وَوَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ: فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْمُخَاطَبُ فِي الْإِنْكَارِ زِيْدَ فِي التَّأْكِيْدِ (١)، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ رُسُلِ عِيْسَى (٢) ﵊، إِذْ كُذِّبُوا:
- فِي الْمَرَّةِ الْأُوْلَى: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤]، مُؤَكِّدًا بِـ (إِنَّ، وَاسْمِيَّةِ الْجُمْلَةِ).
- وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] مُؤَكِّدًا
_________________
(١) رُوي خبرُ الكنديّ وأبي العبّاس في الدّلائل ص ٣١٥، ومفادُه أنّ: الكِنْديَّ المتفلسِفَ رَكِبَ إلى أبي العبّاس، وقال له: إني لأَجِدُ في كلامِ العرب حَشْوًا! فقال له أبو العبّاس: في أيِّ موضعِ وجدتَ ذلك؟ فقال: أَجِدُ العربَ يقولون: «عبدُ الله قائمٌ»، ثُمّ يقولون: «إنَّ عبد الله قائمٌ»، ثمّ يقولونَ: «إنّ عبد اللهَ لقائمٌ». فالألفاظ متكرِّرةٌ، والمعنى واحدٌ. فقال أبو العبّاس: بل المعاني مختلِفةٌ لاختلافِ الألفاظِ فقولُهم: «عبدُ الله قائمٌ» إخبارٌ عن قيامه وقولُهم: «إنَّ عبد الله قائمٌ» جوابٌ عن سؤالِ سائلٍ. وقولُهم: «إنَّ عبدَ الله لقائمٌ» جوابٌ عن إنكارِ منكِرٍ قيامَه؛ فقد تكرَّرتِ الألفاظُ لتكرُّرِ المعاني قال: فما أَحَارَ المتفلسفُ جوابًا. وكذا في مفتاح العلوم ص ٢٥٩، والإيضاح ١/ ٧١، والجنى الدّاني ص ١٣١.
(٢) انظر: تفسير الجلالين ص ٤٤١.
[ ١٧٧ ]
بِـ (الْقَسَمِ (١)، وَإِنَّ، وَاللَّامِ، وَاسْمِيَّةِ الْجُمْلَةِ)؛ لِمُبَالَغَةِ الْمُخَاطَبِيْنَ فِي الْإِنْكَارِ؛ حَيْثُ قَالُوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥].
قَالَ الْقَزْوِيْنِيُّ (٢): «وَيُسَمَّى الضَّرْبُ الْأَوَّلُ ابْتِدَائِيًّا، وَالثَّانِي طَلَبِيًّا، وَالثَّالِثُ إِنْكَارِيًّا، وَيُسَمَّى إِخْرَاجُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا - أَيْ عَلَى الْوُجُوْهِ الْمَذْكُوْرَةِ؛ وَهِيَ الْخُلُوُّ مِنَ التَّأْكِيْدِ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّقْوِيَةُ بِمُؤَكِّدٍ اسْتِحْسَانًا فِي الثَّانِي، وَوُجُوْبُ التَّأْكِيْدِ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ فِي الثَّالِثِ - إِخْرَاجًا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ».
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (٣): «وَهُوَ أَخَصُّ مُطْلَقًا مِنْ مُقْتَضَى الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْحَالِ، فَكُلُّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مُقْتَضَى الْحَالِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، كَمَا فِيْ صُوْرَةِ الْإِخْرَاجِ لَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ» اِنْتَهَى.
وَكَثِيْرًا مَّا يُخْرَجُ الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ؛ كَمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
وَيَحْسُنُ التَّبْدِيْلُ: أَيْ تَبْدِيْلُ مَا يَقْتَضِيْهِ الظَّاهِرُ.
بِالْأَغْيَارِ: أَيْ بِغَيْرِ مَا يَقْتَضِيْهِ الظَّاهِرُ:
١ - فَيُجْعَلُ غَيْرُ السَّائِلِ كَالسَّائِلِ: إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ مَا يُلَوِّحُ لَهُ بِالْخَبَرِ، فَيَسْتَشْرِفُ لَهُ اسْتِشْرَافَ الْمُتَرَدِّدِ الطَّالِبِ، نَحْوُ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ٣٧]، أَيْ: لَا تَدْعُنِيْ يَا نُوْحُ فِيْ شَأْنِ قَوْمِكَ، وَاسْتِدْفَاعِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ بِشَفَاعَتِكَ.
_________________
(١) قوله: «يَعْلَمُ» أُجري مُجرى القَسَم. انظر سيبويه ٣/ ١١٠.
(٢) في الإيضاح ١/ ٧١ - ٧٢.
(٣) في المطوّل ص ١٨٦.
