المجاز العقلي: هو إسنادُ الفعل، أو ما في معناه (من اسم فاعل، أو اسم مفعول أو مصدر) إلى غير ما هو له في الظاهر، من حال المتكلم، لعلاقة مع قرينة تمنع من أن يكون الإسناد إلى ما هو له.
أشهر علاقات المجاز العقلي
(١) الإسناد إلى الزمان، نحو: (من سره زمن ساءته أزمان) أسند الاساءة والسرور إلى الزمن، وهو لم يفعلهما، بل كانا واقعين فيه على سبيل المجاز
(٢) الاسناد إلى المكان، نحو: (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم) فقد أسند الجرى إلى الانهار، وهي أمكنة للمياه، وليست جارية بل الجاري ماؤها.
(٣) الاسناد إلى السبب، نحو:
إنّي لمن معشر أفنى أوائلهم قيلُ الكماة ألا أين المُحامونا؟
فقد نسب الافناء إلى قول الشجعان، هل من مبارز؟؟
وليس ذلك القول بفاعل له، ومؤثر فيه، وإنما هو سبب فقط
(٤) الاسناد إلى المصدر - كقول أبي فراس الحمداني
سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فقد أسند الجد إلى الجد، أي الاجتهاد، وهو ليس بفاعل له، بل فاعله الجاد - فأصله جد الجاد جدا، أي اجتهد اجتهادًا، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد، واسندَ الفعل إلى الجد.
(٥) إسناد ما بني للفاعل إلى المفعول - نحو: سرني حديث الوامق فقد استعمل اسم الفاعل، وهو الوامق، أي (المُحبُّ) بدل الموموق، أي المحبوب، فان المراد: سررت بمحادثة المحبوب.
(٦) إسناد ما بني للمفعول إلى الفاعل، نحو: (جعلت بيني وبينك حجابًا مستوراُ) أي ساترًا، فقد جعل الحجاب مستورا، مع أنه هو الساتر.
تنبيهات
(أ) كما يكون هذا المجاز في الإسناد، يقع في النسبة الاضافية، نحو جرى الأنهار، وغراب البين، ومكر الليل: فنسبة الجري إلى الأنهار مجاز علاقته المكانية، ونسبة البين إلى الغراب، مجاز علاقته السببية، ونسبة المكر إلى الليل مجاز، علاقته الزّمانية
(ب) الفعل المبني للفاعل، واسم الفاعل، إذا أسندا إلى المفعول فالعلاقة المفعولية، والفعل المبني للمجهول، واسم المفعول، إذا أسندا إلى الفاعل فالعلاقة الفاعلية، واسم المفعول المستعمل في موضع اسم الفاعل مجاز، علاقته الفاعلية، واسم الفاعل المستعمل في موضع اسم المفعول مجاز، علاقته المفعولية.
(جـ) هذا المجاز: مادةُ الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وطريق من طرق البيان، التي لا يستغنى عنها واحد منهما.
تطبيق على أشهر علاقات المجاز العام
اذكر علاقات المجاز المرسل: فيما يلي
(١) أبا المسك أرجو منك نصرًا على العِدا وآمل عزا تخضب البيض بالدم (٢)
ويومًا يغيظ الحاسدين وحالةً أقيم الشقا فيها مقام التنعمُّ (٣)
(٢) قال الله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم).
(٣) ذهبنا إلى حديقة غناء
(٤) بنى اسماعيل كثيرا من المدارس بمصر
(٥) تكاد عطاياه يجنُ جنونها إذا لم يعوذها برقية طالب (٤)
الاجابة
(١) عزًا يخضب البيض بالدم
إسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي، لأن العز لا يخضب السيوف، ولكنه سبب القوة، وجمع الأبطال الذين يخضبون السيوف بالدم، ففي العبارة مجاز عقلي، علاقته السببيه.
«ب» ويومًا يغيظ الحاسدينن
_________________
(١) سعى عقليا، لأن النجوز فيهم من (العقل) لا من (اللغة) كما في المجاز اللغوي.
(٢) أبا المسك: كنية كافور الاخشيدي، والبيض السيوف، يقول: أرجو منك أن تنصرني على أعدائي، وأن توليني عزًا أتمكن به منهم، وأخضب سيوفي بدمائهم.
(٣) يقول: وأرج أن أبلغ بك يومًا يغتاظ فيه حسادى، لما يرون من إعظامك لقدرى، وكذلك أرجو أن أبلغ بك حالة تساعدني على الانتقام منهم، فأتنعم بشقائي في حربهم.
(٤) يعوذها يحصنها، ورقية ما يرقى بها الانسان من عين حاسد.
[ ٢٥٥ ]
إسناد غيظ الحاسدين إلى ضمير اليوم غير حقيقي، غير أن اليوم هو الزمان الذي يحصل فيه الغيظ، ففي الكلام مجاز عقلي، علاقته الزمانية.
