٢ - طريقة العمريّ في تناوُل مصادرِه.
٣ - النَّزعة التَّعليميّة، وأظهرُ معالِمها في هذا الشَّرح.
٤ - مَيْل العمريّ إلى المناقشة، والرَّدِّ، وإبداء الرَّأي.
• طريقة الشَّرح مَزجًا، وما ارتكزَتْ عليه:
أقامَ العمريُّ تصنيفَه على طريقة الشَّرح الممزوج: وهي إحدى ثلاث طرائق يَسلكُها الشَّارحون في التَّعليق على المتون (٢)؛ وقوامُ هذه الطَّريقة
_________________
(١) انظر: دُرر الفرائد ص ٢.
(٢) في كشف الظّنون ١/ ٣٨، بيانٌ لها.
[ ٤٨ ]
تجزئةُ كلامِ المتن، وشرحُه؛ حيثُ تُمزَجُ فيه عبارةُ المتن بالشَّرح، وهي طريقة أكثر الشُّرَّاح المتأخِّرين، لكنَّها ليست بمأمونةٍ من الخَلْط والغَلَط، وهي الطَّريقة السّائدة في هذا الكتاب.
وقد شابَهَ أسلوبُ العمريّ أحيانًا طريقةَ الشَّرح بالقول: وقوامُها أيضًا تجزئة كلام المتن، مسبوقًا قبل سَوقِه، بعباراتٍ تميِّزُه من الشَّرح؛ كقوله: «فلذلك قال النّاظم»، و«أشار إليه بقوله»، و«كما ذكرَه النَّاظم بقوله»، أو «فقال»، وغير ذلك.
والعمريُّ كانَ يجتزِئُ من عبارة النَّظمِ كلمةً أو كُلَيماتٍ، ثُمَّ يشرعُ في الشَّرح والتَّعليق مُتَّكئًا على فواتحَ لكلامه؛ من نحو: «أَيْ» الَّتي يُرادُ بها التَّفسيرُ، وقد يربطُ كلمةَ المتن مع الشَّرح بحرف جرٍّ، أو بأن تكونَ بين هذه الكلمة وما يجاورُها مِن كلمات الشَّرح علاقةُ تبعيّة إعرابيّة؛ كالعطف، والنَّعت، أو علاقة إسناد بين فِعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، أو علاقة إضافة، وكثيرًا مَّا يَجعلُ كلمةَ النَّظْمِ المراد شرحُها معمولةً لكلمةٍ من الشَّرح، وقد يجعلُ كلمةَ النَّظمِ عاملةً في كلام الشَّرح، مِمّا جعلَ المتنَ يذوبُ في كلام العمريّ، ليُشَكِّلَ كتابُ الدُّرَرِ وحدةً عضويّةً بين مئة المعاني والبيان وشرح العمريّ عليها.
وإنّ معظمَ شارحي المنظومة شرحوها بالقول؛ كالميرزا، والشّنقيطي، ونَصيف، وكانَ الحمويّ والغزّيُّ والأهدلُ شرحوها - كالعمريّ - مَزْجًا.
وليست تَظهرُ مقدرةُ العمريِّ في ربطِ المتن بالشّرح فحسب، بل في حُسْنِ رَبط المباحث بعضِها ببعضٍ كُلَّما دعَتِ الحاجةُ أيضًا، ليبقى الكلامُ مُتَّصلًا آخذًا برِقابِ بَعضِه، وكانَ الشَّارحُ يستعينُ على ذلك بعباراتٍ؛ مثل: «ثُمَّ لمّا أنهى الكلامَ على شرَعَ في »، و«ولمّا كانَ المقصودُ الأصلُ في علم قال النَّاظم»، و«لمّا كان بحثُ كذا لطيفًا »، و«ولمَّا كانَ بحثُ هو العمدة قَدَّمه »، و«تَمَّ الكلامُ على الفنِّ »، و«بدأ
[ ٤٩ ]
بكذا؛ لأنَّ كذا ..»، «وقولُه: متعلِّقٌ بقوله ..»، و«كذا عطفٌ على »؛ وأحيانًا إذا طالَ به مقامُ الشِّرح يُكرِّرُ الشَّطرَ الَّذي كان يشرحُه؛ ليربطَ القارئَ بالمتنِ من جديد، ولهذا الأسلوب فائدتان: إجمالُ ما تقدَّمَ في الفِقرة السَّالفة، والدُّخولُ إلى فقرةٍ جديدةٍ من غير انقطاعٍ قد يَشعرُ به القارئ.
والحقُّ أنَّ شرحَ العمريِّ من أحسنِ شروحِ مئة المعاني والبيان في باب رَبْطِ الكلام، ولعلَّ هذا مِن أثرِ النَّزعة التَّعليميّة، على ما سيأتي.
ثُمَّ إنَّ براعتَه لا تتوقَّفُ عندَ ربطِ أجزاء المتن، وحُسْنِ التَّمهيد لِما يَشرحُ فحسْب، بل في ربطِ أجزاءِ الشَّرح عامّةً؛ فهو أحيانًا يشيرُ إلى ما سيأتي من مسائل؛ كقوله: «وسيأتي تقريرُهما في باب »، و«وغيره من الاعتبارات الآتي بيانُها في باب »، وإلى ما تقدَّمَ بيانُه؛ كقوله في أوَّلِ علم البديع: «كما بُيِّنَ في أوَّلِ علم المعاني»، «ويُعرَفُ أكثرُها مِمّا تقدَّمَ في باب ..»، و«كما مرَّ في الأمثلة المذكورة في »، و«فاحترز عن كذا، كما سبق»، و«وشرطُه كذا، كما سلف»، و«كما قرَّرْناه هناك»، وهذه المقدرةُ على الرَّبطِ بينَ مسائل الكتابِ وأجزائِهِ، هي سِمةٌ حسَنَةٌ تدلُّ على تبصُّرِهِ بما في المتن قبلَ الشُّروعِ في شَرْحِه، ولعلَّها تدلُّ كذلك على مُعاوَدتِه المتنَ غيرَ مرَّةٍ، وربَّما تدريسه قبل أن يشرحَه.
