد في المفتاح (٢٠٠) والإيضاح (١٥٦، ١٥٩) . ٣ في (م): تعط. ٤ محقبة: محمولة خلفنا في الركاب. وكل شيء شدّ في مؤخّر رحل أو قتب فقد احتُقِب. مقروب: موضوع في قرابه. وهو غمده. ٥ آية (٤-٥) من سورة الفاتحة والآية من شواهد المفتاح: ٢٠١، والمصباح: ٣٤، والإيضاح ١/١٥٨، والتلخيص (٨٨) وشروحه: ١/٤٦٩، ٤٧١. ٦ في (م): شدكا. والسَّدك: المولع بالشيء. لم يتعرّج: لم يُقِمْ. ٧ في (د) أضاف هنا كلمة (لنا) . ٨ في (م): صله وفي (د) رحيلة. وما أثبتّه من ديوان الشاعر. والرجيلة: القوّية على المشي. ٩ ساقط من (م) . ١٠في (د): مثال. والمتان: جمع متن، وهو ما صلب من الأرض وارتفع. والسجسج: الأرض الواسعة. ١١ في (د): السجع وفي (م) بسميج، والبيتان للحارث بن حلزة اليشكري، الشاعر الجاهلي، وهما في ديوانه جمع وتحقيق د. إميل بديع يعقوب ص ٤٢. وهما من شواهد المفتاح: ٢٠٠، والبيت الثاني فيه: أنى اهتديت لنا وكنت رحيلة والقوم قد قطعوا متان السجيج وورد أيضًا في المصباح: (٣٣) والشطر الأول من البيت الثاني يوافق ما في المفتاح.
[ ٣٥٩ ]
التفت في البيت الثاني من الغيبة إلى الخطاب، حيث قال: (اهتديت) وكان الظاهر أن يقول: اهتدى١.
وسادسها: الالتفات٢ من الغيبة إلى التكلم، ومثاله من التنزيل: ﴿والله الَّذِيْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيْرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ ٣ كان الظاهر أن يقال: فساقه٤.
ومن الشعر قوله٥:
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ ونَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
وبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ كَلَيْلةِ ذِيْ العَائِر الأرْمَدِ
وَذَلِكَ مِنْ نَبإٍ جاءَنِيْ وخُبِّرْتُه٦ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ
التفت في (جاءني) ٧ من الغيبة إلى التكلم، وكان الظاهر أن يقول: جاءه. وقال صاحب المفتاح٨: "فالتفت - يعني امرأ القيس - في الأبيات [الثلاثة] "٩ أراد أنه التفت في كل بيت. وكلام صاحب الكشاف في هذا المعنى أظهر؛ حيث
_________________
(١) ١ الكلمة هنا غير واضحة في النسختين ففي (د): ابتدى. وفي (م): أتهدى. ٢ ساقط من (م) . ٣ الآية (٩) من سورة فاطر. ٤ في النسختين: فسقاه. ولعل الصواب ما أثبته. ٥ الأبيات لامرئ القيس ومرّ توثيقها من ديوانه والأبيات من شواهد المفتاح: (٢٠٠) والمصباح (٣٥) . ٦ في (م): وخيّرته. وفي الديوان: وأُنْبِئْتُهُ. ٧ في (م): جاء. ٨ في (م): التلويح. ٩ في النسختين: الثلاث. والنصّ في المفتاح: ٢٠٠.
[ ٣٦٠ ]
قال: "التفت [امرؤ] ١ القيس ثلاث التفاتات في [ثلاثة] ٢ أبيات"٣ فإنه نصّ في الثلاث٤ وظاهر٥ في التوزيع؛ أمّا في الأول: فمن التكلم إلى الخطاب؛ إذا القياس: (تطاول ليلى) .
وأمّا في الثاني: فمن الخطاب إلى الغيبة؛ حيث قال: (وبات) والقياس: (وبتَّ) على الخطاب.
وأمّا٦ في الثالث: فقد مرّ بيانه٧.
وهذا القول من صاحب الكشاف صريح٨ في أنَّ سَبْقَ طريق آخر تحقيقًا ليس بشرطٍ في٩ الالتفات. فالمخالفة١٠ للجهمور في هذا الخصوص ليست من
_________________
(١) ١ في النسختين: امرئ القيس. وهو خطأ نحويٌّ واضح. ٢ في النسختين: ثلاث. ٣ الكشاف: ١/٦٣، وقال السيد الشريف في حاشيته على الكشاف مبينًا مراد الزمخشري: "قوله: ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات، يجري مجرى النّص على أن في كل بيت منها التفاتًا، فيكون (ليلك) التفاتًا من التكلم إلى الخطاب، فتعيّن أن الالتفات عنده مخالفة الظاهر في التعبير عن الشيء بالعدول عن إحدى الطرق الثلاث إلى أخرى منها، إمّا تحقيقًا وإمّا تقديرًا، كما اختاره الإمام السكاكي، ومنهم من اشترط في الالتفات سبق التعبير بالطريق المعدول عنه، وحاول تطبيق كلام المصنف عليه. فزعم أن الالتفات الأول في (بات) من الخطاب إلى الغيبة، والثاني في (ذلك) من الغيبة إلى الخطاب، والثالث في (جاءني) من الخطاب إلى التكلم، ورد بأن حرف الخطاب جار على أصله من كونه لمن يتلقى عنه الكلام؛ لا أنه خاطب به نفسه؛ ولذلك لم يعدّ السكاكي في الأبيات الثلاثة أربع التفاتات" حاشية السيد الشريف على الكشاف ١/٦٣. ٤ في (د): التثليث. ٥ في (م): ونص. ٦ ساقط من (م) . (التفت في (جاءني) من الغيبة إلى التكلم. ٨ ساقط من (د) . ٩ في (م) لأن الالتفات. ١٠ في (م): لمخالفة.
[ ٣٦١ ]
خصائص صاحب المفتاح، بل هو١ مقلّد فيها لصاحب الكشّاف٢، فحقُّ ذلك المذهب أن يُنسب إليه لا إلى صاحب المفتاح؛ لأن القول حقُّه أن ينسب إلى من سبق به٣.
لا يقال: إن في لفظ٤ (ذلك) التفاتًا من الغيبة إلى الخطاب؛ فيكون في تلك الأبيات٥ ثلاثة التفاتات٦ على مذهب الجمهور أيضًا، فلا ضرورة٧ إلى٨ حمل قول صاحب الكشاف٩ على خلاف ما عليه الجمهور، لأنّا نقول: الالتفات١٠ فيما ذكر غير متعين، إذ يجوز أن يكون الكاف خطابًا لغيره لا لنفسه؛ على أن قول صاحب الكشاف على ما نبهت فيما تقدم - صريحٌ في
_________________
(١) ١ ساقط من (م) . ٢ هذا التعقيب جيد من المؤلف، وقد ذكر السيد الشريف في حاشيته على الكشاف أن الزمخشري يرى "أن الالتفات عنده مخالفة الظاهر في التعبير عن الشيء بالعدول عن إحدى الطرق الثلاث إلى أخرى منها، إما تحقيقًا وإما تقديرًا" وأشار إلى أن ذلك اختيار السكاكي، ولعل نسبة هذا القول إلى السكاكي يعود إلى اشتهاره عنه، وإلى شهرة كتابه المفتاح وكثرة شروحه وحواشيه، ولذلك تنوسي السابق وهو الزمخشري. ٣ ساقط من (م) . ٤ ساقط من (د) . ٥ في (د): الأثبات. ٦ في (د): التفات. ٧ في (م): فلا حاجة إلى حمل. ٨ في (د): في. ٩ ساقط من (م) . ١٠ في (م): التفات.
[ ٣٦٢ ]
توزيع الالتفاتات١ على الأبيات الثلاثة٢، وعلى ما ذكر لا يصح ذلك. اعلم أنه قد دار في ألسنة أرباب البلاغة أن [امرأ] ٣ القيس التفت ثلاث مرات٤ في [ثلاثة] ٥ أبيات، واستغربوا ذلك غاية٦ الاستغراب وزعموا أنه ثمرة الغراب٧، وقد وقع في كلامه تعالى٨ التفاتان في مقدار نصف مصراع البيت؛ وذلك أغرب، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوْا إِلى اللهِ﴾ ٩ فإنَّ في ﴿رُدُّوا﴾ التفاتًا من الخطاب إلى الغيبة، وفي قوله: ﴿إِلى اللهِ﴾ ١٠ التفاتًا١١ من التكلم إلى الغيبة؛ لأن سياقه قوله تعالى: ﴿حَتَّى١٢ إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُوْنَ﴾ ١٣.
_________________
(١) ١ في (د): الالتفات. ٢ قوله: على الأبيات الثلاثة ساقط من (م) . ٣ في النسختين: امرئ القيس. وهو خطأ ظاهر ٤ في (د): مرّة. ٥ في النسختين: ثلاث. ٦ قوله: (غاية الاستغراب) ساقط من (م) . ٧ في (د): الغزاب. والمراد بثمرة الغراب "أن الرجل إذا أصاب عند صاحبه أفضل ما يريد من الخير والخصب قالوا: وجد ثمرة الغراب، وذلك أن الغراب إنما يبتغي من الثمر أجوده وأنضجه لقرب تناوله عليه في رؤوس النخل" ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي ٤٦٣. ٨ من قوله (التفاتًا) إلى قوله: (تعالى) ساقط من (م) . ٩ الآية ٦٢ من سورة الأنعام. ١٠ في (م) إلى أنه. ١١ ساقط من (م) . ١٢ ساقط من (م) . ١٣ الآية ٦١ من سورة الأنعام وسياق الآيتين - حتى يتضح الالتفات - هو ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ .
[ ٣٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَه لِنُرِيَهُ١ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ٢ على قراءة ﴿لِيُرِيَه﴾ ٣ بياء الغيبة، فإن فيه التفاتًا من التكلم إلى الغيبة ثم من الغيبة إلى التكلم.
ومن ههنا تبيّن فساد ما قيل: شرط الالتفات أن يكون التعبيران في [كلامين] ٤.