[ ١٧٨ ]
فَهَذَا الْكَلَامُ (١) يُلَوِّحُ بِالْخَبَرِ تَلْوِيْحًا [مَّا] (٢)، وَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، فَصَارَ الْمَقَامُ مَقَامَ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْمُخَاطَبُ فِيْ أَنَّهُمْ هَلْ صَارُوا مَحْكُوْمًا عَلَيْهِمْ بِالْإِغْرَاقِ أَمْ لَا؟ فَقِيْلَ: ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، مُؤَكَّدًا؛ أَيْ: مَحْكُوْمًا عَلَيْهِمْ بِالْإِغْرَاقِ.
٢ - وَيُجْعَلُ غَيْرُ الْمُنْكِرِ كالْمُنْكِرِ: إِذَا لَاحَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمَارَاتِ الْإِنْكَارِ؛ نَحْوُ: [السّريع]
جَاءَ شَقِيْقٌ عَارِضًا رُمْحَهُ إِنَّ بَنِيْ عَمِّكَ فِيْهِمْ رِمَاحْ (٣)
فَهُوَ لَا يُنْكِرُ أَنَّ فِيْ بَنِيْ عَمِّهِ رِمَاحًا، لَكِنْ مَجِيْئُهُ وَاضِعًا الرُّمْحَ عَلَى الْعَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ وَتَهَيُّؤٍ أَمَارَةٌ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنْ لَا رُمْحَ فِيْهِمْ، بَلْ كُلُّهُمْ عُزْلٌ، لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ، وَخُوْطِبَ خِطَابَ الْتِفَاتٍ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ بَنِيْ عَمِّكَ فِيْهِمْ رِمَاحُ)؛ مُؤَكَّدًا.
٣ - وَيُجْعَلُ [عَيْنُ] (٤) الْمُنْكِرُ كَغَيْرِ الْمُنْكِرِ: إِذَا كَانَ مَعَ الْمُنْكِرِ شَيْءٌ مِنَ الدَّلِيْلِ (٥) وَالشَّوَاهِدِ، إِنْ تَأَمَّلَ الْمُنْكِرُ ذَلِكَ الشَّيْءَ ارْتَدَعَ عَنْ إِنْكَارِهِ.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَعَهُ: أَنْ يَكُوْنَ مَعْلُوْمًا لَهُ، مُشَاهَدًا عِنْدَهُ؛ كَمَا تَقُوْلُ لِمُنْكِرِ الْإِسْلَامِ: (الْإِسْلَامُ حَقٌّ)، مِنْ غَيْرِ تَأْكِيْدٍ؛ لِأَنَّ مَعَ ذَلِكَ الْمُنْكِرِ دَلَائِلَ دَالَّةً عَلَى حَقِيْقَةِ الْإِسْلَامِ.
_________________
(١) مع قوله قبلَها: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) [هود: ٣٧].
(٢) من ب.
(٣) لحَجْل بن نَضْلَة في البيان والتّبيين ٣/ ٣٤٠، ومعاهد التّنصيص ١/ ٧٢. وبلا نسبة في الموشّح ص ٣٢٠، ودلائل الإعجاز ص ٣٢٦، ونهاية الإيجاز ص ٢٢٤، ومفتاح العلوم ص ٢٦٣، والبرهان الكاشف ص ١٦١، ونهاية الأرب ٧/ ٦٩، والإيضاح ١/ ٧٥، وإيجاز الطّراز ص ١١٧.
(٤) من ب
(٥) د: الدّلائل.
[ ١٧٩ ]
قَالَ فِي الْإِيْضَاحِ (١): «هَذَا كُلُّهُ اعْتِبَارَاتُ الْإِثْبَاتِ، وَقِسْ عَلَيْهَا اعْتِبَارَاتِ النَّفْيِ؛ كَقَوْلِكَ: (لَيْسَ زَيْدٌ، أَوْ مَا زَيْدٌ، مُنْطَلِقًا أَوْ بِمُنْطَلِقٍ)، [وَ] (٢) (وَاللهِ لَيْسَ زَيْدٌ، وَمَا زَيْدٌ، مُنْطَلِقًا أَوْ بِمُنْطَلِقٍ)، (وَمَا يَنْطَلِقُ، أَوْ مَا إِنْ يَنْطَلِقُ زَيْدٌ)، (وَمَا كَانَ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، وَمَا كَانَ زَيْدٌ لِيَنْطَلِقَ)، (وَلَا يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، وَلَنْ يَنْطَلِقَ زَيْدٌ)» اِنْتَهَى.
* * *
ثُمَّ الْإِسْنَادُ:
مِنْهُ حَقِيْقَةٌ عَقْلِيَّةٌ: وَهِيَ إِسْنَادُ الْفِعْلِ - أَوْ مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ - إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فِي الظَّاهِرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: