وجه الشبه: هو الوصف الخاص (١)
الذي يقصد اشتراك الطرفين فيه
إما (حقيقة): كالبأس في قولك (زبد كالأسد) وإما (تخيلا) كما في قوله
يا من له شعر كحظى أسود جسمي تحيل من فراقك أصفر
_________________
(١) إما «حقيقة» كالبأس في قولك «زيد كالأسد» وإما «تخيلًا» كما في قوله: يا من له شعر كحظي أسود جسمي نحيل من قراقك أصفر فان وجه الشبه فيه بين الشعر والحظ هو السواد. وهما يشتركان فيه، لكنه يوجد في المشبه تحقيقا. ولا يوجد في المشبه به الا على سبيل التخييل، لانه ليس من ذوات الألوان: ثم اعلم أن وجه الشبه، إما داخل في حقيقة الطرفين وذلك في تشبه ثوب بآخر، في جنسهما أو نوعهما أو فصلهما كقولك هذا القميص مثل ذلك في كونهما كتانًا أو قطنًا، وإما خارج عن حقيقتهما وهو ما كان صفة لهما «حقيقة» وهي قد تكون حسية كالحمرة في تشبيه الخد بالورد، وقد تكون عقلية كالشجاعة في تشبيه الرجل بالأسد، أو «إضافية» وهي ما ليست هيئة متقررة في الذات، بل هي معنى متعلقًا بها كالجلاء في تشبيه البينة بالصبح. ثم إن وجه التشبيه قد يكون واحدًا وقد يكون بمنزلة الواحد «لكونه مركبًا من متعدد» وقد يكون متعددًا، وكل من ذلك قد يكون حسيًا وقد يكون عقليًا. «أما الواحد» فالحسي منه كالحمرة في تشبيه الخد بالورد، والعقلي كالنفع في تشبيه العلم بالحياة. «وأما المركب»: فالحسي منه قد يكون مفرد الطرفين، كما في قوله: وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى كعنقود ملاحية حين نورا فان وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من التئام الحبب البيض الصغيرة المستديرة المرصوص بعضها فوق بعض على الشكل المعلوم. وكلا الطرفين مفرد، وهما الثريا والعنقود. وقد يكون مركب الطرفين كما في قوله: والبدر في كبد السماء كدرهم ملقى على ديباجة زرقاء فإن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من طلوع صورة بيضاء مشرقة مستديرة في رقعة زرقاء مبسوطة، وكلا الطرفين مركب أولهما من البدر والسماء، والثاني من الدرهم والديباجة. وقد يكون مختلف الطرفين كقوله: وحدائق لبس الشقيق نباتها كالأرجوان منقطًا بالعنبر فإن وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من انبساط رقعة حمراء قد نقطت بالسواد منثورًا عليها. والمشبه مفرد وهو الشقيق. والمشبه به مركب من الأرجوان والعنبر. وكقوله: لا تعجبوا من خاله في خده كل الشقيق بنقطة سوداء فان وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من طلوع نقطة سوداء مستديرة في وسط رقعة حمراء مبسوطة، والمشبه مركب من الخال والخد، والمشبه به مفرد وهو الشقيق والعقلي من المركب كما في قوله: المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار فان وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من الالتجاء من الضار إلى ما هو أضر منه طمعا في الانتفاع به - ووجه الشبه مركب من هذه المتعددات في الجميع، والرمضاء الأرض التي اسخنتها حرارة الشمس الشديدة، والمراد (بعمرو) هنا هو جساس ابن مرة البكرى، يقال أنه لما رمى كليب بن ربيعة التغلبي وقف على رأسه فقال له: (يا عمرو) أغثى بشربة ماء - فأتم قتله، واما المتعدد - فالحسى منه كما في قوله مهفهف وجنتاه كالخمر لونا وطعما والعقلى: كالنفع والضرر في قوله: طلق شديد البأس راحته كالبحر فيه النفع والضرر فان وجه الشبه فيهما متعدد وهو اللون والطعم في الأول - والنفع والضرر في الثاني - وقد يجىء المتعدد مختلفا كما في قوله هذا أبو الهيجاء كالسيف في الرونق والمضاء فان وجه الشبه فيه هو الرونق وهو حسي - والمضاء وهو عقلي، وأبو الهيجاء لقب عبد الله بن حمدان العدوى، والهيجاء من أسماس الحرب والعلم أن الحسي لا يكون طرفاه إلا حسييين - واما العقلى: فلا يلزمه كونهما عقليين لأن الحسي يدرك بالعقل، خلافا للعقلى فانه لا يدرك بالحس.
[ ٢٣٣ ]
(١) تشبيه تمثيل - وهو ما كان وَجه الشبه فيه وصفًا منتزعًا من متعدد: - حسيا كان أو غير حسي، كقوله:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يوافى تمام الشهر ثم يغيب
فوجهُ الشبه سرعة الفناء - انتزاعه الشاعر من أحوال القمر المتعددة إذ يبدو هلالا، فيصير بدرًا، ثم ينقص ُ ن حتى يدركه المحاق
ويسمى تشبيه التمثيل
(٢) وتشبيه غير تمثيل - وهو مالم يكن وجهُ الشبه فيه صورة منتزعة من متعدد، نحو: وجَهه كالبدر - وكقول الشاعر:
لا تطلبن بآلة لكَ رتبةً قلمُ البليغ بغير حظٍ مغزل
[ ٢٣٤ ]
فوجه الشبه قلة الفائدة، وليس مُنتزعًا من متعدد
(٣) ومفصل - وهو ما ذكر فيه وجه الشيه، أو ملزومه، نحو: طبعُ فريد كالنسيم رقَّة - ويده كالبحر جودًا - وكلامه كالدُّر حسنًا - وآلفاظه كالعسل حلاوة وكقول ابن الرّومي
شبيه البدر حسنا وضياء ومنالا وشبيه الغصن لينًا وقواما واعتدالا
(٤) ومُجمل - وهو ما يذكر فيه وجه الشبه، ولا ما يستلزمه - نحو: (النحو في الكلام كالملح في الطعام) فوجه الشبه هو الاصلاح في كل
وكقوله إنما الدنيا كبيتٍ نسجهُ من عنكبوت
واعلم أن وجه الشبه المجمل إما أن يكون خفيًا وإما أن يكون ظاهرًا ومنه ما وصف فيه أحد الطرفين أو كلاهما بوصف يُشعر بوجه الشبه
ومنه ما ليس كذلك:
(٥) وقريب مبتذل - وهو ما كان ظاهر الوجه ينتقل، فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به، من غير احتياج إلى شدة نظر وتأمل، لظهور وجهه بادىء الرأي
وذلك لكون وجهه لا تفصيل فيه: كتشبيه الخدَّ بالورد في الحُمرة، أو لكون وجهه قليل التفصيل، كتشبيه الوجه بالبدرن في الإشراق والاستدارة، والعيون بالنرجس، وقد يتصرف في القريب بما يخرجه عن ابتذاله إلى الغرابة، كقول الشاعر:
لم تلق هذا الوجه شمسُ نهارنا الاّ بوجهٍ ليس فيه حياءُ
فانّ تشبيه الوجه الحسن، بالشمس: مبتذل، ولكن حديث الحياء أخرجه إلى الغرابة.
وقد يخرج وجه الشبه من الابتذال إلى الغرابة: وذلك بالجمع بين عدة تشبيهات - كقول الشاعر:
كأنما يبسم عن لؤلؤ منضد، اؤ برد أو أقاح
أو باستعمال شرط - كقوله:
عزماتُه مثل النجوم ثواقبِا لو لم يكن للثّاقبات أفول
(٦) وبعيدٌ غريبُ- وهو ما احتاج في الانتقال من المشبه إلى المشبه به، إلى فكر وتدقيق نظر، لخفاء وجهه بادىء الرأي - كقوله:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
(فانّ الوجه فيه) هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الاشراق، والحركة السريعة المتصلة مع تموج الاشراق، حتى ترى الشعاع كأنه يهمّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة ثم يبدو له فيرجع إلى الانقباض وحكم وجه الشبّه - أن يكون في المشبه به اقوى منه في المشبه - وإلاّ فلا فائدة في التشبيه
تمرين
بين أركان التشبيه وأقسام كل منها فيما يلي:
(١) ومكلّف الأيام ضدَّ طباعها مُتطلبٌ في الماء جذوةَ نار
(٢) والدهر يقرعِني طورًا واقرعه كأنه جبلٌ يهوى إلى جبل (١)
(٣) فان أغش قومًا بعده أو أزورهم فكالوحش يدنيها من الأنس المحل (٢)
(٤) الشمس من مشرقها قد بدت مشرقة ليس لها حاجب (٣)
كأنها بوتقةُ أحميت يجول فيها ذهب ذائب
(٥) قال أعرابية تصف بنيها (هم كالحلقة المفرغة لا يدى أين طرفاها)
(٦) عزماتهم قضب وفيض أكفهم سحب وبيض وجوههم أقمار (٤)
(٧) قال علي: كرم الله وجهه (مثل الذي يعلمُ الخيرَ ولا يعمل به مثلُ السراج يُضيء للناس ويحرق نفسه) .
(٨) قال صاحب كليلة ودمنة الدنيا كالماء الملح، كلّما ازددتَ منه شربًا ازددت عطشًا.
(٩) فانهض بنارٍ إلى فحمٍ كأنهما في العين ظلمٌ وإنصاف قد اتفقا
(١٠) فتراه في ظلم الوغى فتخاله قمرا يكُرّ على الرجال بكوكبِ (٥)
(١١) كأن الثريّا في أواخر ليلها تفتح نور أو لجامٌ مفضضُ
(١٢) كأن الدموع على خدّها بقية طلّ على جُلّنار (٦)
(١٣) صحوٌ وغيم وضياء وظلم مثل سرور شابه عارض غم
_________________
(١) يقرع: يضرب
(٢) الانس محركة: من تأنس به جمعه آناس، ولغة في الانس بالكسر، والمحل الجدب.
(٣) الحاجب المانع والبوتقة الوعاء الذي يذيب فيه الصائغ الذهب.
(٤) قضب جمع قضيب وهو السيف القطاع.
(٥) الكواكب هنا السيف.
(٦) الطل المطر الضعيف والجلنار زهر الرمان واحدته جلناره (فارسي معرب)
[ ٢٣٥ ]