عِرْفَانُهَا: أَيْ مَعْرِفَةُ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، أَيْ: إِدْرَاكُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُوْرَةِ، بِمَعْنَى: أَيُّ فَرْدٍ يُوْجَدُ مِنْهَا أَمْكَنَنَا أَنْ نَعْرِفَهُ بِذَلِكَ الْعِلْمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
عِلْمٌ: أَيْ مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إِدْرَاكَاتٍ جُزْئِيَّةٍ، لَا أَنَّهَا تَحْصُلُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِالْفِعْلِ
هُوَ: عِلْمُ
الْمَعَانِيْ: فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ عِلْمَ الْمَعَانِيْ: عِلْمٌ تُعْرَفُ مِنْهُ أَحْوَالُ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ الَّتِيْ بِهَا يُطَابِقُ مُقْتَضَى الْحَالِ.
[ ١٦٧ ]
وَيَجُوْزُ أَنْ يُرَادَ بِالْعِلْمِ نَفْسُ الْأُصُوْلِ وَالْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيْرًا مَّا يُطْلَقُ عَلَيْهَا، وَيَجُوْزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِدْرَاكُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ (١) فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ (٢).
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي الْمُطَوَّلِ (٣): «وَمَعْنَى مُطَابَقَةِ الْكَلَامِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ: أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِيْ يُوْرِدُهُ الْمُتَكَلِّمُ يَكُوْنُ مِنْ جُزْئِيَّاتِ ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَيَصْدُقُ هُوَ عَلَيْهِ صِدْقَ الْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ. مَثَلًا: يَصْدُقُ عَلَى (إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ) أَنَّهُ كَلَامٌ مُؤَكَّدٌ، وَعَلَى (زَيْدٌ قَائِمٌ) أَنَّهُ كَلَامٌ ذُكِرَ فِيْهِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِنَا: [الهِلَالُ وَاللهِ] أَنَّهُ كَلَامٌ حُذِفَ فِيْهِ الْمُسنَدُ إِلَيْهِ (٤). وَظَاهِرٌ أَنَّ تِلْكَ الْأَحْوَالَ هِيَ الَّتِيْ بِهَا يَتَحَقَّقُ مُطَابَقَةُ هَذَا الْكَلَامِ لِمَا هُوَ مُقْتَضَى الْحَالِ فِي التَّحْقِيْقِ، فَافْهَمْ» اِنْتَهَى.
وَإِنَّمَا قَدَّمَ النَّاظِمُ وَغَيْرُهُ عِلْمَ الْمَعَانِيْ عَلَى الْبَيَانِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُفْرَدِ مِنَ الْمُرَكَّبِ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ: عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ إِيْرَادُ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ فِيْ تَرَاكِيْبَ مُخْتَلِفَةٍ بَعْدَ رِعَايَةِ الْمُطَابَقَةِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ؛ فَفِيْهِ زِيَادَةُ اعْتِبَارٍ لَيْسَتْ فِيْ عِلْمِ الْمَعَانِيْ، وَالْمُفْرَدُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ طَبْعًا، فَقُدِّمَ وَضْعًا أَيْضًا.
مُنْحَصِرُ الْأَبْوَابِ: مِنْ إِضَافَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ إِلَى فَاعِلِهِ
_________________
(١) الشَّريف الجرجانيّ، ت ٨١٦ هـ. انظر: الأعلام ٥/ ٧.
(٢) بقوله: «إذا أُرِيدَ بالعِلم الملَكةُ أو نفسُ القواعد؛ لم يُحتَج إلى تقدير مُتعلّق العلم، لكنْ إنْ أُريد به الإدراكُ فلا بدَّ من تقديره، أي: علم بقواعدَ وأصولٍ، والتَّفصيلُ أنّ المعنى الحقيقيَّ لِلَفْظِ العلمِ هو الإدراكُ » انظر: المطوّل بهامش ص ٣٤ (طبعة خادم العلم السّني).