(جـ) لا عاصم اليوم من أمر الله.
المعنى لا معصوم (١) اليوم من امر الله إلا من رحمة الله، فاسم الفاعل أسند إلى المفعول، وهذا مجاز عقلي، علاقته المفعولية.
(د) ذهبنا إلى حديقة غناء
غناء مشتقة من الغن، والحديقة لا تغن، وإنما الذي يغن (عصافيرها) أو ذبابها - ففي الكلام مجاز عقلي، علاقته المكانية.
(هـ) بنى اسماعيل كثيرًا من المدارس
إسماعيل: أمير مصر - لم يبن بنفسه - ولكنه أمر، ففي الاسناد مجاز عقلي، علاقته السببية
(و) تكاد عطاياه يجن جنونها - إسناد الفعل إلى المصدر مجاز عقلي، علاقته المصدرية.
نموذج آخر
بين المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
(١) أهلكنا الليل والنهار (٢) (٢) منزل عامر بنعم الله (٣)
(٣) أنشأ وزير المعارف عدة مدارس (٤) (٤) مشربٌ عذبٌ (٥)
(٥) هذا يوم عصيب (٦)
_________________
(١) يجوز أن تكون «عاصم» مستعملة في حقيقتها، ويكون المغنى: لا شيء يعصم الناس من قضاء الله إلا من ﵀ منهم، فانه تعالى هو الذي يعصمه.
(٢) في قوله أهلكنا الليل والنهار، مجاز عقلي، علاقته السببية، فقد نسب الاهلاك إلى الليل والنهار، مع ان فاعله هو الله تعالى، وهذان سببان فيه.
(٣) في قوله منزل عامر بنعم الله، مجاز عقلي، علاقته المفعولية، إذ قد اسند اسم الفاعل إلى المفعول في المعنى.
(٤) في قوله أنشأ وزير المعارف عدة مدارس، مجاز عقلي: علاقته السببية، إذ نسب الانشاء إلى الوزير - وهو السبب فقط.
(٥) في قوله مشرب عذب، نسب العذوبة إلى المكان، لا إلى الماء مجاز، لعلاقة المكانية
(٦) العصبية والشديدة: خطوب اليوم وحوادثه، لا هو: فوصفه بذلك وصف للزمان، فهو مجاز: علاقته الزمانية.
[ ٢٢٥ ]
(٦) ربحت تجارتهم (١)
بلاغة المجاز المرسل (٢) والمجاز العقلي
إذا تأملت أنواع المجاز المرسل والعقلي رأيت أنها في الغالب تؤدى المعنى المقصود بايجاز، فاذا قلت (هزَم القائد الجيش) أو (قرر المجلس كذا) كان ذلك أوجز من أن تقول (هزم جنود القائد الجيش) أو (قرر أهل المجلس كذا) ولا شك أن الايجاز ضربٌ من ضروب البلاغة.
وهناك مظهرٌ آخر للبلاغة في هذين المجازين، هو المهارة في تخيّر العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، بحيث يكون المجاز مصور للمعنى المقصودخيرَ تصوير - كما في إطلاق العين على الجاسوس، والأذن على سريع التأثر بالوشاية، والخف والحافر على الجمال والخيل، في المجاز المرسل وكما في إسناد الشيء: إلى سببه، أو مكانه، أو زمانه، في المجاز العقلي فإن البلاغة توجب أن يختار السبب القوى، والمكان والزمان المختصان وإذا دققت النظر رأيت أن أغلب ضروب المجاز المرسل، والمجاز العقلي لا تخلو من مبالغة بديعة، ذات أثر في جعل المجاز رائعًا خلابًا، فإن إطلاق الكل على الجزء مبالغة، ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، كما إذا قلت «فلان فمٌ» تريد أنه شرهٌ، يلتقم كل شيء، ونحو: «فلان أنف» عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف، فتبالغ فتجعله كله أنفا؟
ومما يؤثر عن بعض الأدباء: في وصف رجل أنافي (٣) قوله: «لست أدرى: أهو في أنفه، أم أنفه فيه»؟؟
_________________
(١) ستج الربح إلى التجارة، والرابح هو صاحبها، لا هي: فهو مجاز: علاقته المفعولية.
(٢) المجاز المرسل: يوسع اللغة، ويعين على الافتنان في التعبير، ويساعد الكاتب والخطيب على ايراد المعنى الواحد بصور مختلفة، وقد تدعو إليه: كما في (الطراز) حلية لفظية، من تقفية، أو ضرورة شعرية، أو مشاكلة، أو اختصار، أو خفة في لفظه، وكثيرًا ما يكون الداعي إليه راجعًا إلى المعنى.
(٣) الانافي عظيم الانف - عن البلاغة الواضحة.
[ ٢٢٦ ]