أمَّا طريقتُه في تناوُلِ كلام النَّاظمِ فإنَّها تقومُ على ركائزَ تكادُ تكونُ مشتركةً بينَه وبينَ أقرانِه، من شارحي هذا النَّظْم:
فهو يبدأ غالبًا بشَرْح المصطلحاتِ البلاغيّة الّتي افتتحَ بها النَّاظمُ أكثرَ مباحثه، وقد يكونُ شرحُه لها اصطلاحيًّا فقط، أو لُغويًّا واصطلاحيًّا معًا، أو كليهما مع بيان الجامع بينَهما، وإنْ كان للمصطلح أكثرُ من تسميةٍ فينبِّهُ على ذلك، كما ينبِّه على الفروق الطَّفيفة بين المصطلحات المتشابهة، وهو
[ ٥٠ ]
قبلَ أن يشرع بشرحِ بابٍ من أبواب البلاغة قد يُسوِّغُ تقديمَ هذا الباب على غيره، وقد يبيِّنُ صِلتَه ببابٍ آخرَ.
والعمريُّ، بخلافِ أكثرِ شُرَّاحِ المنظومة، يُعنى بنصِّ المتن، فتراهُ يُعلِّق على النَّظم؛ مُحاولًا أنْ يُبيِّنَ منهجَ ابنِ الشِّحنة واختياراته فيه، مُعتذِرًا له في أشياء، أو مُثْنِيًا على حُسْن سَبْكِه للكلام في هذه الأرجوزة.
وهو إلى ذلك يُعنى بِفَكِّ عبارة النَّظْم من حيثُ بيانُ الوزن الصَّرفيِّ للكلمة، أو إعرابُها، أو شرح معناها، أو إعادةُ ترتيب نَظْمِها بتأخير ما حقُّه التّأخير وتقديمِ ما حقُّه التَّقديمُ ليتوضَّحَ المرادُ بجَلاء، أو بيانُ عَودِ الضَّمير، أو بيان عَود اسم الإشارة، أو بيان ضَبْطِ بعضِ كلمات النَّظم، أو اقتراح تعديلٍ في النَّظْمِ؛ كقوله: «فكانَ على النَّاظمِ أنْ يقولَ »، ولكنَّ المستغرَبَ منه قلَّةُ عِنايته بتحقيق المتن قبلَ شرحِه؛ فقد أوردَ بعضَ مواضعَ من المتن فيها كسرٌ للوزن، تبيَّنَ لي - بعد تحقيق الأرجوزة - أنَّ ما أوردَه من غلط، هو رواياتٌ مذكورةٌ في بعضِ النُّسَخ.
بعد ذلك يَنتقلُ إلى بَسْطِ ما تَضَمَّنَتْهُ عبارةُ النَّاظمِ المتوقَّفُ عندَها من قواعدَ وأحكام، غيرَ مُتقيِّدٍ بحدودِ مضمونِها؛ لأنّه إنْ ألفى ما في الأرجوزةِ من مباحثَ غيرَ مُستوفًى استدرَكَ على النَّاظمِ بعضَ القضايا والجُزئيّات، وقد يُصرِّحُ بأنَّ النَّاظمَ لم يذكرها؛ كقوله: «واعلَمْ أنَّ حذفَ المسندِ إليه غيرُ مُنحصِرٍ بما ذكرَه النّاظمُ»، وقد لا يُصرِّحُ - وخاصَّةً في عِلم البيان - ورُبَّما زادَ عليه ثُمَّ اعتذرَ له بأنَّ كلامَه يدلُّ عليه وإنْ لم يذكرْهُ؛ متوسِّطًا في بيان هذا المضمون بينَ الإكثار المُمِلّ والإيجاز المُخِلّ، على أنَّه شاءَ لهذا الكتابِ أنْ يكون من مختصَرات الفنِّ؛ مُصَرِّحًا بذلك غيرَ مَرَّةٍ؛ كقوله: «ولِبَيانِها طُولٌ لا يليق بهذا المُختصَر»، وكانَ كثيرًا مّا يختمُ شرحَه لمبحثٍ بالإحالة على الكُتُبِ المُطوَّلة؛ كقوله: «وللاستئنافِ أقسامٌ تُطلَبُ من المطوَّلات».
[ ٥١ ]
ورُبَّما توقَّفَ في أثناء كلامه عندَ شرحِ سابقِه مُحِبّ الدِّين الحمويّ، وكانَ أبانَ في خُطبتِه أنَّ سببَ تأليفِه كتابَ الدُّرَر هو التَّعرُّضُ لبعضِ مواضعَ قصَّر الحمويُّ فيها، فيوردُ قولَه مسبوقًا بـ «قال الشَّارح»، ثُمَّ يقفُ عند هذا القولِ، معترِضًا غالبًا، على ما سيأتي.
والمنظومةُ - لفَرْطِ وجازتِها - غزيرةُ المادّة، عاريةٌ عن الأمثلةِ، لا تشيرُ إلى المذاهب والأقوال المختلفة، فالتزمَ العمريُّ أنْ يوضِّحَ ذلك كلَّه غايةَ الإيضاحِ، فذكَر لكلِّ مسألةٍ أمثلةً بلاغيّة كافيةً، وبسَطَ أقوالَ العُلماء ومذاهبَهم وما اختلفُوا فيه، مُرجِّحًا بينها أحيانًا.