(٣) ص ١٦٨.
(٤) أي: «هذا الهلالُ»، وأغنى عن قوله: (هذا)، القصدُ والإشارة. انظر: سيبويه ١/ ١٣٨، والمقتضب ٤/ ١٢٩، والكامل ٢/ ٦١٦، والأصول ١/ ٦٨، والمفصّل في صنعة الإعراب ص ٤٤.
[ ١٦٨ ]
فِيْ ثَمَانِ: أَيْ فِيْ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ، انْحِصَارَ الْكُلِّ فِيْ أَجْزَائِهِ، لَا الْكُلِّيِّ فِيْ جُزْئِيَّاتِهِ؛ لِعَدَمِ صِدْقِ عِلْمِ الْمَعَانِيْ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا. وَهِيَ:
١ - أَحْوَالُ الْإِسْنَادِ الْخَبَرِيِّ.
٢ - وَأَحْوَالُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ.
٣ - وَأَحْوَالُ الْمُسْنَدِ.
٤ - وَأَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ.
٥ - وَالْقَصْرُ.
٦ - وَالْإِنْشَاءُ.
٧ - وَالْفَصْلُ وَالْوَصْلُ.
٨ - وَالْإِيْجَازُ وَالْإِطْنَابُ وَالْمُسَاوَاةُ.
وَوَجْهُ الْحَصْرِ كَمَا قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (١): «فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: اللَّفْظُ إِمَّا جُمْلَةٌ أَوْ مُفْرَدٌ؛ فَأَحْوَالُ الْجُمْلَةِ هِيَ الْبَابُ الأوَّلُ. وَالْمُفْرَدُ إِمَّا عُمْدَةٌ أَوْ فَضْلَةٌ، وَالْعُمْدَةُ إِمَّا مُسْنَدٌ إِلَيْهِ أَوْ مُسْنَدٌ، فَجُعِلَ أَحْوَالُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَبْوَابًا ثَلَاثَةً؛ تَمْيِيْزًا بَيْنَ الْعُمْدَةِ وَالْفَضْلَةِ (الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ أَوِ الْمُسْنَدِ)، ثُمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ مَا لَهُ مَزِيْدُ غُمُوْضٍ، وَكَثْرَةُ أَبْحَاثٍ، وَتَعَدُّدُ طُرُقٍ، وهو القَصْرُ، أُفْرِدَ بَابًا خَامِسًا (٢). وَكَذَا مِنْ أَحْوَالِ الْجُمْلَةِ مَا لَهُ مَزِيْدُ/ شَرَفٍ، وَلَهُمْ بِهِ زِيَادَةُ اهْتِمَامٍ، وَهُوَ الفَصْلُ وَالْوَصْلُ (٣). وَلَمَّا كَانَ مِنَ
_________________
(١) ص ١٧٢.
(٢) صل، ب، د، جز: «أفرد له»، وظاهرٌ أنّ [له] مُقحَمة.
(٣) أي: فجُعل بابًا سادسًا.
[ ١٦٩ ]
الْأَحْوَالِ مَا لَا يَخْتَصُّ مُفْرَدًا وَلَا جُمْلَةً، بَلْ يَجْرِيْ فِيْهِمَا، وَكَانَ لَهُ شُيُوْعٌ وَتَفَارِيْعُ كَثِيْرَةٌ، جُعِلَ بَابًا سَابِعًا. وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحْوَالٌ يَشْتَرِكُ فِيْهَا الْخَبَرُ وَالْإِنْشَاءُ. وَلَمَّا كَانَ هُنَا أَبْحَاثٌ رَاجِعَةٌ إِلَى الْإِنْشَاءِ خَاصَّةً جُعِلَ الْإِنْشَاءُ بَابًا ثَامِنًا [مِنْهَا] (١)، فَانْحَصَرَ فِي ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ» اِنْتَهَى.
* * *
_________________
(١) من د.
[ ١٧٠ ]
الباب الأول