_________________
(١) ١ في (م) ليريه. ٢ من الآية (١) من سورة الإسراء، والآية بتمامها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وهذه القراءة (ليريه وردت عن الحسن. انظر في ذلك: - الكشاف: ٢/٤٣٧. - البحر المحيط: ٧/١٠. - الدرّ المصون ٧/٣٠٧. وقد بيّن صاحب الدرٍّ المصون الالتفات فقال: "وقرأ الحسن (ليريه) بالياء من تحت، أي الله تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعة التفاتات، وذلك أنّه التفت أوّلًا من الغيبة في قوله ﴿أسرى بعبده﴾ إلى التكلم في قوله ﴿باركنا﴾ ثم التفت ثانيًا من التكلم في ﴿باركنا﴾ إلى الغيبة في ﴿ليريه﴾ على هذه القراءة، ثم التفت من هذه الغيبة إلى التكلم في ﴿آياتنا﴾، ثم التفت رابعًا من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿إنّه هو﴾ على الصحيح في الضمير أنه لله..". ٣ في (د): يريه. ٤ في النسختين: الكلامين. والصواب ما أثبتّه. انظر/ المطوّل: ١٣١. والآية التي استشهد بها وهذا الشرط الذي ذكره لعله نقله بتصرف عن المطوّل، فقد ورد فيه: "ومن الناس من زاد الإخراج بعض ما ذكرنا قيدًا وهو أن يكون التعبيران في كلامين، وهو غلط؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿باركنا حوله ليريه من آياتنا﴾ فيمن قرأ بياء الغيبة فيه التفات من التكلم إلى الغيبة ثم من الغيبة إلى التكلم مع أن قوله ﴿من آياتنا﴾ ليس بكلام آخر بل هو من متعلقات ليريه ومتمماته" المطول: ١٣١. وذكر د/نزيه عبد الحميد أنّ من شرط الالتفات: "أن يكون الالتفات في جملتين وقد صرح بذلك صاحب الكشاف وغيره" ثم قال: "والظاهر أنهم إنما يريدون بالجملتين الكلامين المستقلّين حتى يمتنع الالتفات بين الشروط وجوابه مثلًا وفي هذا الشرط نظر، فقد وقع في القرآن مواضع الالتفات فيها وقع في كلام واحد، وإن لم يكن بين جزأي الجملة" أسلوب الالتفات ١٣.
[ ٣٦٤ ]
والفوائد العامّة لأنواع الالتفات هي: حسن التطرئة١ لأسلوب الكلام، تنشيطًا للسامع٢، فإن الطبع قد يملّ من أسلوب معين، فإذا خرج عنه الكلام [تتجدّد] ٣ له الرغبة إلى الإصغاء ولطف الإيقاظ للسامع٤، وذلك أن الكلام إذا جرى على سنن واحدٍ ربّما يذهل٥ لكونه جريًا على العادة المعهودة، فيفوته المقصود، وزيادة٦ التقرير للمعنى في ذهن السامع، وذلك أن الكلام اللاحق إذا صرف عن أسلوب السابق تستغربه٧ النّفس فتتنبه له، وتنبعث٨ للنظر فيه وتدبّره٩، فيشتد١٠ وقعه فيها، وقال الفاضل التفتازاني في شرحه
_________________
(١) ١ في (د) النظرئة. ٢ ذكر هذه الفائدة الزمخشري في الكشاف ١/٦٤، وقد انتقده ابن الأثير فقال: «وليس الأمر كما ذكره، لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن إلا تطرية لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه، فإن ذلك دليل على أن السامع يملّ من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره، ليجد نشاطًا للاستماع، وهذا قدح في الكلام، لا وصف له، لأنّه لو كان حسنًا لما ملّ" ثم قال أيضًا: "والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تُحدّ بحدّ، ولا تُضبط بضابط.." المثل السائر ٢/١٦٩، وهذا توجيه جيد من ابن الأثير، وفهم لمواقع الانتقال التي تختلف فوائدها بحسب المقام، إذ لا يمكن: أن يكون هناك فائدة واحدة فقط هي التطرية والتنشيط، لو سلّمنا بها. ٣ في النسختين: يتجدد. والسياق يقتضي ما أثبتّه. ٤ في (م) من السامع. ٥ في (د) يذمل. ٦ في (د) ريادة. ٧ في (د): يستغربه وفي (م) يستقر به. ٨ في (م): وتتعب. ٩ في (م): فتدبره. ١٠ في (م) فيشتد به.
[ ٣٦٥ ]
للمفتاح: "الفائدة العامة١ في مطلق الالتفات وجهان يرجع أحدهما إلى المتكلم، وهو قصد التفنّن٢ في الكلام والتصرف فيه بوجوه مختلفة من غير اعتبار لجانب السامع.
وثانيهما٣: إلى السامع، وهو حسن تنشيطه٤ ولطف إيقاظه"٥.
ويردّ عليه أن القصد المذكور لا يصلح٦ فائدة للالتفات. وكان الشريف الفاضل تنبّه لذلك فعدل عنه إلى قوله: "وهي التصرف والافتنان في وجوه الكلام، وإظهار القدرة من التمكن فيها"٧.
ويتّجه عليه أيضًا أنه: إن أريد مطلق التصرف والافتنان٨ حسنًا كان أو قبحًا؛ فلا وجه لعدّه٩ القدرة عليه فضيلة، وإن أريد التصرف والافتنان على وجه يتضمّن١٠ الخاصية والمزية فترجع الفائدة إلى تلك الخاصية١١، فينقلب خاصّة فتدبّر.
