· وَمُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ (١): أَنْ تَكُوْنَ الْكَلِمَةُ عَلَى خِلَافِ الْقَانُوْنِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ تَتَبُّعِ لُغَةِ الْعَرَبِ - أَعْنِيْ: مُفْرَدَاتِ أَلْفَاظِهِمِ الْمَوْضُوْعَةَ وَمَا هُوَ فِيْ حُكْمِهَا - كَوُجُوْبِ الْإِعْلَالِ فِيْ نَحْوِ: (قَامَ)، وَالْإِدْغَامِ فِيْ نَحْوِ: (مَدَّ)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عِلْمُ التَّصْرِيْفِ.
وَأَمَّا نَحْوُ: (أَبَى يَأْبَى (٢) - وَعَوِرَ - وَاسْتَحْوَذَ- وَقَطِطَ شَعْرُهُ - وَآلٍ - وَمَاءٍ) (٣) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاذِّ الثَّابِتَةِ فِي اللُّغَةِ فَلَيْسَتْ مِنَ
_________________
(١) في عبارة القزوينيّ: «مخالفة القياس» الإيضاح ١/ ٢١ نظرٌ؛ إذ لو اشترط عدم مخالَفة الوضع اللُّغويّ لَكان أحسن، وكان السّبكيّ تعقّبه بقوله: «وقد يَرِدُ على المصنِّف ما خالَف القياسَ وكَثُرَ استعمالُه، فورد في القرآن، فإنّه فصيح مثل: استحْوَذ» عروس الأفراح ١/ ١٨٧، وكذا للسّعد استدراك في المطوّل ص ١٤٣ وأثبته العمريّ ههنا. وكان ابن سنان استفاض في الكلام على هذا الشّرط وفصّل فيه القول؛ فأدخل فيه كلَّ ما يُنْكِرُهُ أهلُ اللُّغةِ، ويردُّه علماءُ النَّحو من التَّصرُّف الفاسد في الكلمة، وإن رأى أنْ ليس له كبير تأثير في فصاحة الكلمة. انظر: سرّ الفصاحة ص ٩٦ حتّى ١١١.
(٢) د: أبي يأبي، تحريف.
(٣) الجامعُ لهذه الأمثلة أنّها بخلافِ القياسِ، وهاكَ التَّعليقَ على كلِّ واحدة: = (أَبَى - يَأْبَى): شذَّ من فَعَلَ المعتلِّ اللّامِ، وجاء مضارعُه على يَفْعَل. والقياس: (يأبي). انظر: سيبويه ٤/ ١٠٥، والممتع في التّصريف ١/ ١٧٨ - ٢/ ٥٣١. (عَوِرَ): الواوُ والياءُ إذا انفتحَ ما قبلَهما، ثم تحرّكَتا، تُقلبان ألفًا. مثلُ: (قَوِل = قال). وشذّتْ (عَوِرَ) وبقيتْ على أصلِها. انظر: اللُّباب ٢/ ٣٠٥، وأوضح المسالك ٤/ ٣٧٤. (استحْوَذ): الواجب أن تُنقَل الفتحةُ من حرف العلّة إلى السّاكن قبله، ويُقلبُ حرفُ العلّة ألفًا. لكنْ خرجَ الفعلُ على أصله، والقياسُ: (استحاذ). انظر: الخصائص ١/ ١١٩، والممتع في التّصريف ٢/ ٤٨٢. (قَطِطَ شَعْرُه): أي: جَعُدَ. وهو من الكلمات النَّادرة جدًّا في إظهار تضعيفها من هذا الوزن، والقياسُ إدغامُه: (قَطَّ). انظر: أدب الكاتب ص ٦٠٨، وتهذيب إصلاح المنطق ص ٥٠٤، اللّسان: (قطط). (آل): سَبَقَ حديثُه في شرحِ قولِ النَّاظمِ "وآلِهِ وسَلَّمَا". (ماء): أصلُها «مَوَه» وقلبُوا الواوَ ألِفًا لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلَها، كما قدَّمنا في عَوِرَ. انظر: اللُّباب ٢/ ٣٠٥.
[ ١٥٥ ]
الْمُخَالَفَةِ فِيْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا كَذَلِكَ ثَبَتَتْ عَنِ الْوَاضِعِ، فَهِيَ فِيْ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَاةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْقِيَاسُ كَذَا، إِلَّا فِيْ هَذِهِ الصُّوَرِ.
