بسم الله الرحمن الرحيم
وَبِهِ نَسْتَعِيْنُ، رَبِّ يَسِّر يَا كَرِيمُ
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ، الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ، الْعُمْدَةُ الفَهَّامَةُ، مُفِيْدُ الطَّالِبِيْنَ، عُمْدَةُ الرَّاغِبِيْنَ، بَقِيَّةُ السَّلَفِ، وَعُمْدَةُ الْخَلَفِ، المُفْتَقِرُ إِلَى عَفْوِ الوَدُوْدِ، مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُوْدِ، الْمُشْتَهَرُ بَيْنَ الْخَلْقِ، بِابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ، الْعُمَرِيُّ نَسَبًا، الشَّافِعِيُّ مَذْهَبًا، الأَشْعَرِيُّ مُعْتَقَدًا، الطَّرَابُلْسِيُّ مَوْلِدًا وَمَوْطِنًا، تَغَمَّدَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ وَغُفْرَانِهِ، وَأَسْكَنَهُ بُحْبُوْحَةَ جِنَانِهِ:
الْحَمْدُ لِله مُظْهِرِ مَعَانِيْ آيَاتِهِ، فِيْ بَيَانِ بَدِيْعِ مَصْنُوْعَاتِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، نَبِيِّهِ الْمُخْتَارِ مِنْ مَوْجُوْدَاتِهِ (١)، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْمُسَارِعِيْنَ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَبَعْدُ:
فَقَدْ سَنَحَ لِلْفِكْرِ الْفَاتِرِ وَهَجَسَ فِي الضَّمِيْرِ وَالْخَاطِرِ أَنْ أَكْتُبَ عَلَى مَنْظُوْمَةِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ الْقَاضِي مُحِبِّ الدِّيْنِ بْنِ الشِّحْنَةِ الْحَلَبِيِّ (٢) - تَغَمَّدَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ - الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى عِلْمِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَالْبَدِيْعِ = شَرْحًا يَحُلُّ أَلْفَاظَهَا وَيُذَلِّلُ صِعَابَهَا؛ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ وَقَفْتُ عَلَى شَرْحِهَا لِلْعَلَّامَةِ
_________________
(١) جز: مخلوقاته.
(٢) ت ٨١٥ هـ. انظر: الذَّيل على رَفْع الإصْر ص ٤٠٦.
[ ١٣٧ ]
الْقَاضِي مُحِبِّ الدِّيْنِ بْنِ تَقِيِّ الدِّيْنِ الْحَمَوِيِّ (١)، فَرَأَيْتُهُ قَدْ قَصَّرَ فِيْ بَعْضِ مَوَاضِعَ، وَسَأَلْتُهُ فِيْهِ عَنْ إِيْرَادٍ أَوْرَدْتُهُ عَلَيْهِ، فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ: «أَوَّلُ مَا أَفْرَغْتُهُ فِيْ قَالَبِ التَّصْنِيْفِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْ كُلِّيَّتَهُ إِلَيْهِ»، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُهَذِّبْهُ؛ لِاشْتِغَالِهِ بِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ، فَحَذَوْتُ حَذْوَهُ، مُتَعَرِّضًا لِبَعْضِ مَوَاضِعَ مِنْ شَرْحِهِ، وَسَمَّيْتُهُ:
«دُرَرُ الْفَرَائِدِ الْمُسْتَحْسَنَة فِيْ شَرْحِ مَنْظُوْمَةِ ابْنِ الشِّحْنَة»
رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَاللهُ الْمَسْؤُوْلُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْإِتْمَامِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ دَارِ السَّلَامِ بِمَنِّهِ وَيُمْنِهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (٢):
_________________
(١) ت ١٠١٤ هـ. انظر: خُلاصَة الأَثَر في أعيانِ القرنِ الحادي عشر ٣/ ٣٢٢ - ٣٣١، ومُعجَم المؤلِّفين ٣/ ١٦.
(٢) أي: النّاظم ابن الشِّحنة.
[ ١٣٨ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ: أَيْ: أَفْتَتِحُ أَوْ أُؤَلِّفُ (١).
وَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِـ (بِسْمِ اللهِ)؛ اِقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيْزِ، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِﷺ-:
«كُلُّ أَمْرٍ ذِيْ بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيْهِ بِبسْمِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ». (٢)
- وَ(الْبَاءُ):
مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوْفٍ، وَكَوْنُهُ مُؤَخَّرًا وَفِعْلًا أَوْلَى - كَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّيْنِ الرَّازِيُّ (٣) - كَمَا فِيْ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَلِأَنَّهُ - تَعَالَى - مُقَدَّمٌ ذَاتًا؛ لِأَنَّهُ قَدِيْمٌ (٤) وَاجِبُ الْوُجُوْدِ لِذَاتِهِ، فَقُدِّمَ ذِكْرًا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَمَلِ لِلْأَفْعَالِ (٥). وَكُسِرَتِ الْبَاءُ؛ لِتُنَاسِبَ
_________________
(١) انظر: تفسير الفخر الرّازي (مباحث البسملة) ١/ ١٠٨ - ١١٤.
(٢) جُلُّ المسانيد تخرّجه وفيه: «لا يُبدأ فيه بالحمد لله». انظر: مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٤٥، وسُنَن ابن ماجه ٢/ ٤٣٦، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ٥/ ٦٨٤.
(٣) ت ٦٠٦ هـ. انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٤٨. الاختيار في تفسيره ١/ ١٣، وأصل الاختيار للزَّمخشريّ في الكشّاف ١/ ١٠٠ - ١٠٢. وناقَضَ الرازيُّ كلامه في ١/ ١٠٨ - ١٠٩ بقوله: «التّقديم عندي أَولى» ذاكِرًا خمسة وجوه تشفع لمذهبه. وأكثر البصريّين على تعليقهما باسم مقدّم؛ انظر: معاني القرآن للنّحّاس ١/ ٥٠، والدّرّ المصون ١/ ٢٢.
(٤) المتكلِّمون هم مَن أَطلقَ اسمَ (القديم) على الله تعالى. انظر: مُفرَدات ألفاظ القُرآن للرّاغب ص ٦٦١.
(٥) انظر: الإنصاف ١/ ١٦٢، ومغني اللّبيب ٢/ ٥٨٤.
[ ١٣٩ ]
عَمَلَهَا (١).
- وَ(الِاسْمُ):
لُغَةً: مَا دَلَّ عَلَى مُسَمًّى (٢).
وَعُرْفًا: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِيْ نَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ بِبِنْيَتِهِ لِزَمَانٍ (٣).
وَالتَّسْمِيَةُ: جَعْلُ الِاسْمِ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى (٤).
وَهَلِ الِاسْمُ عَيْنُ الْمُسَمَّى أَمْ (٥) غَيْرُهُ؟
فِيْهِ مَذْهَبَانِ (٦)؛ اِخْتَارَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا (٧) فِيْ بَعْضِ كُتُبِهِ الثَّانِيَ، وَنَقَلَهُ عَنِ التَّفْتَازَانِيِّ (٨).
_________________
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزّجّاج ص ٤١، وإعراب القرآن للنّحّاس ١/ ١٦٦، وقال ابنُ جنّيٍّ في سرّ الصّناعة ١/ ١٤٤: «إنّما كُسِرت؛ لمضارعتِها اللّام الجارّة في قولك: المال لزيد».
(٢) القول للمبرِّد في الإنصاف ١/ ٦.
(٣) انظر: الأصول ١/ ٣٦، وتاج العروس: (سمو)؛ وفيه أقوالٌ للرّاغب، والمناويّ، وابن سِيْدَه، وأبي إسحق.
(٤) انظر: كتاب الفروق ص ٣١. (الفرق بين الاسم والتّسمية)، وعَرَضَ أقوالَ ابن السَّرَّاج، والرُّمَّانيّ، والمازنيّ.
(٥) جز: أو. وهو الصَّوابُ؛ لأنَّ الاستفهامَ بـ (هل) معَ ذِكرِ مُعادِلٍ بعد (أمْ) يؤدِّي إلى التَّناقضِ؛ لأنّ (هل) تفيدُ أنّ السّائلَ جاهلٌ بالحُكمِ لأنّه طَلَبَه، و(أم) المتّصلة تُفيد أنَّ السَّامعَ عالمٌ به، وإنّما يَطْلُبُ تعيينَ أحدِ الأمرَين.
(٦) هذه مسألة مُشتَهَرةٌ، طال فيها الخلافُ، انظر: سيبويه ١/ ١٢، وكذا: الخصائص ٣/ ٢٦، ونتائج الفكر ص ٣٠ - ٤٠ وغيرِهم. والاسمُ عينُ المسمّى في: مجاز القرآن ١/ ١٦، ومعاني القرآن وإعرابه للزَّجَّاج ص ٤٠ وغيرهما. وانظر المسألةَ وافيةً في (رسائل في اللُّغة) لابن السِّيْد ص ٣٣ حتَّى ص ١٠٩.
(٧) الأنصاريّ، ت ٩٢٥ هـ. انظر: شَذَرات الذّهب ١٠/ ١٨٦.
(٨) ت نحو ٧٩٣ هـ. انظر: الأعلام ٧/ ٢١٩. والمسألةُ في كتابه المطوَّل ص ١٣١.
[ ١٤٠ ]
- وَاللهُ:
عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُوْدِ (١)، الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيْعِ الْمَحَامِدِ. (٢)
وَأَصْلُهُ: (إِلَاهٌ) حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ، وَعُوِّضَ عَنْهَا حَرْفُ التَّعْرِيْفِ (٣)، ثُمَّ جُعِلَ عَلَمًا، وَهُوَ عَرَبِيٌّ. وَقِيْلَ: مُعَرَّبٌ؛ فَقِيْلَ: عِبْرِيٌّ، وَقِيْلَ: سُرْيَانِيٌّ (٤).
قَالَ الْبَنْدَنِيْجِيُّ (٥): «وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ (٦) هُوَ: اللهُ». (٧)
وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ (٨) تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ: أَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّوْمُ (٩).
- وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيْمُ (١٠):
اسْمَانِ بُنِيَا لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ رَحِمَ بِتَنْزِيْلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَوْ بِجَعْلِهِ لَازِمًا،
_________________
(١) أي: عنه وحدَه يُوجَد كلُّ ما في الإمكان وجودُه، وهو مُستغنٍ عن العلّة والفاعل، فلا علّة له. انظر: المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ١/ ٥١.
(٢) انظر: مغني المحتاج ١/ ٢١.
(٣) هذا أشهرُ قولَي سيبويه ٢/ ١٩٥، وقولُه الآخَرُ بأنَّ الأصلَ: (لاه) ٣/ ٤٩٨. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٤٠، واشتقاق أسماء الله (الله) ص ١ حتى ٤٢، والتَّعليقة ١/ ٢٧٨، وكتاب الشّعر ١/ ٤٤، والإغفال ١/ ٣٨ حتّى ٧٢، والخصائص ٣/ ١٥٢.
(٤) انظر: الصِّحاح (أيل)، وتاج العروس (جبر).
(٥) فقيه وقاضٍ شافعيّ، ت ٤٢٥ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٧/ ٣٤٣.
(٦) انظر: الحاوي للفتاوي ١/ ٣١ - ٣٦؛ فقد ذكَر فيه السُّيوطيُّ عشرين قولًا في (الاسم الأعظم)، وانظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ص ٦٢؛ ففيه أقوالٌ.
(٧) حُكي عنه في نهاية الزَّين ص ٤.
(٨) ت ٦٧٦ هـ. انظر: الأعلام ٨/ ١٤٩.
(٩) انظر العبارة بحروفها في: الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع ١/ ٦، ومغني المحتاج ١/ ٢٢ في شرح كتاب المنهاج للنّوويّ، والسّراج المنير ١/ ٢٧.
(١٠) انظر: اشتقاق أسماء الله «الرَّحمن الرَّحيم» ص ٥٣ حتّى ٦٠، وتفسير الرَّازي «مبحث الرّحمن الرّحيم» ١/ ١٧٠ حتّى ١٧٩، وكلام العمري على «الرَّحمن الرَّحيم» بحروفه في السّراج المنير ١/ ٢٧.
[ ١٤١ ]
وَنَقْلِهِ إِلَى (فَعُلَ) بِالضَّمِّ. (١)
وَالرَّحْمَةُ: رِقَّةُ الْقَلْبِ تَقْتَضِي التَّفَضُّلَ، فَالتَّفَضُّلُ غَايَتُهَا. وَأَسْمَاءُ اللهِ الْمَأْخُوْذَةُ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ إِنَّمَا تُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ دَوْنَ الْمَبْدَأِ (٢).
- وَقُدِّمَ (اللهُ) عَلَى (الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)؛ لِأَنَّهُ اسْمُ ذَاتٍ - وَهُمَا اسْمَا صِفَةٍ - وَالذَّاتُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الصِّفَةِ.
- وَقُدِّمَ (الرَّحْمَنُ) عَلَى (الرَّحِيْمِ)؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ؛ إِذْ لَا يُقَالُ لِغَيْرِ اللهِ - بِخِلَافِ الرَّحِيْمِ (٣) - وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيْمِ (٤)؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى غَالِبًا (٥).
* * *