_________________
(١) ١ ساقط من (د) . ٢ في (م) التنفس. ٣ في (د) والثاني. ٤ في (د) تنشيط. ٥ لم أعثر على هذا النقل عند التفتازاني في شرحه للمفتاح، فقد بحثت عنه في نسختين مخطوطتين بمكتبة عارف حكمت الأولى برقم (٧٩/٤١٦) وفيها الالتفات من (٦١/أ) إلى (٦٧/أ) والأخرى برقم (٨٢/٤١٦) والالتفات فيها من (٥٠/ب) إلى (٥٥/أ) . ٦ في (م): لا يصلح التفاتًا. ٧ لم أعثر على هذا القول في شرح المفتاح للشريف الفاضل، ولا في حاشيته على المطوّل. ٨ في (د): الأفشان. ٩ في (د): بعد. ١٠ في (د): تتضمّن. ١١ في (م) الخاصة.
[ ٣٦٦ ]
ولا يذهب عليك أن الفوائد المذكورة إنما تترتب على الالتفات إذا كان فيه انتقال عن أسلوب إلى آخر تحقيقًا لا تقديرًا، وما قيل في توجيه قول صاحب المفتاح: بالتعميم للانتقال التقديري - مع تصريحه لعموم تلك الفوائد من١ الالتفات إذا ورد على السامع خلاف ما يترقبه من الأسلوب الظاهر، كان له مزيد نشاطٍ، ووفور رغبة في الإصغاء إلى الكلام٢ - تعسُّف ظاهر. فإن المذكور في الفوائد: تطرية النشاط، لا تقويته، ولا شبهة في أن التطرئة لا [تتصور] ٣ في ابتداء٤ المخاطبة.
واعلم أن مدار تلك الفوائد على تلوين الخطاب مطلقًا، سواء كان المخاطب بالكلام في الحالين واحدًا؛ فيوجد شرط الالتفات، أو لا يكون واحدًا؛ فلا يكون من باب الالتفات، فحق من يريد ترتبها على الالتفات خاصّة، أن يذكر المخاطب بدل السامع، فصاحب المفتاح ومن حذا حذوه من الذين ذكروا السامع عند تقريرهم الفوائد المذكورة مرتبة على الالتفات المشروط٥ بالشرط المزبور٦ لم يكونوا على بصيرة٧.
_________________
(١) ١ في (د): حسن. وفي (م) حس. ٢ قال هذا السيد الشريف في حاشيته على المطوّل (١٣٤) حيث قال: "هذه الفائدة في النقل التحقيقي كما هو مذهب الجمهور في غاية الظهور، وكذا في النقل التقديري كما هو مذهب السكاكي توجد هذه الفائدة، فإنه إذا سمع خلاف ما يترقبه من الأسلوب كان له زيادة نشاط ووفور رغبة في الإصغاء إلى الكلام". ٣ في النسختين: لا يتصور. والسياق يتطلّب ما أثبتّه. ٤ في (م): لا يتصور عند المخاطبة. ٥ في (م) المشروطة. ٦ في (د) المرلور. وفي (م) المزلور. ٧ انظر المفتاح: ١٩٩، وممن حذا حذوه الخطيب القزويني انظر: الإيضاح: ١٦٠.
[ ٣٦٧ ]
ولما عرفت أن فائدة التطرئة١ والإيقاظ مدارها على نقل الكلام من أسلوب إلى آخر مطلقًا، فقد وقفت [على٢] ما في كلام الفاضل التفتازاني؛ حيث قال في شرح التلخيص: "لأنا نعلم قطعًا من إطلاقاتهم واعتباراتهم أن الالتفات هو انتقال الكلام من أسلوب من التكلم والخطاب والغيبة إلى أسلوب آخر غير ما يترقبه المخاطب، ليفيد تطرئة لنشاطه٣، وإيقاظًا في إصغائه"٤ من الخلل٥؛ حيث٦ اعتبر في ترتّب٧ الفائدة المذكورة قيدًا في الأسلوب المنقول إليه لا دخل له فيه، ثم إنّه لم يصب في قوله: هو انتقال الكلام، لأنه نقل الكلام على ما اختاره صاحب المفتاح٨.
والتعبير٩ عن معنى واحد بطريقين، على ما هو المشهور، والانتقال المذكور أثره لا نفسه، وما١٠ عدّ من المحسنات البديعيّة إنّما هو أثره١١.
_________________
(١) ١ في (د) النظرية. ٢ هذه الزيادة يستوجبها النصّ. ٣ في (د) نشاطه. ٤ المطوّل: (١٣١) ٥ أصل الكلام: فقد وقفت على ما في كلام الفاضل التفتازاني من الخلل ٦ في (م): حيث قال اعتبر. ٧ في (د) ترتيب. ٨ يقول صاحب المفتاح (واعلم أن هذا النوع أعني نقل الكلام عن الحكاية إلى الغيبة لا يختص بالمسند إليه، ولا هذا القدر، بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحد منهما إلى الآخر، ويسمى هذا النقل التفاتًا عند علماء علم المعاني، والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرية لنشاطه وأملأ باستدرار إصغائه) المفتاح (١٩٩) . فكأن المؤلف يريد من التفتازاني أن يتقيد بنصّ عبارة السكاكي. ٩ في (د) أو التعبير. ١٠ في (م): فما. ١١ في (د): أثر.
