(قوله: الحمد) ترك العطف على كون جملة البسملة إنشائية وجملة الحمد خبرية أو العكس ظاهر؛ لأن بينهما حينئذ كمال الانقطاع، وأما على أنهما متفقان فى الخبرية أو الإنشائية فترك العطف إشارة إلى أن كلا من الجملتين مقصود بالذات وليست إحداهما تابعة للأخرى ثم إن كون هذه الجملة صيغة حمد ظاهر إن قلنا إنها إنشائية أى لإنشاء الثناء على الله بأنه مالك لجميع المحامد الكائنة من الخلق، وأما إن قلنا: إنها خبرية أى إنها للإخبار بأن الله مالك لذلك فجعلها صيغة حمد مشكل؛ لأن الإخبار بثبوت شيء للغير لا يستلزم حصول ذلك الشيء من المخبر، فقولك القيام لزيد لا يلزم من ذلك أن يكون قائما، وحينئذ فلا يلزم من الإخبار بثبوت الحمد أن يكون المصنف حامدا مع أن المطلوب منه أن يحمد الله فى الابتداء، وأجيب بأجوبة، منها: أن هذه الجملة خبرية فى الأصل ثم نقلت شرعا للإنشاء بمضمونها كما فى صيغ العقود نحو" بعت" و" آجرت"؛ فإنها أخبار فى الأصل ثم نقلت شرعا لإنشاء مضمونها فهو حمد شرعى يترتب عليه ما يترتب على الحمد اللغوى من الثواب والخروج عن عهدة الطلب، ولا يقال: هذا ظاهر إذا لم تجعل" أل" للاستغراق، إذ لا يتأتى إنشاء جميع المحامد؛ لأنا نقول المستحيل إنما هو إنشاء جميع المحامد لغة بصيغ متعددة
[ ٦٥ ]
هو الثناء باللسان،
===
بعدد المحمود عليه، وأما إنشاء الجميع بصيغة واحدة شرعا فلا استحالة فيه؛ لأنها لإنشاء الثناء بمضمونها لا لإنشاء مضمونها، ومنها أن ذلك الإخبار مفيد للحمد؛ لأن الإخبار بأن الله مالك لجميع المحامد وصف له بجميل فيكون حمدا، وعلى هذا فمحل كون المخبر بالشيء ليس آنيا بذلك الشيء ما لم يكن الإخبار فردا من أفراد المخبر عنه كما هنا، وهذا ظاهر إن قلنا: إنها للإخبار بأن الله مالك لجميع المحامد، وأما إن قلنا: إنها موضوعة للإخبار بوقوع الحمد لله من الغير فبقول ذلك الإخبار يستلزم اتصافه تعالى بالكمال فيكون إخبارا باتصافه تعالى بالكمال بواسطة فيكون حمدا بهذا الاعتبار.
(قوله: هو الثناء) أى: الحمد فى اللغة واقتصر الشارح على تفسير الحمد اللغوى إشارة إلى أن الحمد الذى طلبت البداءة به الحمد اللغوى لا الاصطلاحى، ووجه ذلك كما قال بعض العلماء: أن الحمد العرفى طارئ بعد النبيّ ﷺ، وإذا كان كذلك فيحمل الحمد الذى طلب البداءة به على ما كان موجودا فى زمنه وهو الحمد اللغوى، وقد يقال: إن هذا التوجيه لا يصح إلا لو كان المراد اصطلاح طائفة مخصوصة مع أن المراد العرف العام فهو أمر قديم، فالأولى أن يقال: إنما حمل على المعنى اللغوى؛ لأن خبر ما فسرته بالوارد، والوارد فى الحديث بالحمد لله بالرفع على الحكاية، وهو يقتضى أن المراد هذا اللفظ، ولو كان المراد العرفى لم يكن للاقتصار على هذا اللفظ وجه.
