وهو شرحٌ مطوَّلٌ مُشتَهَرٌ أقامَه سعدُ الدِّين التَّفتازانيّ (ت ٧٩٢ هـ) على كتاب تلخيص المفتاح، شرحَه مَزجًا، وبسطَ مسائلَه، بل زادَ عليه، وهذا الشَّرحُ لا ريبَ من أجَلِّ كُتُبِ المتأخِّرين وأوسعِها، حشَدَ فيه السَّعدُ كثيرًا من أقوالِ البلاغيّين، والنَّحويّينَ، وله فيه تحقيقاتٌ مُهِمَّة.
والَّذي يَعنينا هُنا أنَّ المطوَّلَ لِكونِه شرحًا للتَّلخيصِ الَّذي هو أساسُ أرجوزةِ ابنِ الشِّحنة غَدا من المصادرِ الَّتي يُمكِنُ لِشُرَّاح هذه الأرجوزةِ أنْ يستعينُوا به، فالحمويُّ أوَّلُ شُرَّاح الأرجوزةِ بنى شرحَه على المطوَّل، فلا غرابةَ في أنْ يستعينَ العمريُّ بهذا الكتابِ، وأنْ يُنزِلَه منزلةً عُليا في بابِ مصادرِه.
وقد أكثرَ العمريُّ من النَّقل عن المطوَّل، فهو عُمدتُه في العديد من الأبوابِ، والعمريُّ كثيرُ المتابعةِ لِما فيه، حتَّى يُخيَّلُ إلى القارئِ أنَّه واحدٌ من شروح أرجوزةِ ابن الشِّحنة، وصرَّح العمريُّ بهذه النُّقولِ في نَحوِ خمسين موضعًا، وهي نُقولٌ اتَّصفَت بالدِّقَّةِ وقِلَّةِ التَّصرُّفِ في المنقول، ونقلَ عنه من غيرِ تصريحٍ في مواضعَ تكادُ تكونُ مستفيضةً في هذا الشَّرح، وقد سَلَف الكلامُ على منهجِه في النَّقْل.
والعُمريُّ فيما نَقَلَه عنه مُطمئِنٌّ كُلَّ الاطمئنان؛ فلا اعتراضَ عليه ولا استدراك، بل هو حُجَّتُه في الرَّدِّ على الآخرين، وقد يستعينُ به في بعضِ تعليقاتِه اللُّغويّة أو النَّحويّة أو يستعيرُ منه شاهدًا لم يرَه عندَ غيرِه، أو ينقلُ عنه شرحَ شاهدٍ بلاغيّ، وقد ينقلُ عنه روايةً بعضَ أقوالِ العُلماء؛ كالأخفش، وابن جنيّ، وعبد القاهر، والسَّكَّاكيّ، وقد يُنبِّهُ هو على زيادات السَّعد، ولِفَرْطِ اطمئنانه إليه قد يُتابعُه في الوهم كمثل الموضع الَّذي نقلَ فيه السَّعدُ كلامًا عن أسرار البلاغة على أنَّه من دلائل الإعجاز، فنقَلَ العمريُّ هذا الكلامَ دونَ أنْ يُصلِحَ هذا الوهمَ، أو يُشيرَ إليه، وإلى ذلك
[ ٦٣ ]
هو مصدرٌ للمادَّة البلاغيَّة، ولبعضِ التَّحقيقات.
والكلامُ على تأثُّر العمريِّ بالمطوَّل لا ينتهي عندَ هذه المواضعِ المعدودة الَّتي صرَّح فيها بالنَّقْلِ عنه، بل يُجاوِزُها؛ فما صرَّحَ به هو جزءٌ مِمَّا نقلَه على الحقيقة من هذا الكتاب، وقد وقفتُ على مواضعَ كثيرةٍ ممَّا أخذَه من المطوَّل، ومِن هذه المواضعِ فِقَرٌ بتمامِها، ومسائلُ مُستوفاة، حَشَّى بها العمريُّ شرْحَه على أنَّها مِن كلامِه هو، حتَّى غدا شرحُه في بعض المواضع نسخةً ثانيةً عن المطوَّل، وفوقَ هذا فإنَّ بعضًا من مُقدِّمات الأبوابِ عندَ العمريّ هي مقدِّماتُ المطوَّلِ نفسُها.
وسِوى ذلك مِمَّا نقلَه عنه لا يعدو أنْ يكونَ تعليقاتٍ مُقتضبَةً، بعضُها جاءَ به تعليقًا على عبارةٍ للنَّاظم، وما تبقَّى تعليلاتٌ وتحقيقاتٌ أفادَ منها في أثناءِ الشَّرح والتَّعليق، وكانَ بمقدورِه أن يطَّرِحَ بعضَها لو عادَ إلى مَظانِّها؛ فهو قد ينقلُ عنه تعليقًا لُغويًّا يمكِنُ أنْ يجدَهُ في المعاجم المشتهَرة.
ولا ريبَ في أنَّ هذه المواضعَ تُكوِّنُ مادَّةً لا يُمكِنُ تجاهلُها أو تجاهُلُ أثرِها في بناءِ مادَّةِ هذا الشَّرح، وما من سببٍ يدعوهُ إلى إغفالِ نسبتِها إلى صاحبها إلَّا رغبتُه في إظهارِ شخصيَّةٍ بلاغيّة، وما قُلناهُ في المطوَّل يُقالُ في المختصَر.