[ ٣٦٨ ]
واعلم١ أن المراد من المعنى المشترك بين الطريقين المذكورين في التعريف المشهور للالتفات؛ إنّما٢ هو٣ المعنى الثاني لذينك الطريقين، لا معنى الكلام؛ لأنّه متعدد قطعًا، وإنَّما قيّدنا المعنى بالثاني؛ لأن معناهما٤ الأول -أيضًا- متعدد، فإن الكلام إذا نقل عن طريق الخطاب إلى طريق الغيبة مثلًا؛ يكون المعنى الأول للطريق المنقول عنه (الخطاب)، وللطريق المنقول٥ إليه (الغيبة)، وهما معنيان مختلفان٦ إنما الاتحاد فيما هو المقصود بهما، فإنّ الَّذي عبّر عنه بطريق الغيبة هو الَّذي قصد بطريق الخطاب، فمرجع ما ذكر إلى اعتبار الشرط الَّذي ذكره صدر الأفاضل، ومن ههنا تَبَيّن أنّ الحاجة إلى اعتبار الشرط المذكور على تقدير تفسير٧ الالتفات بنقل الكلام عن أسلوب إلى آخر، وتغيير أسلوب الكلام بنقله عن صيغة إلى أخرى، وأمّا إذا فُسِّر٨ بالتعبير٩ عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها١٠، فلا حاجة إليه، بل لا وجه له؛ إذ حينئذٍ يلزم اعتبار مدلول الشيء شرطًا زائدًا عليه١١، وكأن الفاضل
_________________
(١) ١ في (م) واعلم أن المعنى. ٢ ساقط من (م) . ٣ ساقط من (م) . ٤ في (د): معناها. ٥ ساقط من (م) . ٦ في (د): مختلفان الاتحاد.. وفي (م) مختلفان: إنما هو الاتحاد. ٧ في (م) تعبير. ٨ في (م) فسرنا. ٩ في (د) بالتغير. ١٠ ساقط من (م) . ١١ في (م) زيدًا.
[ ٣٦٩ ]
التفتازاني١ غافل عن دلالة التعبير٢ المذكور على الشرط المزبور٣، حيث قال في شرحه للتلخيص - بعد التفصيل المشبع في الالتفات على التفسير٤ المذكور -: "وذكر صدر الأفاضل في ضرام السقط "أن٥ من شرط الالتفات أن يكون المخاطب بالكلام في الحالين واحدًا"٦، فإن الظاهر منه اعتبار الشرط المزبور على التفسير المشهور أيضًا.
قال صاحب المفتاح - بعد الإكثار في إيراد الأمثلة للالتفات – "وأمثال ما ذكر أكثر من أن يضبطها القلم٧، وهذا النوع قد٨ يختص٩ مواقعه١٠ بلطائف معانٍ قلّما١١ تتضح١٢ إلاّ لأفراد بلغائهم، أو١٣ للحذّاق المهرة في هذا الفن، والعلماء النّحارير"١٤.
قوله: "أكثر من أن يضبطها القلم" مما أخطأ فيه الشارح الفاضل١٥ حيث
_________________
(١) ١ في (د): لا تفتازاني. ٢ في (د): التغيّر. (ولعلّها: التفسير) . ٣ في (م): المربور. ٤ في (د): التغير. ٥ ساقط من (م) . ٦ المطوّل: ١٣٣ وضرام السقط المطبوع ضمن: شروح سقط الزند ٥/١٩٠١. ٧ في (م) العلم في القلم. ٨ ساقط من (م) . ٩ في (م) يخص. ١٠ في (د): موافقه. ١١ في (د): فلما. ١٢ في (د) تنصح وفي (م) تصح. ١٣ في (م) و. ١٤ مفتاح العلوم: ٢٠٠- ٢٠١، بشرح نعيم زرزور. ١٥ ساقط من (د) .
[ ٣٧٠ ]
زعم أن المذكور (من) التفضيلية، فقال: "يرد عليه أنّ ما بعد (من) لا يصلح أن يكون مفضّلًا عليه، إذ ليس مشاركًا لما قبلها في أصل الفعل؛ أعني الكثرة ونظيره قولهم: أكثر من أن يحصى، [وقولهم] ١: الناس أكيس من أن يمدحوا رجلًا ما لم يروا عنده آثار إحسان، وهو كثير في كلام المولّدين فقيل: كلمة (من) متعلقة بفعل يتضمّنه اسم التفضيل؛ أي: متباعدة في الكثرة من ضبط القلم، ومن الإحصاء، ومتباعدون في الكياسية من مدح الرجل الخالي عن الإحسان، وردّ بأنّ (من) إذالم تكن٢ تفضيليّة [فقد] ٣ استعمل أفعل التفضيل بدون الأشياء الثلاثة، ولاشك أن التفضيل مراد، فالمعنى أكثر٤ مما يمكن أن يضبط٥بالقلم، ومما يمكن أن يحصى، وأكيس [ممّن] ٦ يتأتى منه أن يمدح الخالي عن الإحسان، إلا أنه سومح في العبارة اعتمادًا على ظهور المراد"٧. إلى هنا كلامه.