(قوله: الثناء إلخ) أى: الذكر بخير، مأخوذ من أثنيت إذا ذكرت بخير ولو مرة لا من ثنيت إذا كررت، وإلا لزم أن الثناء مرة واحدة لا يقال له حمد، وليس كذلك، وضده النثاء بتقديم النون وهو الذكر بشرّ، هذا ما عليه الجمهور، وقال العز بن عبد السّلام (١):
_________________
(١) هو شيخ الإسلام والمسلمين وأحد الأئمة الأعلام وسلطان العلماء إمام عصره بلا مدافعة، عبد العزيز بن عبد السّلام بن أبى القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمى. ولد سنة ٥٧٧ أو ٥٧٨ هـ وهو فقيه شافعى بلغ رتبة الاجتهاد ولد ونشأ فى دمشق، تولى القضاء والخطبة لنجم الدين أيوب، من مؤلفاته" التفسير الكبير" و" الإلمام فى أدلة الأحكام" و" قواعد الشريعة" و" الفوائد" وكان من أمثال مصر" ما أنت إلا من العوام ولو كنت ابن عبد السّلام" توفى﵀- سنة ٦٦٠ هـ- وانظر: طبقات الشافعية (٤/ ٣٥٤)، والأعلام للزركلى (٤/ ٢١).
[ ٦٦ ]
على قصد التعظيم
===
الثناء حقيقة فى الذكر بالخير والشر وتمسك بحديث" مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا ومر بأخرى فأثنوا عليها شرّا" (١) وأجيب بأن هذا من قبيل المشاكلة، واعترض بأن الثناء بالمعنى المذكور لا يكون إلا باللسان، وحينئذ فذكره مستدرك، وأجيب بأن اللسان وإن كان معلوما من الثناء لكنه صرح به للتنصيص على اختصاص الحمد باللسان المفيد لمقابلته للشكر نصّا المقتضية لظهور التفريع لبيان النسبة بينهما أو يجاب بأنه لما كان يحتمل التجوز فى الثناء بإطلاقه على ما ليس باللسان كالجنان والأركان ذكره لإخراج الثناء بغير اللسان، وعلى هذا الجواب فقيد اللسان محتاج لذكره ولا بد، وأما على الجواب الأول؛ فهو غير محتاج لذكره لفهمه من الثناء، وإنما ذكر لما مر، ثم إن تفسير الثناء بما ذكر مبنى على أنه مختص باللسان، وهو خلاف الراجح، والراجح أنه يشمل اعتقاد القلب وعمل الجوارح، وحينئذ فيفسر بأنه الإتيان بما يدل على اتصاف المحمود بالصفة الجميلة، وعلى هذا فقوله: " باللسان" قيد لا بد منه لإخراج الثناء بغيره كالجنان والأركان، واعترض هذا التعريف بأنه غير جامع لعدم شموله لثناء الله القديم على نفسه أو على خواص خلقه إذ المولى منزه عن الجارحة، وأجيب بأن هذا تعريف لنوع من الحمد، وهو الحمد الحادث أو يقال: المراد باللسان الكلام مجازا مرسلا من إطلاق السبب وإرادة المسبب، والعلاقة يكفى تحققها فى بعض الأفراد، فلا يقال: إن كون اللسان سببا فى الكلام ظاهر فى الحمد الحادث دون القديم، وأورد على الجواب الثانى أن المجاز لا يدخل التعاريف؛ قلنا: ما لم يكن مشهورا، وهذا قد اشتهر إن قلت: إن حقيقة القديم مباينة لحقيقة الحادث، وحينئذ فلا يجوز جمعهما فى تعريف واحد؛ قلنا: محل ذلك إذا أريد بيان حقيقة كل على التفصيل، وأما إذا كان المراد بيانهما إجما لا فلا مانع من ذلك.
(قوله: على قصد التعظيم) " على" بمعنى" مع" أى: الثناء باللسان حال كونه مصاحبا لقصد التعظيم، واعلم أنك إذا تلفظت بقولك: " زيد عالم" مثلا تارة
_________________
(١) أخرجه مسلم فى كتاب الجنائز (٣/ ٦١٤) طبعة دار الشعب.