بَلِ الْمُخَالَفَةُ: (مَا لَا يَكُوْنُ عَلَى وَفْقِ مَا ثَبَتَ عَنِ الْوَاضِعِ)؛ نَحْوُ: (الْأَجْلَلِ) - بِفَكِّ الْإِدْغَامِ - فِيْ قَوْلِهِ: [الرّجز]
الْحَمْدُ لِلهِ الْعَلِيِّ الْأَجْلَلِ . . . . . . . . . . . . . (١)
[وَالْقِيَاسُ: الْأَجَلِّ] (٢).
قَالَ فِي الْإِيْضَاحِ: (٣) «ثُمَّ عَلَامَةُ كَوْنِ الْكَلِمَةِ فَصِيْحَةً: أَنْ يَكُوْنَ اسْتِعْمَالُ الْعَرَبِ الْمَوْثُوْقِ بِعَرَبِيَّتِهِم لَهَا كَثِيْرًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنِ اسْتِعْمَالِهِمْ مَا بِمَعْنَاهَا» اِنْتَهَى. (٤)
_________________
(١) لأبي النَّجْم العِجْلِيّ (الفضل بن قُدامة) في ديوانه ص ٣٣٧، ومعاهد التّنصيص ١/ ١٨، وخزانة البغداديّ ٢/ ٣٩٠، وبلا نسبة في المقتضب ١/ ١٤٢ - ٢٥٣، والأصول ٣/ ٤٤٢، والموشّح ص ١٣٠، والخصائص ٣/ ٨٩ - ٩٥، ونَضْرة الإغريض ص ٢٧٥، والإيضاح ١/ ٢٦، وإيجاز الطّراز ص ٨١، وما يحتمل الشِّعر من الضَّرورة ص ٦٤. وأتى برواية: «الحمدُ للهِ الوَهُوبِ المُجزِلِ» في سيبويه ٤/ ٢١٤ بلا عزو، وكذا لأبي النَّجم في العمدة ١/ ٢٨٩ ولا شاهدَ. وإظهارُ التّضعيف والعود به إلى الأصل ضرورة شعريّة، ويمنعونه في النّثر. انظر: سيبويه ١/ ٢٩ - ٣/ ٥٣٥.
(٢) ليس في ب.
(٣) ص ٢٧. وهي من عبارة السّكّاكيّ في مفتاح العلوم ص ٥٢٦.
(٤) وذكر البلاغيّون من عيوب فصاحة المفردة - أيضًا - أمورًا منها: الكراهة في السَّمْع: كلفظة «الجِرِشَّى: بمعنى النَّفْس» في قول المتنبّي مادحًا سيف الدّولة: [المتقارب] مُبارَكُ الِاسمِ أغرُّ اللَّقَبْ كريمُ الجِرِشَّى شريفُ النَّسَبْ انظر: سرّ الفصاحة ص ٧٦، وهذا الشّرط فيه نظر عند القزوينيّ في الإيضاح ١/ ٢٧، ودفعَه السّعد من أربعة وجوه في المطوّل ص ١٤٤. والمسألة في المثل السّائر ١/ ٩١. الابتذال: كقول أبي تمّام: [البسيط] جَلَّيْتَ والموتُ مُبْدٍ حُرَّ صفحتِهِ وقد تَفَرْعَنَ في أفعالِه الأَجَلُ فإنّ «تَفَرْعَنَ» مشتقٌّ من اسم «فِرْعَوْن»، وهو من ألفاظ العامّة، وعادتُهم أن يقولوا: (تَفَرْعَنَ فلانٌ) إذا وصفوه بالجبريّة. انظر: الموازنة ق ١ ج ١ ص ٢٣٨، وسرّ الفصاحة ص ٩٠.
[ ١٥٦ ]
ثُمَّ الْفَصِيْحُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ: مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى فَصَاحَةِ كَلِمَاتِهِ؛ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَزْوِيْنِيُّ حَيْثُ قَالَ:
«وَفْي الْكَلَامِ: خُلُوْصُهُ مِنْ ضَعْفِ التَّأْلِيْفِ، وَتَنَافُرِ الْكَلِمَاتِ، وَالتَّعْقِيْدِ، مَعَ فَصَاحَتِهَا». (١)
أَيْ: مَعَ فَصَاحَةِ كَلِمَاتِهِ؛ فَهُوَ (٢) حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِيْ (خُلُوْصِهِ)، كَمَا قَرَّرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِيْ شَرْحَيْهِ (٣).
* * *