ومبنى ما ذكره أولًا وآخرًا الغفول عن أصلٍ في هذا الباب، ذكره الإمام المرزوقي في شرح الحماسة، وصاحب المغرِّب٨، وغيرهما، وهو: أن أفعل
_________________
(١) ١ في النسختين: وقوله. والسياق يتطلب ما ذكرته، لأنه سبق بقول المؤلف: "ونظيره قولهم ". ٢ في (م) يكن. ٣ في النسختين: قد وما أثبته من شرح السيد الشريف. ٤ ساقط من (م) . ٥ في (م): يضبطها القلم وفي (د) يضبطه. ٦ في النسختين: مما وما أثبته من شرح السيد الشريف. ٧ شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي: (٣٩/أ) . ٨ في (م): المعرب. وصاحب المغرب هو: أبو الفتح ناصر بن عبد السيّد بن علي المطرّزي الخوارزمي، أديب وعالم بالنحو واللغة والفقه الحنفي، وكان معتزليًا من مؤلفاته: شرح مقامات الحريري، و(المصباح) في النحو، و(المعرب) في اللغة وقد شرحه ورتبه في كتابه (المغرب في ترتيب المعرب) وغير ذلك. وتوفي بخوارزم سنة ٦١٠هـ. انظر: بغية الوعاة ٢/٣١١، الأعلام ٧/٣٤٨.
[ ٣٧١ ]
التفضيل إذا وقع خبرًا تحذف١ عنه أداة التفضيل قياسًا٢، ومنه: الله أكبر، وقول الشاعر:
دعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ ٣
فكلمة (من) في أمثال ما ذكر متعلقة بما يتضمنه اسم التفضيل، وقوله (قد يختص مواقعه بلطائف) ٤ لفظة (قد) فيه تستعار٥ للتكثير، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السِّمَاء﴾ ٦ وقول الشاعرِ٧:
_________________
(١) ١ في (د) يحذف. ٢ انظر شرح الحماسة ١/١٥٧، فقد قال: "وأفعل الذي يتمّ بمن يحذف منه "من" في باب الخبر دون الوصف، وساغ ذلك لأن الخبر كما يجوز حذفه بأسره لقيام الدلالة عليه يجوز حذف بعضه أيضًا له". وانظر كتاب المغرّب في ترتيب المعرب للمطرزي ص ٥٣٠، فقد أورد المثالين المذكورين. ٣ هذا عجز بيت للفرزدق وتمامه: إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمه أعز وأطول ديوان الفرزدق بشرح مجيد طراد ٢٠٩. ٤ سقط من (م): مواقعه بلطائف. ٥ في (ب): مستعار. ٦ الآية ١٤٤ من سورة البقرة. ٧ البيت لعبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه بشرح أشرف أحمد عدرة ص ٥٦ ونسبه سيبويه إلى الهذلي دون تحديد بشخص معين، ٤/٢٢٤، وقال المحقق في هامشه "والهذلي هذا هو شماس كما ذكر الشنتمري، ولم أجد له شعرًا ولا ذكرًا في الهذليين، والحق أن البيت لعبيد بن الأبرص..". وقد نسبه كذلك البغدادي إلى عبيد في خزانته ١١/٢٥٦-٢٥٧، وذكر في ص ٢٥٣، أن البيت من الشواهد "على أن قد مع المضارع تكون للتكثير في مقام التمدح والافتخار، قال سيبويه: وتكون قد بمنزلة ربّما، وأنشد البيت، وقال: كأنّه قال: ربّما. وأراد بربّما وأراد بربّما التكثير، ونقله عنه ابن هشام (في المغني) وقال: الرابع من معاني قد التكثير، قاله سيبويه في قول الهذلي: قد أترك القرن مصفرًا أنامله، وقاله الزمخشري في: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قال: أي: ربّما، ومعناه تكثير الرؤية. ثم استشهد بالبيت) الخزانة ١١/٢٥٣.
[ ٣٧٢ ]
قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كأنَّ أثوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ١
والشارح الفاضل لغفوله عن استعارة (قد) للتكثير في أمثال هذا المقام، قال في شرحه: "ولفظة (قد) إشارة إلى أن٢ الفائدة العامة كافية لحسن الالتفات في مواقعه كلها، لكن٣ ربما اشتمل بعضها على فائدة أخرى، فيزداد حسنه فيه"٤ ثم إن معنى التبعيض٥ لا يتحمله الكلام المذكور، لأن فحواه الإخبار عن أن مواقع٦الالتفات لا ينفك٧عن لطائف أخر على معنى أنّ٨ كلًا منها يلزمه لطيفة مخصوصة زيادة على الفائدة العامة، كما هو٩ مقتضى مقابلة الجمع بالجمع، فالباء داخلة على المقصور لا على المقصور عليه، كما في تحصّك بالعبادة، واختصّ [بها] ١٠، إذ لا صحة للإخبار١١ عن أن لطائف أخر١٢
_________________
(١) ١ ومعنى مجّت: صبغت. والفرصاد: التوت، والحمرة. ٢ ساقط من (م) . ٣ ساقط من (م) . ٤ شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي (٣٩/أ) . ٥ ساقط من (م) . ٦ في (م): مواقعه. ٧ في (م): ولا ينفك. ٨ في (د): آخر. ٩ ساقط من (م) . ١٠ في النسختين: بوا. وهو خطأ ظاهر. ١١ في (م): لإخبار. ١٢ ساقط من (د) .
[ ٣٧٣ ]
لا تنفك١ عن مواقع الالتفات.
ومن اللطائف المخصوصة ما ذكره صاحب المفتاح، وصاحب الكشاف، في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ٢. وله وجه آخر، ذكره الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص وهو أنَّ "ذكر لوازم الشيء وخواصه، يوجب٣ ازدياد وضوحه، وتميزه٤، والعلم به، فلما ذكر الله تعالى توجه النفس إلى الذات الحقيق بالعبادة٥، وكلما٦ أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام ازداد ذلك، وقد وصف أوّلًا بأنه المدبّر للعالم، وثانيًا بأنه المنعم بأنواع النعم الدنيوية والأخروية، لينتظم لهم أمر المعاش، ويستعدوا لأمر المعاد٧.
وثالثًا٨: بأنه المالك لعالم٩ الغيب، وإليه معاد١٠ العباد، فانصرفت
_________________
(١) ١ في (م) ينفك. ٢ آية ٥ من سورة الفاتحة، وما ذكره الزمخشري من اللطائف المخصوصة هنا قوله «وممّا اختص به هذا الموضع أنّه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة لا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به". الكشاف ١/٦٤-٦٥. وفحوى كلام السكاكي قريبة مما ذكره الزمخشري.. انظر المفتاح (٢٠٢- ٢٠٣) . ٣ ساقط من (م) . ٤ في م: تمييزه. ٥ في المطوّل: بالحمد. ٦ في (م): فلمّا وفي (د) فكلّما، وما أثبته من المطوّل. ٧ في (د): المعاش. ٨ في (د) ثالثها. ٩ في (د): العالم. ١٠ في (م) المعاد العياد.
[ ٣٧٤ ]
النفس بالكلية إليه١ لتناهي وضوحه، وتميّزه بسبب هذه الصفات، فخوطب تنبيهًا٢ على أنّ من هذه صفاته، يجب أن يكون معلوم التحقق عند العبد متميزًا٣ عن سائر الذوات، حاضرًا في قلبه، بحيث يراه ويشاهده٤ حال العبادة، وفيه تعظيم لأمر العبادة وإنها٥ ينبغي أن تكون٦ عن قلب حاضر، كأنه يشاهد ربّه ويراه، ولا يلتفت إلى ما سواه"٧ إلى هنا كلامه٨ وبعبارته.
ولا يذهب عليك أنه لم يصبْ في إطلاق المدبّر على الله تعالى، أمّا على أصل من قال: إن أسماء الله توقيفية٩ فظاهر، وأمّا على١٠ أصل المخالف فيه، فلأنه شرط فيه أن لا يكون موهمًا لما لا يليق بشأنه١١ تعالى١٢، وفي المدبّر ذلك الإيهام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
_________________
(١) ١ في (د): إلينا. ٢ في (د): تنبهًا. ٣ في (م): متخيرًا. ٤ في (د): وشاهده. ٥ في (د): وإنّما. ٦ في (دوم) يكون وما أثبته من المطوّل. ٧ المطوّل: ١٣٥. ٨ ساقط من (د) . ٩ في (د): توفيقية. ١٠ ساقط من (د) . ١١ في (د): لشأنه. ١٢ انظر الخلاف في ذلك في: - شرح أسماء الله الحسنى للرازي: وهو الكتاب المسمّى لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات: ٣٦ راجعه وقدم له وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد. مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة ١٣٩٦هـ. فالمعتزلة والكرامية يرون أن اللفظ إذا دلّ العقل على أن المعنى ثابت في حق الله سبحانه وتعالى جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله تعالى سواء ورد التوقيف به أو لم يرد. واختيار الشيخ الغزالي أن الأسماء موقوفة على الإذن، أما الصفات فغير موقوفة على الإذن. والأشاعرة يرون أنها توقيفية. وقال ابن قيم الجوزية: "إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي" بدائع الفوائد ١/١٨٣، مطبعة الفجالة الجديدة ط (٢) ١٣٩٢هـ وهذا هو رأي السلف الصالح فهم يتقيدون بما ورد في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ. انظر في ذلك مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي ٥/٢٦- ٢٧، ط (١) ١٣٩٨هـ دار العربية - بيروت.
[ ٣٧٥ ]
وقد فسّر الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص القول المذكور على وفق ما ذكرناه١، حيث قال: "أي قد يكون لكل التفات سوى هذا٢ الوجه العام لطيفة، ووجه مختص به بحسب مناسبة المقام"٣ إلا أنّه يتجه عليه أن يقال: لم لا يجوز أن يكون ما يترتب على التفات٤، بحسب مناسبة المقام من الوجه الخاص، مترتبًا٥ على التفات آخر في مثل ذلك٦ المقام، ولا دليل على انفراد كل فرد، بل كل نوع منه بوجه خاص، لا يشاركه فيه غيره، ولاستقراء القاصر لا يجدي نفعًا٧.