[ ٦٧ ]
سواء تعلق بالنعمة أو بغيرها،
===
تكون قاصدا بذلك التعظيم، وتارة تكون مكذبا لذلك وقاصدا به الهزء والسخرية، وتارة لا تقصد شيئا فلو لم تقصد شيئا أو قصدت الاستهزاء فظاهره أنه لا يكون حمدا لغة مع أنه إذا لم نقصد شيئا يكون حمدا لغة، والجواب أن الشارح أراد أن يبين الحمد اللغوى الأكمل المعتدّ به، ولا يعتد بالحمد إلا إذا وجد قصد التعظيم، وإلا كان غير أكمل.
(قوله: سواء تعلق بالنعمة) أى: سواء وقع فى مقابلة نعمة أو فى مقابلة غيرها، وهذا تعميم فى المحمود عليه. واعلم أن الحمد له أركان خمسة: حامد محمود ومحمود عليه ومحمود به وصيغة؛ فالحامد من صدر منه الثناء، والمحمود هو من أثنى عليه، والمحمود عليه هو ما وقع الحمد فى مقابلته أى ما كان باعثا على الحمد، والمحمود به هو مدلول الصيغة وهى اللفظ، ثم إن المحمود عليه وبه تارة يختلفان ذاتا واعتبارا كما إذا قلت: زيد عالم فى مقابلة إكرامه لك، وتارة يتحدان ذاتا ويختلفان اعتبارا كقولك: زيد كريم فى مقابلة إكرامه لك، فالكرم من حيث إنه باعث على الحمد محمود عليه، ومن حيث إنه مدلول للصيغة محمود به، ثم إن المحمود عليه يشترط أن يكون اختياريا، وإن لم يكن نعمة بخلاف المحمود به، فلا يشترط أن يكون اختياريا إذا علمت هذا فيعترض على التعريف بأن فيه قصورا من حيث إنه لم يعتبر فيه أن يكون المحمود عليه جميلا؛ لأن غير النعمة صادق بما إذا كان غير جميل مع أنه لا بد منه، وأجيب بجوابين:
الأول: أن هذا تعريف بالأعم، وهو جائز عند الأدباء بل جوزه قدماء المناطقة فى التعريف الناقص.
الثاني: أن اعتبار قصد التعظيم يستلزم أن يكون المحمود عليه جميلا؛ لأن المراد بالجميل فى زعم الحامد أو فى نظر المحمود بزعم الحامد لا الجميل فى الواقع إذ ليس بشرط، وفى هذا الجواب نظر؛ إذ دلالة الالتزام مهجورة فى التعاريف، واعترض بأن فيه قصورا من وجه آخر، وهو أن الجميل المحمود عليه يجب أن يكون اختياريا؛ ولم يذكر ذلك فى التعريف، ولم يكن فيه ما يستلزمه، والجواب: ما مر من أنه تعريف
[ ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالأعم، وهو جائز؛ فإن قلت: إن الثناء على ذاته وعلى صفاته تعالى حمد، ولا مجال لاعتبار الاختيار فيها قلت: المراد بالاختيارى ما يشمل الاختيارى حقيقة أو حكما فذاته تعالى لما كانت منشأ للأفعال الاختيارية عدّت اختيارية حكما بلا واسطة، وأما صفاته لما كانت لا تنفك عن الذات وليست غيرا عدت اختيارية حكما بواسطة ملازمتها للذات أو يقال: المراد بالاختيارى ما ليس باضطرارى فتدخل ذات الله وصفاته أو المراد بالاختيارى ما كان منسوبا للفاعل المختار سواء كان مختارا فيه أى:
موثرا فيه بالاختيار أم لا كذا ذكر عبد الحكيم (١).
(قوله: سواء تعلق) أى: الثناء، وليس الضمير للحمد وتعلق الثناء بالنعمة من تعلق الشيء بسببه الباعث عليه،
و(قوله: " بالنعمة") أى: الإنعام كما لو قلت: زيد عالم فى مقابلة إكرامه لك، وهذا هو المعبر عنه بالفواضل فى قول بعضهم سواء تعلق بالفواضل،
و(قوله: " أو بغيرها") كما لو قلت: إنه فاضل فى مقابلة حسن الخط أو حسن الصلاة، وهذا هو المعبر عنه بالفضائل وكالحمد على مجرد الذات العلية ثم إن قوله: " سواء إلخ" جملة مستأنفة مصرحة بمتعلق الحمد لا من جملة التعريف، وذلك؛ لأن التعريف تصوير لماهية المحدود لا بيان لعمومه؛ لأن التعميم إنما هو للإفراد وتعلق فى تأويل المصدر وإن لم يكن هناك سابك؛ لأن السّبك بدون حرف مصدرى مطرد فى باب التسوية شاذ فى غيرها، والفعل المقدر فى المعطوف فى تأويل المصدر أيضا، وسواء بمعنى مستو خبر مقدم، والمصدر المأخوذ من الفعل مبتدأ مؤخر أى: تعلقه بالنعمة أو تعلقه بغيرها مستو، واعترض هذا الإعراب بأن" أو" لأحد المتعدد، والتسوية إنما تكون بين المتعدد لا بين أحده، وأجيب بأن" أو" بمعنى الواو لأجل ما يقتضيه معنى الاستواء
_________________
(١) هو عبد الحكيم بن شمس الدين الهندى السيالكوتى البنجابى له تأليف، منها: حاشيته على تفسير البيضاوى، وحاشيته على الجرجانى فى المنطق، وحاشيته على المطول، وحاشيته على شرح تصريف العربى للسعد، توفى سنة ١٠٦٧ هـ. انظر: الأعلام للزركلى (٣/ ٢٨٣).
[ ٦٩ ]
والشكر
===
من التعدد، وفى هذا الجواب نظر؛ لأنه ينافى جعل" سواء" بمعنى مستو؛ لأن مستو إنما يخبر به عن الواحد، تقول: زيد مستو مع عمرو، ولا يخبر به عن متعدد، فلا تقول: زيد وعمرو مستو، بل مستويان، وأجيب بأن الإخبار بحسب الظاهر؛ لأن سواء فى الأصل مصدر بمعنى الاستواء فيصح الإخبار به عن الاثنين؛ لأن المصدر يقع على القليل والكثير، وإن أريد به هنا اسم الفاعل، ويصح بقاء" أو" على بابها، وصح الإخبار نظرا للمعنى المراد أى: أحد التعلّقين مستو مع الآخر، وإنما جعلنا" سواء" خبرا، والمصدر بعده مبتدأ دون العكس؛ لأن" سواء" نكرة من غير مسوغ، والمقصود الإخبار عن التعليقين بالاستواء لا العكس، ويجوز جعل" سواء" خبرا لمبتدأ محذوف أى: الأمران سواء والجملة دليل الجواب، والجملة بعدها شرطية على جعل همزة الاستفهام المحذوفة مضمنة معنى" إن" الشرطية لاشتراكهما فى الدلالة على عدم الجزم، والتقدير: إن تعلق بالنعمة أو بغيرها فالأمران سواء، ويجوز أن تكون" سواء" بمعنى مستو مبتدأ، والمصدر المأخوذ من الفعل فاعل سدّ مسد الخبر على مذهب من لم يشترط الاعتماد، والمسوغ للابتداء العمل، فالأوجه فى هذا التركيب ثلاثة، ويجوز وجه رابع، وهو جعل سواء بمعنى مستو خبرا مقدما والفعل بعده مبتدأ مؤخرا؛ لأنه مجرد عن النسبة أو الزمان، فحكمه حكم المصدر، والهمزة مقدرة بعد" سواء"، وهى مجردة عن الاستفهام لمجرد التسوية، وكأنه قيل: تعلقه بالنعمة أو بغيرها مستو، ويقال على هذا سؤالا وجوابا مثل ما قيل على الأول.