وقد يطلق الالتفات على معنيين آخرين٨؛ أحدهما: أن تذكر معنى،
_________________
(١) ١ في (م): ذكرنا. ٢ ساقط من (م) . ٣ المطوّل: ١٣٤. ٤ في (م) الالتفات. ٥ في (م) مرتبًا. ٦ في (م): هذا. ٧ في (م): لا يجدي ذلك نفعًا. ٨ هذا الذي ذكره هنا موجود بنصه في المطوّل: ١٣٤ وإن كان قد تصرّف فيه فقدّم وأخّر.
[ ٣٧٦ ]
[فتتوهم] ١ أنّ السامع اختلجه٢ شيء، فتلتفت٣ إلى ما يزيل اختلاجه، ثم ترجع٤ إلى مقصودك، كقول ابن ميادة٥:
فَلا صَرْمُهُ يَبْدو وفي الْيأْسِ راحةٌ ولا وَصْلُهُ٦ يَصْفو لنا٧ فَنُكَارِمُهْ٨
فإنَّه لما قال: (فلا صرمه يبدو) واستشعر أن يقول السامع: وما نصنع به؟
فأجاب٩ بقوله: (وفي اليأس راحة) ١٠، ثم عاد إلى المقصود.
والثاني: تعقيب الكلام بجملة مستأنفة١١ متلاقية له في١٢ المعنى، على طريق المثل أو الدعاء أو نحوهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ١٣ اليَهُوْدُ يَدُ اللهِ
_________________
(١) ١ في النسختين (فيتوهم) وما أثبته من المطوّل. وهو الَّذي يتطلبه السياق. ٢ في (م): اختلمه. ٣ في النسختين (فيلتفت) وما أثبته من المطوّل. ٤ في (م): يرجع. ٥ في (د): مياد - ترجمته هو: الرّمّاح بن زيد، وقيل ابن أبرد، وميّادة أمّه، نسب إليها، ويكنى أبا شراحيل، وهو من بني مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. كان شاعرًا مطبوعًا فصيحًا متمكنًا. انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة ٢/٦٥٥- ٦٥٧. وطبقات الشعراء لابن المعتز: ١٠٥- ١٠٩. ٦ في (د): وصلة. ٧ في (د): النار. ٨ في (م): فيكارمه. والبيت في شعر ابن ميادة: ٢٢٥، جمع وتحقيق د. حنّا جميل حداد من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق ١٤٠٢هـ. ٩ في (د): فاب. ١٠ بعد هذا في (م): ولا وصله يصفو لنا فنكارمه، فإنه لما قال: فلا صرمه ثم عاد إلى المقصود. ١١ في (د): مستقلة. ١٢ في (م): وفي. ١٣ في (م): قالت: بإسقاط الواو.
[ ٣٧٧ ]
مَغْلُوْلَةَ غُلَّتْ أَيْدِيْهِمْ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوْا صَرَفَ الله قُلُوبَهُمْ﴾ ٢ وفي كلامهم: قصم الفقر ظهري، والفقر قاصمات الظهر، وفي قول جرير:
مَتَى كان الخِيَامَ بِذِي طلُوْحٍ سُقِيْتِ٣ الغَيْثَ أَيَّتُها الخِيامُ
[أَتَنْسَى] ٤ يَوْمَ تَصْقُل عارِضَيْهَا٥ بِفَرْعِ٦ بَشَامَةٍ سُقِيَ الْبَشَامُ
تمت٧ بعونه تعالى وكرمه.
_________________
(١) ١ من الآية ٦٤ من سورة المائدة. ٢ من الآية ١٢٧ من سورة التوبة. ٣ في (م): سبقت. ٤ في النسختين: أتتني: وهو خطأ واضح. ٥ في (م): عارضها وهذا الشطر في الديوان: «أتنسى إذ تودعنا سليمى» شرح ديوان جرير لمحمد إسماعيل الصاوي: ٥١٢، وكذلك ورد في الصناعتين لأبي هلال العسكري ٣٩٢، وفي العمدة لابن رشيق ١/٦٣٩، وفيهما بعود بدلًا عن (بفرع) والبيتان ليسا متواليين في الديوان، وإنّما بينهما عدد من الأبيات وقد ذكرهما ابن المعتز من شواهد الالتفات، ولكنه يعني بالالتفات معنى أعمّ مما ذكره البلاغيون فقد قال في تعريفه: "هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك، ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر" البديع: ١٠٦، وورد البيت الثاني من شواهد الالتفات عند أبي هلال العسكري في الصناعتين ٣٩٢، ناقلًا ذلك عن الأصمعي وكذلك في العمدة ١/٦٣٩، وأورد أيضًا البيت الأول بعده، ناقلًا إياه عن ابن المعتز. وقد علق د. نزيه عبد الحميد تعليقًا لطيفًا على هذا الأمر فقال: "ومن المعروف أن المتأخرين من البلاغيين جعلوا هذا النوع من التذييل، وهو نوع من الإطناب، وهو تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها للتوكيد، وهو الصواب، فهذا الذي سمّاه الأصمعي التفاتًا ليس التفاتًا اصطلاحيًا، وإنّما هو التفات لغوي، لأنه انتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، ولا يعدّه البلاغيون من قبيل الالتفات البلاغي، وإنّما هو من قبيل التذييل الذي هو نوع من أنواع الإطناب" أسلوب الالتفات (٢٠) . ٦ في (م): بفرق. ٧ في (د) ختمت النسخة بلفظ (تم) فقط.
[ ٣٧٨ ]